fbpx

هل نجح الرهان المصري!

نوفمبر 15, 2017
تبنّت الحكومة المصرية رهاناً اقتصادياً درامياً عندما تبنت حزمة إجراءات نيوليبرالية قاسية شملت خفض الدعم على الطاقة والاقتراض على نطاقٍ واسع وفرض ضرائب عامة وخفض سعر تحويل الجنيه المصري ما أدى إلى معدلاتٍ غير مسبوقة في التضخم لبلدٍ يعتمد بشدة على الاستيراد.

تبنّت الحكومة المصرية رهاناً اقتصادياً درامياً عندما تبنت حزمة إجراءات نيوليبرالية قاسية شملت خفض الدعم على الطاقة والاقتراض على نطاقٍ واسع وفرض ضرائب عامة وخفض سعر تحويل الجنيه المصري ما أدى إلى معدلاتٍ غير مسبوقة في التضخم لبلدٍ يعتمد بشدة على الاستيراد.
ويعني هذا الخيار الاقتصادي ببساطة مع استمرار إعلان الحكومة عن نيتها مواصلته أن يكون كل فرد مسؤولًا عن نفسه وأن لا تقدم الحكومة سوى الحدّ الأدني من الخدمات وفي مقابل ثمن معظم الوقت. ومنذ نوفمبر تشرين الثاني الماضي انخفض سعر الجنيه الرسمي أمام الدولار نحو النصف ليقترب من ١٨ جنيها للدولار مقابل أقل من ثمانية جنيهات قبل عام، واختفت السوق السوداء التي كانت تستنزف احتياطي البلاد من العملات الأجنبية،  بل وزاد احتياطي البلاد منها لمستوى غير مسبوق. ولكن  أدى هذا أيضا إلى انخفاض مدخرات الطبقة الوسطى مقدرة بالدولار بالنصف بينما تعدى معدّل التضخم السنوي في أشهر الصيف المنصرم ٣٠ في المائة، بينما كانت معدلات البطالة الرسمية ١٢٪ ومن المتوقع ارتفاع نسبة الفقر في إحصاءات مقررة بداية العام القادم.
كيف نجح رهان الحكومة؟ وهل نجح فعلا؟
لم تزد مدخولات مصر من العملات الأجنبية ومصادرها الرئيسية السياحة وقناة السويس والصادرات (خاصة النفط) وتحويلات العاملين من الخارج كثيرا ولكن ما زاد ورفع الاحتياطي واستقر معه سعر الدولار هو القروض الخارجية والإقبال المذهل على شراء أوراق الخزانة المصرية التي تقدم للمستثمر الأجنبي أسعار فائدة قد تصل الى ١٨٪ وهى أسعار لن يحصل عليها مدير أي محفظة استثمارية أوروبي أو أمريكي ما جعل مبيعاتها تتعدى ال ١٨ مليار دولار هذا العام تقريباً مقابل ٢٥ مليون دولار من قبل (يعني ارتفاع بنحو ٧٠٠ ضعف في عام واحد). وفي نفس الوقت ارتفعت ديون مصر الخارجية قرابة أربعين في المائة منذ التعويم لتصل إلى ٧٩ مليار دولار.
أوراق الخزانة التي جعلت مصر سوقًا مرموقاً في بورصات العالم هي أيضا ديون بشكل ما وليست استثماراتٍ أجنبية مباشرة. ويعني هذا أن مصر سيتعيّن عليها أن تسدد التزامات للدائنين قد تتجاوز ال ١٨ مليار دولار في السنة المالية التي تنتهي في منتصف ٢٠١٨ وفي نفس العام قد تضطر الحكومة للاعتماد على الاقتراض الخارجي والمحلي بنسبة أكثر من ٥٠٪ من إيراداتها.  ويبدو أن الحكومة تأمل في أن تستفيد من إيرادات ضخمة يتوقعها البعض من حقول غازٍ طبيعي في البحر المتوسط ولكن الصناعات الاستخراجية لا تخلق فرص عمل كثيرة ولا يبدو أن لدى الدولة أي خطط واضحة للاستثمار أو للتشغيل.
ورغم ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء في مصر لم تنخفض فاتورة الدعم كثيرا بسبب ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه ومصر تستورد معظم احتياجاتها من الديزل والبنزين. وتقدر فاتورة الدعم المالي للأسر الأكثر فقراً بما يعرف باسم برامج تكافل وكرامة بحوالي  ثمانية مليارات جنيه مصري سنويا لحوالى ٨ مليون شخص مما يعني أن كل فرد يحصل في المتوسط على حوالي ٨٠ جنيه شهريا أو أقل من ستة دولارات شهريًا. ومع ثبات أو انخفاض مخصصات الموازنة لقطاعات التعليم والصحة يستمر تصاعد إنفاق الأسر المصرية الفقيرة والمتوسطة على هذين القطاعين من جيبها الخاص في غياب أي تأمين صحي فعال ومعقول السعر. ويقل الدخل السنوي لنحو ٨٥٪ من الأسر المصرية السنوي عن خمسين الف جنيه (أو أقل من ثلاثة آلاف دولار بالأسعار الحالية) وفقا لأحدث إحصائيات الجهاز القومي للإحصاء. هذه الأسر تنفق أكثر من ٣٤٪ من دخلها على الطعام ونحو ١٨٪ على المسكن و ١٠٪ على الصحة أي لا يتبقى لها من أجل التعليم والملابس والانتقال ناهيك عن أي أنشطة ترفيهية سوى ٣٨ قرشا من كل جنيه من دخلها.
ولكن لا احتجاجات هناك رغم كل هذا.
لا احتجاجات لأن هناك خوف من انهيار الدولة بين قطاعات واسعة من الشعب ويأس منتشر من العمل العام ومن السياسة. هذا الخوف واليأس يساهم في خلقهما أجهزة إعلام موحدة الصوت تقريباً وهي تصوّر العمل السياسي (خارج الجهاز التنفيذي للحكومة) ومن يعملون به سواء رسميا أو شعبيا بأنهم عملاء أو فاشلين بينما تتعامل أجهزة الأمن بقسوة بالغة مع من تسوّل له نفسه الاحتجاج العلني أو حتى الانتقاد اللفظي الذي قد يتعدى حدود غير واضحة.
لقد نجح الرهان حتى الآن لأن الشعب قرر لأسباب عديدة أن يمنح النظام الحالي فرصة، ولكن دون قنوات حقيقية ومرنة يعبر بها هذا الشعب عن رضاه أو عن غضبه فنحن نشبه الجالسين قرب بركان قد ينفجر أو لا ينفجر. وصل عدد الفقراء العام الماضي لحوالي ٣٠ مليون نسمة في مصر (٢٨٪ من عدد السكان مقابل ١٧٪ عام ٢٠٠٠) ويعتقد أن هذا الرقم قد يرتفع لنسبٍ أكبر هذا العام بعد القرارات الاقتصادية التقشفية وزيادة التضخم.  
الفقر المتزايد في مصر مثل سحابة حرق مخلفات الأرز السنوية التي تغطي البلاد كل خريف. ومثل هذه السحابة السامة سيؤدي إلى تغلغل الفقر وتزايد اللا مساواة وإلى تصاعد مظاهر العنف وتآكل القيم الحامية للنسيج الاجتماعي واستشراء الفساد. ولا غرابة في هذا إذ تشير عديد من الأبحاث الأكاديمية والإحصاءات في دول مختلفة إلى علاقة بين الفقر وارتفاع معدلات القتل والسرقة والجرائم العنيفة.
ستستمر مصر في مواجهة المعضلة التي تواجه بلدان عديدة مثلها  تعتقد أن مزيج النيوليبرالية الاقتصادية والتسلط السياسي قد ينقذها من أزمة لا تخصها وحدها بل تلف المنطقة والعالم كله وتحتاج إلى حلول خلاقة وحوار حرّ وعمل سياسي مفتوح وطويل الأمد. ودون هذا ستتعمّق الأزمة وتزيد معدلات الفقر والدين وتنخر في جسد المجتمع.[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الأمر الوحيد الذي بقي أمام من يسعى إلى تخيل “ما بعد لبنان” هو أن يغادر اللبنانيون كلهم هذه المساحة بقوارب صغيرة وكبيرة، وأن ينجو بعضهم ويموت بعضهم الآخر، وهذا ما يحصل عملياً، وفي هذا الوقت سيكون سهلاً على الثنائي الشيعي أن يفوز بوزارة المالية…
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني