fbpx

اليسار الأميركي… ونحن

"النظام السعودي مصدر كلّ شرّ في الشرق الأوسط". من يتابع كتّاب اليسار الاميركي المهتمّين بشؤون الإقليم لن يصل لغير هذه النتيجة – وتحليلاتهم لأحداث الأسابيع الماضية في الداخل السعودي ولبنان عود على بدء لجهة إعادة تظهير قناعات إيديولوجية باتت محكمة.

“النظام السعودي مصدر كلّ شرّ في الشرق الأوسط”.
من يتابع كتّاب اليسار الاميركي المهتمّين بشؤون الإقليم لن يصل لغير هذه النتيجة – وتحليلاتهم لأحداث الأسابيع الماضية في الداخل السعودي ولبنان عود على بدء لجهة إعادة تظهير قناعات إيديولوجية  باتت محكمة. السعوديون يصعّدون في لبنان، بعد أن صعّدوا في اليمن وقطر، ويفرطون في تحدّي إيران في كلّ مكان. سياستهم غير المسؤولة تزيد التوتّر في المنطقة ومع ذلك يمعنون فيها. الفعل، إذاً، في السعودية، وبؤرة التوتّر فيها أيضا، وما يفعله الآخرون ردّ فعل على استفزازات رعناء آن لها أن تتوقّف.
هذه هي الخطوط العريضة لمشهد الإقليم كما يرونه، مع تفاصيل تتغيّر من كاتب لآخر.
تغيب عن هذه القراءة معطيات من نوع أن العراق بات عمليّاً مطيّةً إيرانية، وسوريا ملحقة بطهران، ولبنان يحكمه من يتباهى علنا بتبعيّته للوليّ الفقيه. الجسر البّري الذي يصل إيران بالمتوسّط لا يخطئه الّا من لا يريد أن يرى. تبجّح الرئيس الإيراني روحاني بأن لا قرار حاسماً في العراق وسوريا ولبنان والخليج الفارسي بدون إيران فظّ. لكنّه أيضا صحيح. يحصل كلّ هذا عبر العنف المفرط  والسعار المذهبي. عجز حزب اللّه مرّتين في لبنان عامي 2005 و2009 عن الحصول على الغالبية النيابية. الحقيقة أن جلّ اللبنانيين لا يؤيدون حسن نصراللّه. وان كان خمينيّو لبنان يسيطرون عليه فلأنّهم جعلوه حقل قتل كبير منذ سقط رفيق الحريري في وسط بيروت الى يوم انفجر مسجد التقوى في طرابلس. مشهد العراق وآداء أتباع إيران فيه ليس أحسن. أبو مصعب الزرقاوي هزم أوّلا وأساسا لأن ميليشيات الصحوة السنيّة حاربته. جزاء الصحوة عند رئيس الحكومة العراقية السابق نوري المالكي لاحقاً كان التهميش والسجن والقتل. تقارير (هيومن رايتس واتش) وسواها وثّقت بالأرقام تصفية مدنيين من السنّة، خصوصا في بغداد وديالى والحلّة، جريمتهم أنّهم سنّة وأنّهم لا يؤيدون المالكي. وإن كانت الموصل توهّمت للحظة أن داعش قد تمثل لهم خلاصاً، فلأن المالكي عاملها كأرض محتلّة لا كجزء من وطن يفترض أنّه مؤتمن عليه. أمّا في سوريا، فحجم جرائم نظام بشار الأسد وشلّالات الدم هناك أكبر من أن تختصره جملة، أو مقال. بالتدخّل المباشر أو بالواسطة تطحن إيران عظام المنطقة منذ عقود دون أن تثير حساسيّة اليسار في الولايات المتحدّة. أمّا أن تردّ السعودية على التصعيد بمثله فتختفي إيران من المشهد تماما ولا يبقى فيه سوى الرياض كمسؤولة وحيدة عن مآسي المنطقة وموبقاتها.
منذ نشأ النظام العربي الحديث تنطّحت دول كثيرة لقيادته، بما فيها ليبيا القذّافي، وشرّ البليّة ما يضحك. ولكن مقوّمات القيادة اجتمعت عند دولتين فقط: مصر والعراق. مصر اليوم على هامش المشهد وستبقى كذلك إلى أن تجد حلّا لمشاكلها الاقتصادية المزمنة. العراق بحكم غير الموجود إلى أن يستعيد استقلاله السليب.
قمّة الصعود الإيراني تترافق مع قمّة الترنّح العربي. وما بين الانهيار العربي التامّ والهمينة الإيرانية التامّة لاعب واحد هو السعودية. هذا معطى جيوبوليتكي بغضّ النظر عن الرأي بالمنظومة القيمية السائدة في السعودية، علما أن المنظومة القيمية الخمينية ليست أفضل. ولكنّ جماعة معاداة الامبريالية في الولايات المتحدة لا يأبهون كثيرا، أو قليلا. السعودية مصدر كلّ شرّ وكفى.
كيف يمكن تفسير إسقاطات اليسار الأميركي المسبقة؟
الحقيقة أن الموقف من إدارة الرئيس دونالد ترامب جزء من المسألة. هناك من يفكّر على قاعدة “أنا أكره ترامب. هو يدعم السعودية. إذا أنا مع إيران”. المشكلة في هذه القراءة أنّها تقارب مسائل الإقليم من زاوية السياسة الداخلية الأميركية البحتة لا بحسب معطياتها الذاتية. سياسات الشرق الاوسط، واستطراداً العلاقات الدولية، ليست حاشية أو ملحقا لخلافات اليسار واليمين في أميركا وفهمها على أنّها كذلك ابتسار. وإن كان الموقف الإيدولوجي من “الامبريالية الاميركية” واستطراداً من حلفائها في السعودية مفهوم، فبطش الإمبريالية الإيرانية الجديدة أين منه أي عنف آخر.
يحتاج اليسار الأميركي إلى مقاربة أقلّ دوغماتيّة لمسائل المنطقة. بالانتظار، الذي قد يطول، سيبقى يساريو أميركا أغبياء إيران المفيدين فيها. وبطبيعة الحال، لم تكن نتائج الانتخابات الرئاسية الاميركية الاخيرة مثالية. ولكنّ أفضل ما جرى فيها هو أن سيناتور فيرمونت (بيرني ساندرز) لم يصل إلى البيت الأبيض.
وفق المعطيات الحالية، أي رئيس أميركي يساري من طراز ساندرز كفيل بجعل مشهدنا البائس أصلاً أشدّ بؤساً بعد.
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
حزب الله سيواصل ادعاءه بأنه بريء من هذه السلطة، وهذا لن يفيد، ذاك أنه أقدم على نحو سافر ومن دون أي قناع على قتل المبادرة الفرنسية أمام أنظار كل اللبنانيين.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني