fbpx

الزيادة السكانية لدى المسلمين: خرافةٌ تأبى أن تموت

نوفمبر 22, 2017
العدد المهول من مسلمي (الروهينجا) الذين يفرّون من الإبادة الجماعية في بورما والذين يبلغ أكثر من 10 آلاف نازح في اليوم منذ أغسطس/آب أصبح أكبر من أن يمكن تجاهله. والأعداد أمر يجري التلاعب به دوماً، فالمسؤولون البورميون والرهبان البوذيون المتشدّدون يكررون مقولة أن الاكتظاظ السكاني لمسلمي (الروهينجا) يهدد أغلبية بلادهم البوذية.

العدد المهول من مسلمي (الروهينجا) الذين يفرّون من الإبادة الجماعية في بورما والذين يبلغ أكثر من 10 آلاف نازح في اليوم منذ أغسطس/آب أصبح أكبر من أن يمكن تجاهله. والأعداد أمر يجري التلاعب به دوماً، فالمسؤولون البورميون والرهبان البوذيون المتشدّدون يكررون مقولة أن الاكتظاظ السكاني لمسلمي (الروهينجا) يهدد أغلبية بلادهم البوذية.
بحسب (وين ميانج) المتحدث باسم إقليم (راخين) الغربي حيث تعيش أغلبية الروهينجا المشردين، “النمو السكاني للروهينجا المسلمين أكبر بعشر مرات من بوذيي مقاطعة راخين”. صدر هذا التصريح في 2013 عندما مررت الدولة قانونًا يحدد عدد الأبناء باثنين فقط ولا ينطبق إلا على المسلمين. في الشهر الماضي، صرح أحد مديري قرية خالية من السكان المسلمين خارج (يانجون) لصحيفة النيويورك تايمز قائلاً “الروهينجا ليس مرحباً بهم هنا لأنهم عنيفون ويتضاعفون بجنون، خصوصاً مع وجود العديد من الزوجات والأبناء”.
شعار وزارة الهجرة البورمية هو “الأرض لن تبتلع عرقاً حتى ينقرض لكن عرقاً آخر سيفعل ذلك”.
أصبح شبح الانفجار السكاني عند (الروهينجا)، والمصحوب بمضامين تحريضية على وسائل التواصل الاجتماعي، سلاحاً في مشروع الإبادة العرقية في بورما. يطارد هذا الشبح الجميع  بدءاً من القادة العسكريين والقوميين البوذيين وحتى المواطنين البورميين العاديين.
في الحقيقة ووفقاً لدراسة نشرت في 2013، كانت هناك موجات نزوح للروهينجا من بورما منذ 1950 وهذا قبل هذا النزوح الجماعي الذي جرى  في الثلاثة أشهر الأخيرة. الأدهى أن نسبة السكان المسلمين في بورما ظلت ثابتة عند 4% منذ 1980 وفقاً للإحصاء الرسمي للبلاد نفسها.
وخرافة التزايد السكاني للمسلمين أداة قوية تستخدم في كل مكان تتواجد فيه أعداد كبيرة من المهاجرين المسلمين أو أقلية سكانية، بدءاً من الهند وصولاً إلى غرب أوروبا.
فكثيراً ما يهول القوميون الهندوس من مخاوف التزايد السكاني للمسلمين علماً أن نسبة المسلمين في الهند زادت بما يقارب 0.8% بين عامي 2001 و2011  لتبلغ 14.2% . قال زعيم منظمة هندوسية قومية العام الماضي “إذا استمر الأمر على هذا المنوال على المرء أن ينسى وجوده في بلده بحلول 2025”. لكن الفرق في نسبة الخصوبة بين المسلمين والهندوس يقلّ بشكل كبير.
أكبر الفروق في معدلات الولادة هي بين الولايات المختلفة وليس الأديان، إذ تنجب النساء الهندوسيات في ولاية (بيهار) الفقيرة أكثر من النساء المسلمات في ولاية (أندرا براديش) الأكثر تقدماً بمعدل طفلين لكل امرأة هندوسية.
تجد مثل هذه المخاوف صدىً لها أيضاً في بلاد مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وهولندا. فرغم أن المسلمين يشكلون أقل من 10% من سكان كل واحدة من هذه الدول إلا أن الزيادة السكانية المزعومة كانت في قلب الخطاب المعادي للهجرة. هناك  7.5% من الفرنسيين مسلمون، ورغم ذلك يظن المواطن الفرنسي العادي أن واحداً من كل ثلاثة فرنسيين هو مسلم.
وعلى الرغم من أن النساء المسلمات في غرب أوروبا لديهنّ أطفالٌ أكثر من نظيراتهن الغربيات إلا أن الدراسات تظهر أن نسبة الخصوبة لدى المسلمين الأوروبيين تقلّ بشكل أسرع لذا فإن نسبة الخصوبة المتناقصة هذه ستزن المعادلة مع الوقت. لكن، وفي هذا السياق فإن نسبة الخصوبة ليست هي المشكلة الوحيدة، فموجات المهاجرين المسلمين في السنوات القليلة الأخيرة عززت من المخاوف الأوروبية بشأن التزايد السكاني للمسلمين في القارة.
لماذا إذاً تحظى خرافة التزايد السكاني للمسلمين بهذه الشعبية على مستوى العالم رغم أنها خاطئة بشكل واضح وبيّن للعيان كما هو الحال في بورما، وكما هو حال الأرقام التي يشيعها مطلقو هذه المقولة في الهند وأوروبا؟
صحيح أن عدد السكان المسلمين يتزايد على مستوى العالم لكن هذا التزايد لا يتم بوتيرة واحدة في كل المناطق. ويبدو أن هذه الخرافة تكتسب قوّة أكبر ليس في المناطق التي تنمو فيها أعداد المسلمين بشكل سريع فعلًا مثل جنوب الصحراء بل في الأماكن التي يكون فيها المسلمون أقليات ثقافية متمايزة.
ليس هناك شيء متأصل في الإسلام يمكن ربطه بنسب الخصوبة المرتفعة.
في الحقيقة الإسلام ليس دينًا يشجع الإنجاب بشكل خاص. فهناك ثمانية من المدارس الفقهية الإسلامية تحلّل منع الحمل. وتدعم العديد من الدول الإسلامية من بينها باكستان تنظيم الأسرة. ويعود سبب تزايد السكان المسلمين على مستوى العالم بحسب تقرير مركز (بيو) الصادر في 2011 إلى تضخم الشريحة الشبابية حيث تتزايد أعداد الشباب المسلمين بشكل غير اعتيادي وصل إلى ذروته في حوالي العام 2000، وكذلك معدلات الخصوبة المرتفعة لدى النساء المسلمات كمجموعة.
وفيما يتعلق بالنقطة الأخيرة، وهي نقطة جوهرية في تقرير (بيو) فإن نسبة الخصوبة لا تتعلق بالدين بل بالاقتصاد والخدمات الاجتماعية وتعزيز دور المرأة والصراعات.
لقد تناقصت معدّلات الخصوبة في جميع الـ 49 دولة مسلمة من 4.3 طفلًا للمرأة في سنوات 1990-95 إلى 2.9 طفلًا للمرأة في 2011-15. ولا تزال هذه النسبة أكبر من معدل الخصوبة العالمي لكن هذا التناقص كان حادًا بشكل صادم نظراً إلى أن بعض الدول الغربية استغرقت قرناً كاملاً لتهبط من 6 أطفال للمرأة إلى ثلاثة أطفال للمرأة الواحدة.
هذا الادعاء حول الزيادة السكانية للمسلمين يذهب أدراج الرياح عند فحصه عن قرب. فأسرع معدل هبوط لنسبة الخصوبة في العصر الحديث حدث في عهد النظام الثيوقراطي الإسلامي في إيران. ففي عام 1950 كان معدل الخصوبة يبلغ 7 أطفال لكل امرأة إيرانية، أما اليوم فقد وصلت هذه النسبة إلى 1.68 وهي أقل من نسبة الأمريكيين.
ما الذي تغير؟
في عام 1989 أدرك قادة البلاد أن نسب الولادة المرتفعة تقيّد الجمهورية الوليدة، واستجابة لهذا الأمر أصدر المرشد الأعلى فتوىً يشجع فيها منع الحمل وتنظيم الأسرة ونشرت وزارة الصحة مراكز الاستشارة الصحية الريفية، ووزعت وسائل منع الحمل في جميع أنحاء البلاد.
جعلت إيران كذلك من تعليم الفتيات أولوية تنموية في سعيها لإعادة بناء المجتمع المدني بعد الحرب العراقية الإيرانية التي انتهت في 1988، لذا بدأت تنتظم الفتيات في المدارس بشكل أفضل. وفي كل مكان هناك علاقة عكسية بين عدد سنوات الدراسة ومعدلات الخصوبة.
أما في البلد التي يحظى بأكبر أغلبية مسلمة في العالم وهو إندونيسيا فقد تهاوت معدلات الخصوبة بين أعوام 1960 و1990، من 5.6 طفلاً للمرأة إلى 2.3 طفلاً للمرأة، حيث فرض نظام (سوهارتو) برنامجاً فاعلاً ومركزياً لتنظيم الأسرة وحسَّن أوضاع تعليم الفتيات. هذه الخدمات الحكومية أصبحت غير مركزية بعد سيادة النظام الديمقراطي في (جزر الأرخبيل) في 1998 وبشكل متوقع زادت معدلات الخصوبة من جديد. واليوم لدى المقاطعات الشرقية ذات الأغلبية المسيحية والأقل تقدماً معدلات خصوبة أكبر من المقاطعات الغربية الأكثر تقدماً ذات الأغلبية المسلمة وهو دليل على الارتباط بين التطور الاقتصادي والخصوبة.
لكن ليس من المرجح أن تغير أيٌّ من هذه الحقائق عن ديموغرافية المسلمين من آراء أيّ شخص. في تقرير ديموغرافي أعده (نيكولاس إبرشتات) و(أبورفا شاه)، الباحثان في معهد المشروع الأمريكي، ما نصه: “هناك مفهوم يحظى بانتشار واسع ومازال شائعاً بين المثقفين والأكاديميين ودوائر صناعة القرار في الغرب وفي الأماكن الأخرى  مفاده أن المجتمعات المسلمة مقاوِمة بشكل خاص لخوض مسار التغيرات الديموغرافية والأسرية التي غيّرت من شكل التعداد السكاني في أوروبا وأمريكا الشمالية والمناطق الأخرى المتقدمة”.
في أماكن مثل بورما التي تتجذر فيها خرافة التزايد السكاني للمسلمين بشكل كبير يكون للحقائق تأثير أقل. “التعرض المتكرر للفكرة نفسها عامل مهم في تحديد مدى رسوخ المعلومة الخاطئة”،  بحسب (ساندر فان دير ليندن)، عالم النفس الاجتماعي بجامعة كامبريدج، الذي يشير إلى تأثير التعّرض المحض، وهو الميل لتفضيل شيء ما فقط لأننا نعرفه بشكل أكبر، وكذلك تأثير الحقيقة الخادعة، وهو الميل لتصديق المعلومة بعد التعرض لها بشكل متكرر.
“كلا النقطتين تشيران إلى أنه كلما زاد تكرار المعلومة الخاطئة كلما كان الناس أكثر ميلاً لتصديقها”، وأضاف إن القادة السياسيين فهموا هذا المفهوم منذ زمنٍ بعيد على المستوى الفطري. ويكمل (ساندر) قائلاً “خذ في اعتبارك قانون الكذبة الكبيرة في الدعاية. إذا اختلقت كذبة كبيرة وظللت ترددها بما يكفي فإن الناس سيصدقونها في النهاية. رأينا العديد من الكذبات الكبيرة في المناظرات الأخيرة ومازال بعض الناس يصدقونها”.
علاوة على ذلك، لم يكن في بورما شبكة إنترنت مفتوحة قبل عقدٍ واحد من الزمان، والمحتوى الإخباري لا يتم تقييمه نقدياً. كما يضيف أحد المراقبين إنه بالنسبة للبورميين “فإن الإنترنت كله هو فيس بوك وفيس بوك هو الإنترنت”. لذا هنالك الكثير من الفرص للتعرض المتكرر للأخبار الزائفة المحرضة حول الروهينجا”.
رغم أن نتائج خرافة الزيادة السكانية للمسلمين مخيفة، إلا أنها باعثة على السخرية بشكل حزين. لأن الخرافة كانت ذات نتائج عكسية بالنسبة لمروّجيها.فبالنظر إلى الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية للخصوبة فإن الاضطهاد الموجه في بورما ربما يحول خرافة معدلات الولادة عند الروهينجا إلى نبوءة تحقق ذاتها. هناك عدة عوامل تقلل من معدلات الخصوبة في أي بلد متقدم: المزيد من التعليم للبنات، نجاة الأطفال الموجودين (بسبب الرعاية الصحية وعدم وجود صراعات)، الوصول لوسائل منع الحمل وفرص العمل للسيدات.
بحرمان الروهينجا من كل هذا فقد يخلق الجيش البورمي النتائج التي خشي منها مؤيدوه في المقام الأول.
هذا المقال مترجم عن موقع The Atlantic ولقراءة المقال الأصلي راجعوا الرابط التالي[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
ما يحصل هو سياق تاريخي من التدمير الذاتي وإدراك تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية، متمثلاً بالتراخي وعدم القدرة على التواصل مع العمق العربي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني