fbpx

حلقة اليوم من مسلسل جميلة والوحش: “ما قبل زياد عيتاني ليس كما بعده”

ثمّة ما يدعو إلى الريبة فعلاً في التحقيق الذي يخضع له الممثل المسرحي زياد عيتاني، ذاك أن أي لبناني صار يعرف عن مضمون التحقيق أكثر مما يعرف المحققون أنفسهم، فالأخيرون توزعوا على وسائل الإعلام، وراح كل واحد منهم يقدم ما حصل عليه من "معلومات" من زياد. وبالتالي صار بوسع أي لبناني أن يجمع ما نُشر في وسائل الإعلام ليحصل على التحقيق "كاملاً" فيما المحققون يعرف كل واحد منهم الجانب المتعلق بتخصصه.

ثمّة ما يدعو إلى الريبة فعلاً في التحقيق الذي يخضع له الممثل المسرحي زياد عيتاني، ذاك أن أي لبناني صار يعرف عن مضمون التحقيق أكثر مما يعرف المحققون أنفسهم، فالأخيرون توزعوا على وسائل الإعلام، وراح كل واحد منهم يقدم ما حصل عليه من “معلومات” من زياد. وبالتالي صار بوسع أي لبناني أن يجمع ما نُشر في وسائل الإعلام ليحصل على التحقيق “كاملاً” فيما المحققون يعرف كل واحد منهم الجانب المتعلق بتخصصه. ثم أن تعقّب الحكاية من مصادرها المختلفة أكسبنا حساً أمنياً عالياً، فمن المفترض أن عيتاني بانتظار زيارة لمشغلته، وهو اعتقل قبل الزيارة الموعودة، علينا أن ننتظر في حلقة الغد السر من وراء ذلك، فالمنطق يقول أن الجهاز الأمني كان من المفترض أن ينتظر الزيارة حتى يصبح الصيد أثمن! لا شك أن وراء ذلك سراً، وغداً سنعرفه.
والحال أن التحقيق بات مروحةً تصيب أياً ممن صادفهم عيتاني، فبدت وظيفة إيراد الأسماء وتناسلها عبر صحفيين معتمدين في التحقيقات الأمنية هي التلويح بأي إسم يمكن أن يخطر على بال هؤلاء الصحافيين. وفي ظل هذا الواقع صار بمستطاع أي لبناني أن يؤلف مقطعاً خيالياً عن عيتاني وأن ينسبه إلى المحققين، ذاك أن الروايات ومنذ توقيف الرجل لم تكف عن التناسل. يريد عيتاني اغتيال وزير الداخلية نهاد المشنوق، أو هو يريد صداقته، لا فارق هنا، فالقصة سائرة ومتجددة، وعلينا كل صباح أن نفتح كومبيوتراتنا وأن نعاين ما استجد عليها. هذا المساء شهدت مديرية أمن الدولة جلسة استجواب لزياد. اللبنانيون يعرفون ذلك. في المقاهي ينتظرون انتهاء المحققين من عملهم. ينظرون إلى الساعات في أيديهم. انتهى التحقيق. متى سيبدأ الصحافي المعتمد في نشر ما جرى في الجلسة؟
ليس اللبنانيون وحدهم من صار بحوزتهم التحقيق كاملاً، الاسرائيليون أيضاً صاروا على معرفة كاملة بشخصية “عميلهم” المتقلبة، وأدّت لهم التسريبات خدمات لم يسبق للضابطة الاسرائيلية أن تمكنت من تأمينها لهم. زياد عيتاني متقلب في إفاداته. قال في البداية إنه تقاضى مبالغ لقاء خدماته، ثم تراجع وقال إنه خضع لابتزاز بتسجيلات صوتية، ثم تراجع وقال إنه خضع لابتزازٍ بفيديوهات. الفوارق كبيرة ومفسرة للكثير مما يودّ الاسرائيليون أن يعرفوه عن “عميلهم”. فاضت المعلومات عن الحاجة. نحن الآن نعرف كل نوايا العدو الصهيوني. لا بل نعرف أكثر مما نحتاج أن نعرفه عن العدو. ولكن علينا أن ننتبه، ففائض المعرفة هذا قد يغرقنا بالتطبيع، فتصبح المعلومات لكثرتها بديهية وحاضرة في علاقاتنا وفي تبادلاتنا.
من وردت أسماؤهم في التحقيق فاضوا عن الحاجة لتأليف قصة. ثم أن المستهدفين في المراقبة صاروا يتطلبون جيشاً من العملاء، إذ كيف على زياد عيتاني أن يراقب نهاد المشنوق في بيروت وأحمد الحريري في صيدا في الوقت نفسه. ربما يريد المحققون أن يكشفوا لنا أسماء جديدة، فعيتاني رئيس عملاء العالم، وهو يدير خيوطاً سيفضي كشفها إلى تحرير فلسطين، ومن يتحفظ على هذا التوقع سيرد اسمه في وجبة الصباح التي سيذيعها الصحفي المعتمد في وجبة أسماء الصباح.
والحال أن القصة أثارت شهية مقاومي التطبيع من كل العالم. “ما قبل زياد عيتاني ليس كما بعده”، راحو يقولون. الأسماء التي تناثرت من فوق رؤوس أصحابها سيتحولون إلى مطبعين، حتى لو لم يمارسوا التطبيع ولم يرغبوا فيه. أنت مطبع موضوعياً طالما أن إسرائيل فكرت في أن تحاول استدراجك إلى التطبيع. “العدو الموضوعي” هو العدو الذي لا يعرف هو نفسه أنه يملك قابلية أن يصير عدواً. تنصّ على ذلك أدبيات لطالما نهل منها مناهضو التطبيع. وفي النتيجة فإن “ما قبل زياد عيتاني ليس كما بعده”، وهذه عبارة وردت على نحو مكثف في أدب المطبعين الذي تدفق فور شيوع الخبر.
ثمّ علينا هنا أن نلاحظ أن وجوهاً مثل نهاد المشنوق وأحمد الحريري انتقلوا في تسريبات مقاومي التطبيع من دائرة الشبهة التطبيعية إلى دائرة الاستهداف الاسرائيلي، ولهذا علاقة طبعاً بما جرى مؤخراً في لبنان. وهنا أيضاً يلعب الخيال دوراً تخصيبياً في شحن الرواية بمضامين تكشف كم أن مناهضة التطبيع ليست أكثر من ابتذالٍ للسياسة، كما أنها تكشف كم أنها موظفةً عندها.
والأمر لم يقتصر على مناهضي التطبيع، فالمتهمين بوجود “قابليات تطبيعية” لديهم سريعاً ما شعروا بالحاجة إلى التطهر وإلى دفع الشكوك. من اللحظات الأولى لشيوع خبر توقيف زياد عيتاني، شرع الرجل بالتعرض لحملة جلد افتراضية تولاها هؤلاء. الجميع “بل يده” به، ولم يشعر أحد بضرورة الانتظار. تولى ذلك كثيرون ممن لا يمكن تفسير ما فعلوه إلا بصفته رغبة في دفع الشبهة. تفاجأنا بكثيرين انتقلوا فجأة إلى موقع مناهضي التطبيع. وكشفت قضية عيتاني كم أن مناهضي التطبيع أقوياء وهم زرعوا خوفاً وشكوكاً لدى كثيرين في أنفسهم، وهذه قصة نجاح موازية لنجاحات كثيرة حققها محور المقاومة ومناهضة التطبيع، وهي أصابت المطبعين المفترضين والموضوعيين بهزائم متتالية، إلا أن المفارقة هي أنها لم تصب المُطبع معهم.  [video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مروة صعب – صحافية لبنانية
“اللي قتلو ابنتي مدعومين. أنا ماني تابع لأي حزب سياسي ولا عندي مال لتعيين محامٍ يساندني لانتزاع حق بنتي من اللي قتلوها”.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني