السعودية … حيث أفضل سجون العالم!

تضع بعض صحفنا ومجلاتنا العربية عناوينَ مثل، "أفخم" أو "أفضل" أو "أجمل" سجون العالم، حيث تتمنى أن تكون مجرماً، وكأن سجوننا العربية لا يقبع بها سوى المجرمين!

تضع بعض صحفنا ومجلاتنا العربية عناوينَ مثل، “أفخم” أو “أفضل” أو “أجمل” سجون العالم، حيث تتمنى أن تكون مجرماً، وكأن كل ما يوجع السجين هو المكان ومكوناته فحسب، وكأن سجوننا العربية لا يقبع بها سوى المجرمين!

كنت أتابع منذ زمن محاولات وسائل إعلام عربية تلميع صورة الديكتاتور باهتمامه بظروف السجن ووسائل الترفيه داخله، لكنني لم أتوقع أن تتجه دولة بوسائلها الإعلامية لتسخير الجهود، لنشر صور لسجون وأقسام منها، تم تحسينها لتصبح أكثر إنسانية، ولتنافس تلك السجون العالمية “الإنسانية”، وكما تقول عناوين صحفنا “حيث تتمنى أن تكون مجرماً”، باستثناء ما غاب عن ذهن أولئك الذين يتغنون بسجوننا اليوم، أن بين سجنائنا، اصحاب رأي ومثقفين ونشطاء وغيرهم ممن لا يعدون مجرمين وفقاً للقوانين الدولية.   

صالح الشيحي

انتشر مقطع فيديو في “تويتر”، التقت خلاله كاتبة الرأي حليمة مظفر زميلها كاتب الرأي صالح الشيحي في سجنه، الذي يبدو أن ليس لديه الحق بالرفض أو القبول ليس لناحية التصوير فقط، بل حتى لناحية حضور تلك الفعالية في سجن ذهبان في جدة. نشرت حليمة ذلك المقطع الذي لقي تفاعلاً كبيراً، إذ بدا الشيحي يبتلع ريقه ويحاول الصمود. الرجل كاتب في صحيفة “الوطن” ولطالما كانت مقالاته الأكثر قراءة فيها، ولطالما كانت أفكاره صدامية اجتماعياً. أما أول رأي صدامي سياسي، فاقتاده إلى السجن فوراً بعدما انفعل وانتقد في لقاء تلفزيوني أداء الديوان الملكي في عهد الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز. غير أن ما كان مزعجاً أكثر هو تغريدات الكاتبة مظفر وغيرها من الكتاب، الذين زاروا الفعالية ليكتبوا ويتغنوا بما رأوه هناك، من تعامل إنساني وظروف يُحسَد عليها السجناء، ولا عتب فلربما تمنوا فعلاً أن يكونوا مكان زميلهم الشيحي الذي حظي بشرف الكلمة والشجاعة، وانتقل من السجن الكبير الذي يعيش فيه زملاؤه اليوم، إلى سجن صغير يلتقي فيه المجرمين والمظلومين على حد سواء.

في مثل هذه الفعاليات، تحاول السعودية تطهير صورتها فتنقل بعض السجناء من سجون التعذيب والألم الى سجون تحت أسماء “إدارة الوقت” و”ثقات” وغيرها، فتمنحهم مزايا كحمل هاتف نقال ورؤية الأصدقاء فضلاً عن دورات تأهيلية محاولة بذلك المساهمة في اعدادهم للخروج إلى أسرهم، بعد اعتقال مثقفيها ونخب المجتمع وتكميم أفواه من لم يعتقلوا بعد، فالاعتقالات في السعودية باتت بلا سبب ولا موعد، وحتى إطلاق سراح المعتقلين ليس له موعد أيضاً ولا سبب. 

بات أكبر همنا هو التوقف عن الاعتقالات والتعذيب في أفضل سجون في العالم!

قبل أيام فاجأت السعودية مواطنيها بقرار مساواة المرأة والرجل باستخراج وثائق السفر وسفر المرأة، من دون الحاجة إلى إذن ولي أمر، وغيرها من التعديلات على مواد تصب في مصلحة المرأة السعودية، وهي حتى الآن ليست واضحة تماماً، لناحية تاريخ بدء التنفيذ وإن كانت ستشمل الجميع، أو إن كانت الحل الأمثل من وجهة نظر السلطة، لإيقاف فرص حصول فتيات هاربات، مثل رهف القنون وغيرها على حق اللجوء في دول العالم المتقدم، بعدما بات لهن حق استخراج جواز السفر وحتى السفر من دون إذن ولي الأمر.

وليد فتيحي

ووسط كل هذا الضجيج ظهر خبر الإفراج عن المعتقل السعودي الأميركي الدكتور وليد فتيحي صهر معتقل “الريتز” الشهير الوزير السابق عادل فقيه، والذي لا يزال يقبع في السجن. لا أحد يعرف ما التهمة التي قادت فتيحي إلى السجن، هل لأنه صهر عادل فقيه؟ أم لأنه ربما إخواني؟ أم لأن لديه مستشفى مهماً في مدينة جدة، ما يعني أن لديه مالاً وفيراً؟ المهم أن كل ما نعرفه هو أن الصحافة الأميركية توصلت، وسط منع أهله من التحدث علناً، إلى أن فتيحي يحمل الجنسية الأميركية، ما يعني أن على الولايات المتحدة متابعة ملفه والمطالبة بالإفراج عنه، إلا أنه وعلى رغم ذلك، ظل فتيحي في السجون السعودية وسط تأكيدات عن تعرضه للتعذيب لأكثر من سنة ونصف السنة!

فتيحي ليس السعودي الأميركي الوحيد المعتقل في السجون السعودية، فالولايات المتحدة لا تزال تتابع أوضاع عدد من سجنائها في السعودية ومن بينهم الدكتور بدر الإبراهيم وصديقه طارق الحيدري، اللذين اعتقلا في نيسان/ أبريل الماضي برفقة أصدقاء مقربين لهم كانت تجمعهم سابقاً نقاشات حول أوضاع النساء في بلادهم وحول قضايا سياسية عدة. وعلى رغم من توقفهم التام عن الحديث والتجمع، إلا أن شيئاً لم يحمهم وجاء دور اعتقالهم ولو بعد حين.

لا أقول هنا أن قرارات تخفيض شروط الولاية على المرأة السعودية التي تم الإعلان عنها بطريقة غير اعتيادية في السعودية تزامنت مع وقت الإفراج عن فتيحي، لتغطي على الخبر وتفاصيل سجنه، ولكن أتمنى ألا تكون غطاء لشيء أكبر، ولربما بات أكبر همنا هو التوقف عن الاعتقالات والتعذيب في أفضل سجون في العالم!

السعودية : اعتقالات بمفعول رجعي ..

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

مايا العمّار- صحافية لبنانية
في استدعاء نضال أيوب ما يُنبئ بتكريس المزاجيّة القضائيّة نهجاً والتموضع مع النافذين وجهةً، على قاعدة هيا نستدعي الأعزل في وجه الشبكة، والأضعف في وجه الأقوى، والثورة في وجه السلطة.
ريد مطر – صحافية مصرية
سكب الطلاء على وجه جمال عيد لا يعني سوى ضيق السلطات الأمنية من نفسه الطويل وإصراره على التمسك بمهماته كمحامٍ حقوقي.
“درج”
قررت السلطة أن تستدعي الأمين بتهمة شتمه مصرفياً قامر مع المصرف المركزي بمدخرات الناس، وجنى فوائد وأرباحاً صرف جزءاً منها في رحلات صيدٍ بري في أفريقيا، ولم يخجل من التقاط صور لنفسه مبتسماً أمام الحيوانات القتيلة.
زينة علوش – خبيرة في السياسات الرعائية
يوجد مؤشرات عالمية خطيرة تؤكد تعرض الأطفال في المؤسسات الرعائية إلى شتى أنواع الاستغلال. ناهيك بالعنف والتحرش، وصولاً إلى الاتجار لأغراض التبني.
باسكال صوما – صحافية لبنانية
هناك “بروفايل” لغير ثائر، يرمي المصائب كلها على رأس انتفاضة اللبنانيين، من الوضع المالي والمعيشي مروراً بعدم تشكيل حكومة وصولاً إلى حروب المغول وصراغ الغساسنة والرومان مع الفرس الساسانيين.
مايا العمّار- صحافية لبنانية
بعد سلسلة من التقارير التي تناولت مراكز الاعتقال وفظاعة ما تخفيه خلف جدرانها وتحت أرضيّتها، يشعر الإنسان وكأنّه تعب من زيارة تلك المشاهد المضنية التي لا يحتمل العقل تصوّرها، وربّما يفضّل الانكفاء عن المتابعة. لكن وسط مساعي الانسحاب هذه، تأتي أصوات 400 معتقل سابق في سجون النظام السوري لتعيد إلى القضيّة زخمها…    
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني