fbpx

الجميلة والكلاب: القانون والفن لمواجهة “الاغتصاب” في تونس

نظّمت مجلة الأحوال الشخصية التونسية، منذ صدورها سنة ١٩٥٦ الحياة الأسرية والعلاقة بين الجنسين من خلال قوانين منحت للمرأة الأولوية وضمنت حقوقها كعاملة وزوجة وأم. هذه القوانين التي رأى فيها متشددون تجاوزاً للشريعة الإسلامية عزّزت طوال الخمسين سنة الماضية، ومن خلال بنود جديدة، مكانة المرأة التونسية وضاعفت من سبل حمايتها من جرائم العنف المادي والمعنوي داخل الأسرة أو خارجها.

نظّمت مجلة الأحوال الشخصية التونسية، منذ صدورها سنة ١٩٥٦ الحياة الأسرية والعلاقة بين الجنسين من خلال قوانين منحت للمرأة الأولوية وضمنت حقوقها كعاملة وزوجة وأم. هذه القوانين التي رأى فيها متشددون تجاوزاً للشريعة الإسلامية عزّزت طوال الخمسين سنة الماضية، ومن خلال بنود جديدة، مكانة المرأة التونسية وضاعفت من سبل حمايتها من جرائم العنف المادي والمعنوي داخل الأسرة أو خارجها.
لكن ورغم كل هذه القوانين التي تحميها، إلاّ أن المرأة التونسية، كسائر نساء العالم، لازالت، تعاني من العنف اللفظي والجسدي والتحرش الجنسي والإغتصاب. وقد طرح تحوّل الإغتصاب إلى ظاهرة في السنوات التي تلت الثورة عدداً من الأسئلة بخصوص فاعلية هذه القوانين خصوصاً وأن بعض أبطالها رجال أمن وقانونيون. فقد اهتزّ الرأي التونسي جراء قصص اغتصاب عديدة وهي قصصٌ أثارت الجدل حول أسباب تفاقم هذه الظاهرة التي  أصبحت تناقش منذ الثورة عبر الإعلام وعبر السينما لمزيد الإرشاد والتوعية، إلا أن النتيجة أظهرت المزيد من العنف والمزيد من الاستهتار بجسد الأنثى وكرامتها.
مريم التي لم يحمها القانون
“على كف عفريت” أو “الجميلة والكلاب” هو عنوان الفيلم التونسي الذي عرض مؤخراً في مهرجان قرطاج السينمائي وحصل على عدة جوائز. في هذا الفيلم قدمت المخرجة (كوثر بن هنيّة) حكاية اغتصاب ثلاثة رجال أمن تونسيين لفتاة كانت تتجول ليلا برفقة صديقها على أحد شواطئ العاصمة سنة ٢٠١٢. لم يكن من السّهل على عموم التونسيين والتونسيات التفاعل مع هذا الشريط السينمائي كعمل إبداعي صرف، فالجماهير التي ملأت الطوابير أمام قاعات العرض كانت تحمل قصة مريم بداخلها لأنها عايشتها وساندتها أو هي رفضت أن تفعل، فأحداث الفيلم حقيقية وقد عايشناها بالفعل. فالجريمة حدثت هنا والضحية “الجميلة” تعيش بيننا والجناة “الكلاب الذين نهشوا جسدها” نالوا عقابهم.
عن السينما والحقيقة والإغتصاب قالت الناقدة الفنية والصحفية (وفاء الهمامي) في تصريح ل”درج”، “قضية مريم التي اغتصبها رجال الشرطة تطرح في الواقع وفي السينما أيضا تساؤلاً حائراً حول الجدوى من كل هذه القوانين التي تدّعي حماية المرأة من العنف إذا لم ننجح في فرض علويتها. فالجهة التي كلّفت بتطبيق القانون الذي يحمي مريم من الإغتصاب، اغتصبت مريم وسلطت عليها شتى أنواع الإذلال النفسي والجسدي من أجل ثنيها عن المطالبة ببقية حقوقها القضائية. أما سلطة الشارع وضغط المجتمع المدني  فهذا ما أنصف مريم وأنقذها وأجبر القضاة على سجن مغتصبيها. وسيظل الفيلم وثيقة تاريخية هدفها التذكير والتوعية بوضاعة الفعل وخطورة تبعاته فالقانون فوق الجميع.”
وأضافت، “كانت مريم (اسم مستعار للضحية) قد وثقت سنة ٢٠١٣ ما وقع لها في كتاب باللغة الفرنسية بعنوان “مذنبة بأنني اغتصبت”. ووصفت مريم في هذا الكتاب ما تعرّضت له من انتهاك جسدي خلال تنقلها بين المستشفيات وأقسام الشرطة، فالمعركة قانونية بالأساس والخصم “سلطة” أخطبوطية النفوذ والضحية امرأة في مجتمع اتّهمها بعض أفراده بإغراء الفاعلين وبارتداء ملابس منافية للحياء وبارتكاب فعل فاحش برفقة صديقها في مكان عام بدل التعاطف معها. فالقانون الذي لم يحم مريم أنصفها في النهاية، ولكن مريم وسمت بكونها”ضحية” وكل قوانين الأرض لن تمحي هذا “الوسم” على الأقل من أعماق وجدانها.”
حادثة اغتصاب مريم هي واحدة من عشرات قصص الاغتصاب التي شغلت الرأي العام في تونس وأثارت نقاشا حول أسباب ارتكاب هذه الجريمة. ومؤخرا أعلنت وزيرة المرأة (نزيهة العبيدي) أنه يتم تسجيل ما لا يقلّ عن ثلاث حالات اغتصاب يومياً كما أكد رئيس قسم الطب الشرعي بأحد مستشفيات العاصمة (منصف حمدون) في تصريحات إعلامية أنه تم تسجيل ٨٠٠ حالة اغتصاب خلال السنة الماضية. وعمليات الاغتصاب كانت ملفتة في استهدافاتها وقسوتها إذ قام عدد من الشبان في محافظة القيروان باغتصابِ امرأة عجوز تبلغ من العمر ٨٠ عاماً ما تسبب في وفاتها. كما سجلت صفحات الحوادث منذ أشهر حادثة اغتصاب فتاة قاصر تم التغرير بها عن طريق موقع “فايسبوك” عبر محادثات عاطفية. وكانت وزيرة المرأة قد أشارت إلى أن الأرقام المسجلة لا تعكس الواقع فأغلب ضحايا الأغتصاب لا يتحدثن عما تعرضن له ويفضّلن الصمت حفاظا على سمعة العائلة وتجنباً للمواجهات القضائية.
جريمة ضد طفلة وراء إلغاء قانون تزويج الضحية من مغتصبها
شدد المشرّع التونسي العقوبات المتعلّقة بجرائم الإغتصاب. وجاء في المجلة الجزائية أنه “يعاقب بالإعدام كلّ من واقع أنثى باستعمال العنف أو السلاح ويعاقب بالسجن بقية العمر كل من واقع أنثى دون رضاها دون استعمال العنف.” هذا الفصل القانوني تحول إلى مادة للسخرية والتندر على إثر قيام المحكمة الابتدائية بمحافظة الكاف بشمال تونس بالسماح بتزويج طفلة في الثالثة عشرة من العمر بمغتصبها. فهذا القرار كشف  تناقض بعض فصول المجلة الجزائية التي تعفي المغتصب من التبعات العدلية في حال قيامه ب”تصحيح خطأه” والزواج من ضحيته وهو إجراء يعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي. كما كشف هذا القرار تعارض القانون مع ما جاء في دستور تونس الجديد الذي ينص في الفصل ٤٦ منه على أن “الدولة تتخذ كل التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضد المرأة”.
وعلى خلفية ما أثاره هذا القرار من غضب شعبي ترجم إلى مسيرات وتظاهرات طالبت بالكف عن تزويج الضحية من مغتصبها، قامت نفس المحكمة بالتراجع عن قرار تزويج الطفلة من الجاني. كما صادق مجلس نواب الشعب التونسي في أواخر شهر يونيو/حزيران الماضي على إلغاء أحكام القانون الذي ينص على إيقاف التبعات ضدّ المغتصب الذي يتزوج ضحيته.
وشهدت سنة ٢٠١٧ أيضا  مصادقة البرلمان التونسي على “القانون الأساسي الخاص بمناهضة العنف ضدّ المرأة” الذي أثار جدلا واسعا بسبب تضمنه لفصول تشدد العقوبات ضد المتحرشين.[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
وصفت بأنها أسوء أزمة حقوقية منذ عقود في مصر، وكأن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يريد ان يدخل التاريخ، لكنه لا يجد إلا الباب المفضي إلى الظلامية والقمع للدخول منه.
Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

Play Video
يواجه لبنان محاولات تضييق مستمرة على حرية التعبير وحرية الاعلام وآخر مظاهر هذا التضييق رفض لبنان التوقيع على بيان يلتزم بحرية التعبير وحقوق مجتمع الميم. هنا فيديو لـ”تحالف الدفاع عن حرية التعبير في لبنان” والذي يضم 15 مؤسسة وجمعية حقوقية واعلامية رداً على حملات التضييق المتكررة.

2:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني