fbpx

“الظلامة الشيعية” تستعير صوت صدّام وتستضيف الكرد أعداءَ جدداً لأهل البيت

نوفمبر 23, 2017
غدت قراءات المجالس الحُسينيّة في العراق خلال السنوات الأخيرة واحدة من أهم منصّات التعبير والنقاش العام، وطُرحت عبرها جميع قضايا البِلاد، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وسمحت لنفسها بتجاوز أدوارها وهوياتها الدينية التقليدية

غدت قراءات المجالس الحُسينيّة في العراق خلال السنوات الأخيرة واحدة من أهم منصّات التعبير والنقاش العام، وطُرحت عبرها جميع قضايا البِلاد، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وسمحت لنفسها بتجاوز أدوارها وهوياتها الدينية التقليدية، التي صارت مُجرد تغطية لما يرغب به الشُعراء الخُطباء، يسمونهم في الثقافة الشيعية المحلية العراقية (الرادود)، والجهات السياسية التي تقف خلفهم، في نشره وإثارته في الحياة العامة. 
كان كُرد العراق بقضاياهم العالقة مع الحكومة والقوى السياسية المركزية أهم الحاضرين في هذه القراءات الحُسينية، مُنذ قُرابة عامين وحتى الآن. فقد دخل الكُرد مجال هذه “الظلامة” مع انتهاء “شهر العسل” السياسي الكُردي الشيعي العراقي، الذي بدأ مُنذ العام ٢٠٠٣، حينما انهار النِظام العراقي السابق، وتأسس العراق “الجديد”، عبر شراكة سياسية كُردية شيعية، مبنية على استبعاد العرب السُنة.
مُنذ ذلك الحين، تظهر قراءات المجالس الحُسينية كانعكاسٍ دقيق لتفاصيل المماحكات السياسية الكُردية الشيعية في العراق، إلى حد تبدو الندبيات مُجرد خطابات وبيانات سياسية، مع إعادة تحرير مُبسطة، هدفها تزخيم الأراجيز بالكثير من العبارات والرموز والإشارات والألحان الدينية فحسب.
كانت قراءات  الرادود ماهر الشبلي   التي كتبها الشاعر صباح الأمين في أواخر العام ٢٠١٥ الأكثر شُهرة وانتشاراً على هذا النطاق. يقول فيها بلهجة عراقية: “بين داعش والفساد وبيشمركة ضل بلدنا،  يستحجون بحلبجة وحلبجات شكثر عنا، وعدنا أصحاب القرار تساير تجامل كُردنا. وبطوز خورماتو اعتدوا، بتهجير للشيعة ابتدوا، حرقوا وفرهدوا، وتصدا إلهم بس حشدنا”، ثُم يتابع  قراءته المُطولة، ليتناول الزعماء السياسيين الكُرد، مُعتبراً أن الخيانة هي سمة أصلية فيهم: “آخد من أبوه هذه الخيانة”، ليصل إلى ذروة المُباشرة: “هذا الحشد للأكراد واضح تحذيره ..”
كانت تلك القراءة جزءاً من عدد هائل من القراءات التي تناولت تفاصيل العلاقة الشيعية/الكُردية في العراق. حتى أن الكثير منها صار أشبه ما يكون ببيان حربي:  “أدبناها البيشمركة ورجعت كركوك … والخاين من عنده يشيل .. حط أيده بأيد اسرائيل”.
بعضها الآخر كان يميل لأن يكون خطاباً مُباشراً من أحد الزُعماء السياسيين الشيعة لنُظرائه من الكُرد، كما يقول الرادود فاضل الياسري : “سبع طعش بالميه خلنكول اصلا انتم اقل كلش .. هواي وكفولك ربعنه وانته واولادك مفرفش  .. حكمك من سنين خلصان وانت بالمنصب مكمش .. ..وتصدر بكيفك نفط وحدك باجر تنضبط”.
رُبما تحتاج معرفة الجهات التي تضخ تلك القراءات الحُسينية إلى الكثير من البحث والمُتابعة، لمعرفة الجذور السياسية لشُعرائها وقراءها، والجهات السياسية الداعمة والممولة لهم، وتحولات القراءات خلال السنوات الأخيرة، وتطابقها واختلافها مع قراءات المجالس الحُسينية التقليدية، ومدى اختلافها وتطابقها مع ما يُقرأ في المجالس الحُسينية الشيعية في باقي الدول والمناطق، وذلك لفهمٍ أكثر عُمقاً لها، وكشف الديناميكيات المُشرفة والمُوجهة لها. فمدى الخطابية السياسية التي تظهر في ثناياها، ينفي إمكانية استقلاليتها عن الصراع السياسي العراقي العام.
ففي بلد نفطي ريعي تماماً مثل العراق، لا يُعقل أن تتغافل المؤسسات الدعائية الحزبية –الشيعية بالذات- عن تمويل وإدارة وتوجيه منابر حيوية ومؤثرة يحضرها ملايين العراقيين الشيعية، ويُتابعها ملاينٌ آخرين على منصات التواصل الاجتماعي، وتُعتبر من أهم مُشكّلي وموجهي الرأي العام.
على أن مجموع هذه القراءات الحُسينية العراقية السياسية، بالذات منها تلك التي تناولت الكُرد خلال السنوات الثلاث الأخيرة، كان انعكاساً لثلاثة مسارات في الحياة العامة العراقية، بالذات ما خص منها موقع وأدوار الشيعة العراقيين، وعلاقتهم مع باقي المكونات.
هي أولاً  تستبطن فيضاً من القوّة، المتباينة مع أُسس المظلومية الشيعية، التي شُيّدت على تراكم الاستضعاف، فجميع القراءات التي تناولت الكُرد لم تخلو من التهديد بالعُنف، واغلبها كان مُتحسراً على التسامح والغفران الذي تمنحه الحكومة المركزية والقوى الحزبية الشيعية للكُرد، الذين لا يستحقون هذا المستوى من الشفقة. ملامح استبطان القوة تظهر في تقاسيم وجوه وحركات أجساد القراء، وحتى المُستمعين. إذ ليس من حُزن “كربلائي” تقليدي بادٍ على وجوههم ونظراتهم، على العكس تماماً، ثمة بهجة ونشوة، وابتسامات وغبطة بالقوة. شيء شبيه بعشرات الفيديوات التي سُربت عن ضُباط الجيش العراقي السابق، عقب قضائهم على تمرد المُدن الجنوبية في ربيع عام 1991.
من جهة أخرى، فإنها تستبطن المركزية، بالذات فيما خص امتلاك الدولة، وبالتالي القانون والحق والأبوة والقداسة، تجاه باقي المكونات. ففي جميع القراءات التي تناولت الكُرد ثمة “نحن/إحنا” وثمة “هُم”، الأولى يُقصد بها شيعة العراق، كذلك تعني الدولة والحكومة المركزية والجيش والحشد الشعبي والقانون والمحكمة الاتحادية ..الخ من المؤسسات والقوى والمعاني المركزية. بينما “هُم” تخص  الكُرد، تشمل كُل ما قد يعني الهامش والتمرد والإقصاء. في هذا السياق، فإن القراءات الحُسينية العراقية تسمح لنفسها بتوجيه التحذيرات للكُرد والتهديد بمُعاقبتهم، وتشرعن لنفسها تخوينهم وقطع حصتهم من الميزانية العامة، باسم الشيعة الذين هُم الدولة والأب، بينما الكُرد هُم الهامش والولد العاق. شيء مُطابق للخطابات البعثية التقليدية التي كانت أدبيات مؤسسات صدام حُسين الإعلامية والخطابية عامرة بها.  
 أخيراً، هي قراءات طائفية وقومية مُباشرة، دون أي تغليفٍ أو مواربة. تتناول الشيعة والسُنة والكُرد ككيانات مصمتة وجماعات مُغلقة، وغالباً مُتصارعة فيما بينها. تفعل ذلك على حِساب الروحي والوجداني الكُلي الذي كان في القراءات الحُسينية التقليدية، التي كانت تتناول العدل والحق والحُزن والظُلم بشكلٍ مُجرد.
[video_player link=”https://www.youtube.com/watch?v=8IvyuDuyCaE”][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ساندي الحايك – صحافية لبنانية
بعد أكثر من 6 ساعات في عرض البحر وحيدين، أدرك هؤلاء أنهم خُدعوا وأن هناك من غرّر بهم… لا شيء حولهم إلا سماء.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني