حزن وزغاريد وأسئلة : ماذا بعد وداع السبسي؟

صرخ أحد المواطنين، "يا سيادة الرئيس... تونس أمانة بين يديك... ضعها في عينيك". ثم مرت السيارة مسرعة من دون أن تتوقف.
نعش السبسي

وقفَ الجميع خلف الحواجز الحديدية، بانتظار وصول موكب الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي. نساء وأطفال وشيوخ وشبان ساروا على امتداد شارع محمد الخامس، وصولاً إلى شارع الحبيب بورقيبة، أمام وزارة الداخلية التونسية.

لم تمنع الشمس الحارقة هؤلاء من الوقوف ساعات، على رغم وصول درجة الحرارة إلى 46 مئوية. كان الطريق تظاهرة حزن ووداع. قال أحد المواطنين وهو يلوح بالعلم التونسي:” إنه يوم عظيم نودع فيه رئيسنا باحترام، تقديراً لما قدَّمه لتونس وإن اختلفنا معه وانتقدناه. إنها سابقة في تاريخنا الحديث، فبن علي منعنا من توديع الحبيب بورقيبة، واليوم نودع رجلاً أنقذ تونس من حرب أهلية، بعد اغتيالات سياسية”.

بالأحمر والأبيض، وهما لونا العلم التونسي، أراد التونسيون توديع رئيسهم الوحيد الذي انتخب باقتراع حر ومباشر وبطريقة ديموقراطية منذ 1956، تاريخ استقلال الدولة التونسية عن الاستعمار الفرنسي.

وسط إجراءات أمنية وعسكرية مشددة بالتنسيق مع وزارة الداخلية، أغلقت الشوارع التي مرَّ فيها موكب الجنازة ولم يسمح إلا للمترجلين بالوقوف وراء الحواجز الحديدية، ومنع الصحافيون من عبور هذه الحواجز والعمل بحرية، وسمح للمصورين التابعين لوزارتي الدفاع والداخلية وللتلفزيون الرسمي التونسية حصراً، بالدخول والتقاط الصور.

إبعاد الصحافيين من عمق المشهد، جعل الصورة واحدة في جميع وسائل الإعلام، وهي صورة بثها التلفزيون الرسمي التونسي على “فيسبوك” مباشرة، ونقلتها وسائل إعلام محلية ودولية.

ورافق البث تعليق محامٍ لا خلفية إعلامية له، ما أثار دهشة الحاضرين، لا سيما لما ذكره من معلومات غير دقيقة وجمل غير متوازنة أثناء مواكبة مراسم الجنازة. وأثار ذلك موجة انتقادات واسعة، لما فيه من إقصاء لدور الصحافيين في حدث مهم في تاريخ تونس، فيما كان الصحافيون يحاولون بلا جدوى تجاوز الحواجز الحديدية، لنقل مشاهداتهم.

ومع إصرار الأجهزة الرسمية على أن يكون المشهد الوحيد الذي تنقله الصحافة هو موكب الجنازة بعد تكرار محاولات منعي من تجاوز الحواجز الحديدية، لم استطع منع نفسي من التساؤل عما إذا كان دور الصحافة بدأ يُسلب منها شيئاً فشيئاً بعد رحيل الرئيس، الذي قال ذات مرة: “لا وجود لانتقال ديموقراطي حقيقي من دون حرية إعلام”. قالها ونفذَّها، إذ لم يسجن أي صحافي في عهده.

وصل موكب الجنازة من قصر الرئاسة في قرطاج إلى شارع محمد الخامس. مرت سيارة رئيس الحكومة يوسف الشاهد، فتح نافذته ولوح بيديه للناس. صرخ أحد المواطنين، “يا سيادة الرئيس… تونس أمانة بين يديك… ضعها في عينيك”. ثم مرت السيارة مسرعة من دون أن تتوقف.

ومع وصول سيارات الموكب صرخ مواطنون بشكل عفوي: “حماة الحمى يا حماة الحمى”، وانطلق الجميع في غناء النشيد الوطني التونسي .

لم يكن التكبير واضحاً بقوة، على رغم أنها عادة دينية في جنازات المسلمين. كانت أصوات خافتة لا يتجاوز مصدرها الخمسة أشخاص من بين مئات الحاضرين، تهتف:” الله أكبر”. لكن الأصوات التي سرقت أضواء المشهد كانت تشدو بانسجام: “نموتُ نموتُ ويحيا الوطن”.

وسط الحشود الغفيرة، كانت امرأة محجبة تمشي حذونا والدموع تنحصر في مقلتيها وتحمل في يدها اليمنى وردة، قالت لـ”درج”: “إنه الرئيس الذي أعاد الأمل للمرأة التونسية في استرداد حقوقها”. وأضافت: “ليتهم وقعوا قانون المساواة في الميراث قبل أن يرحل الرئيس” (في إشارة إلى نواب مجلس الشعب).

تابعنا السير على الأقدام بصعوبة حتى وصلنا إلى مقبرة الجلاز بعد 20 دقيقة. مر موكب الجنازة وصورناه من خلف الحديد، لم نستطع الاقتراب أكثر.

أحد المواطنين اقترب منا وقال: “أنتم أيها الصحافيون طالبوا نيابةً عنا بالحفاظ على أمن هذا الوطن من أولئك المسعورين على الحكم”. سأله “درج”، لمن ستصوت في الانتخابات الرئاسية؟ فرد بكل ثقة: “لا أحد يستحق صوتي سأضع ورقة بيضاء، ليثبت لي أحدهم أنه قادر على حماية تونس من الإرهاب، حينها لكل حادث حديث”.

تنقلنا في محيط المقبرة، المكان الوحيد المسموح للصحافيين بالتجول فيه. مر عناصر من جيش البر التونسي. علا تصفيق المواطنين فجأة وهبت زغاريد النسوة. إحداهن استوقفت جندياً وأهدته زهرة قرنفل، أخذها منها على استحياء. كان يبتسم وينظر إلى الأرض .

سألناها عما تنتظره من الرئيس المقبل، قالت:” أرجو أن يعمل على تسريع المصادقة على قانون المساواة في الميراث. إنها أفضل هدية لروح الرئيس الراحل”.

رحل “عجوز” تونس 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
يوسف الأمين
قبل أسابيع قليلة، تجنّدت السلطة الدينيّة والرسمية في لبنان وأجرت “اتّصالاتها الشرعيّة” لمحاربة تجمّعات المثليّين، على أساس أنهم خطر داهم، فيما يصار بكل وقاحة إلى لفلفة قضية اغتصاب أكثر من 20 طفلاً!
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني