fbpx

ماذا لو أعلن نصرالله غداً قراراً بحل حزب الله وتسليم سلاحه للجيش اللبناني؟

لنتخيل أن أمين عام حزب الله حسن نصرالله عقد الليلة مؤتمراً صحافياً أعلن فيه الاستجابة للضغوط المحلية والدولية، وزفّ إلى اللبنانيين قراره بحل المؤسسة العسكرية والأمنية للحزب وكل ما يرتبط فيها من مؤسسات خدمية وصحية واجتماعية، وأن يكون وراء هذه الخطوة قرار إيراني بوقف تمويل الحزب، ووقف كل أشكال الدعم المالي له!

لنتخيل أن أمين عام حزب الله حسن نصرالله عقد الليلة مؤتمراً صحافياً أعلن فيه الاستجابة للضغوط المحلية والدولية، وزفّ إلى اللبنانيين قراره بحل المؤسسة العسكرية والأمنية للحزب وكل ما يرتبط فيها من مؤسسات خدمية وصحية واجتماعية، وأن يكون وراء هذه الخطوة قرار إيراني بوقف تمويل الحزب، ووقف كل أشكال الدعم المالي له!
هذا الأمر مستبعد طبعاً، وهو أقرب إلى الحلم، لكن دعونا نحلم ونفكر ما إذا كان المطالبين بنزع سلاح الحزب قد أعدوا أنفسهم لتلك اللحظة، وما إذا كان مطلبهم هذا جزءاً من برنامج بديل.
صبيحة هذا الإعلان سيكون نحو ثمانين ألف لبناني بلا عمل. وأكثر من ثمانين ألف عائلة لبنانية بلا دخل، إذ علينا أن نضيف إلى الثمانين ألفاً عائلات قتلى الحزب ممن يتولى الأخير إعالتهم. هذا رقم يوازي أكثر من نصف رقم العائدين من السعودية من اللبنانيين، في حال قررت الرياض طرد اللبنانيين العاملين فيها. والحال أن المطالبة بنزع سلاح الحزب لم تقترن يوماً بخطة استيعاب العاطلين من العمل في حال قرر حزب الله حل نفسه، ولا بالفراغ المؤسساتي الذي يمكن أن يحدثه حل مؤسسات الحزب الخدمية، لاسيما وأننا في دولة شبه مفلسة، وتعويض الحضور الخدمي للحزب من المستحيل أن تتولاه أجهزة الدولة اللبنانية.
الدعوة لسحب سلاح الحزب ستقتصر على مضمونها السجالي إذا لم تترافق مع تفكير ومع خطة لامتصاص تبعات سحب السلاح. ولا يمكن لدولة أن تمتص ارتجاجات حروب أهلية تدب فيها من دون خطط استيعابية. وبهذا المعنى تبدو المطالبة اليوم أشبه بصراخ في فراغ، لا وظيفة له سوى الصراخ نفسه. فحزب الله حقيقة ثقيلة جداً، وهو موجود في مستويات تبدأ من مولد الكهرباء الذي يعمل بدلاً من كهرباء الدولة في قرية في جنوب لبنان، ووصولاً إلى الراتب الذي تتقاضاه عائلة من البقاع يقاتل إبنها في سورية. حزب الله فعلاً دولة موازية، ولا يبدو أننا نحن المطالبين بسحب سلاحه مدركين المهمة التي ستقع على كهولنا حين يسلمنا نصرالله زمام الطائفة.
وصبيحة إعلان الحزب عن حلّ نفسه ستلوح استحقاقات أخرى. القول إن لبنان بخير وجماعاته مقبلة على التعايش فيما لو تركها الحزب بحالها، غير دقيق، فالضغائن الأهلية لن تستكين لقرار جماعة بحلّ قوتها العسكرية التي تشكل أداة تفوق داخلي مارست خلاله تلك الجماعة أنواعاً مختلفة من التصدر. كثيرون متحفزون لردّ الصفعات، ولتعويض ما نالهم، وللثأر، وهم سيسعون لذلك طالما أن الدولة واهنة وغير قادرة على ضبط العنف وفرض النظام. وهذا استحقاق ثانٍ ليس جزءاً من برنامج دعاة نزع سلاح الحزب.
وصبيحة الاعلان أيضاً سيعيش لبنان فراغاً كبيراً، من الصعب توقع من سيملؤه. فحزب الله مبثوث في كل التجربة اللبنانية الجديدة. ومشكلة الداعين إلى حل حزب الله، أو سحب سلاحه أنهم عاجزون عن تشكيل عالم سياسي بديل. موضوعهم السياسي الوحيد هو سحب سلاح حزب الله، وخيالهم لم يسعفهم في تأليف تصور لما بعد هذا السلاح. الأذكياء من بينهم في ذاكرتهم نتف عن تجارب لبنانية من دون حزب الله، وهذه نتف من مشاهد عيش منقضية لم تعد تكفي لتكون طموحاً أو تصوراً لمستقبلٍ ولدولةٍ ولمجتمع. حزب الله قال لنا أي لبنان يريد، وقال إنه يريد لبنان الملحق بولاية الفقيه، وهو مارس هذه الرغبة وسعى إليها، ولكن لا فكرة واضحة لدينا عن لبنان الذي يريده خصوم الحزب. وبمن سيكون لبنانهم ملحقاً؟ واذا صحت مقولتهم بأنهم يريدون لبنان حراً ومتخففاً ومحايداً، فمن سيُطعم المئة ألف لبناني الذين سندفع لقمة عيشهم لقاء تخففنا من سلاح الحزب، واذا ما ساومتنا دولة خليجية على استقلالنا لقاء من يعيش ويعمل فيها من اللبنانيين، فهل نحن مستعدون لصون استقلالنا ولاستقبال العائدين؟ لبنان المستقل وفق انعدام خطة للاستقلال هو لبنان مفلس، وشرط رأب الافلاس في ظل اقتصاد الرعاية والإعالة، رهن الاستقلال لدى طرفي الانقسام الإقليمي.
هذه معادلة بائسة لكنها واقعية.
لكن لنعد إلى الخبر المفرح عن حل حزب الله نفسه،  ففي لبنان لكل جماعة عصبها و”عامود سمائها” على ما يسمي الدروز وليد جنبلاط، فمن سيكون عامود سماء الشيعة في غياب حزب الله، ذاك أن الأخير تولى تجفيف منابت أي منافس أو بديل محتمل، ولن يكون الشيعة في مأمنٍ من دون “عامود سماء” يقيهم احتمال أن تسقط السماء على رؤوسهم.
في الإعلام سيكون لحل الحزب نفسه وقع مدوٍ. فالحزب اليوم وراء معظم المشاريع الإعلامية، أو هو عماد إدائها. أن يحل الحزب نفسه يعني أن تسقط هذه المؤسسات في فراغ هائل، وأن تتداعى واحدة بعد الأخرى. والحزب إذا ما فعل ذلك يوم غدٍ، فهو سيكون قد فعلها بموازاة تداعي إعلام الخصوم الذي لم يعد له أثر أصلاً. فلنتصور مثلاً كم محطة تلفزيونية ستقفل إذا ما فعلها حزب الله، وكم صحيفة وكم متحدث على التلفزيون. ثم أننا علينا أن نتخيل نشرات الأخبار من دون أخبار الحزب ومفوهيه. فحزب الله يملأ أصلاً فراغاً يصعب تخيل من سيشغله في حال انكفأ الحزب عن لبنان واللبنانيين. حزب الكتائب مثلاً؟ أم الحزب القومي السوري الاجتماعي؟ أما السياسيون اللبنانيون الذين يطيب لهم القول أن حركة أمل ستتولى تمثيل الشيعة خير تمثيل في غياب حزب الله، فهم إما جاهلون بالشيعة وإما كارهون للشيعة.
مهمة وراثة الحزب أو وراثة مهامه الموازية لمهمته العسكرية لا تقل صعوبة عن مهمة نزع سلاحه. فلبنان مرتهن لهذا السلاح، وثمة شريحة واسعة تتلقى أثمان هذا السلاح، وليس الحزب كجهاز سلطة وحده ما سيتداعي بفعل قرار حله، انما نظام عيش وتصريف حاجات وأنماط استهلاك ستتداعى من دون أن يكون لدى أحد بديلاً منها.
حزب الله بنية تم تأسيسها على مدى ثلاثة عقود من الاستثمار. كلفة بنائه كانت كبيرة، وعملية البناء كانت شديدة الدموية والتعقيد. المطالبة المسطحة بنزع السلاح لا تتناسب مع الجهود التي بذلت لخلقه. التنازلات التي قدمت له من قبل معظم الجماعات اللبنانية، وفي أوقات متفاوتة، كان لها نتائجها التي لا يمكن العودة عنها. السنة في زمن رفيق الحريري والموارنة في زمن ميشال عون، والشيعة في كل الأزمنة، جميعهم قبلوا ولم يكترثوا للتبعات.
إمكان سحب سلاح الحزب من دون برنامج يطال كل شيء متصل بهذه الاعتبارات يبقى غير واقعي، والأهم هو أن توهم إمكان سحب السلاح عبر ضغوط لبنانية هو أمر خيالي، تماماً كما هو خيالي أن نستيقظ غداً على خبر مفاده أن نصرالله أعلن عن تخلي حزب الله عن سلاحه.
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
ما يحصل هو سياق تاريخي من التدمير الذاتي وإدراك تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية، متمثلاً بالتراخي وعدم القدرة على التواصل مع العمق العربي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني