fbpx

“فيكشن”: تغطية “بوسطن نيوز” لمحاولة اغتيال رفيق الحريري، في عددها الصادر في 15/2/2005

ما أن انتشر الخبر ظهر أمس حتى بدأت الوفود بالتقاطر على قصر قريطم. لقد أرادوا تهنئة صاحب القصر، الرئيس رفيق الحريري، بنجاته من محاولة الاغتيال التي أُعدّت بإحكام على ما يبدو، فيما كان موكبه يقترب من فندق السان جورج في منطقة الزيتونة.

ما أن انتشر الخبر ظهر أمس حتى بدأت الوفود بالتقاطر على قصر قريطم. لقد أرادوا تهنئة صاحب القصر، الرئيس رفيق الحريري، بنجاته من محاولة الاغتيال التي أُعدّت بإحكام على ما يبدو، فيما كان موكبه يقترب من فندق السان جورج في منطقة الزيتونة. أعداد ضخمة من البشر تدفّقت ولا تزال تتدفّق على القصر، فيما يستقبلها الحريري الذي بدا متأثّراً بما حصل، خصوصاً أنّ اثنين من مرافقيه قُتلا من جرّاء الانفجار الهائل يوم أمس. بين وقت وآخر كان يردّ بشيء من العصبيّة على مكالمات هاتفيّة تصله. لكنْ لوحظ، حين اقترب منه أحد معاونيه وقال له إنّ رئيس الجمهوريّة إميل لحّود على الخطّ، أنّه أشار بيده إشارة غاضبة توحي أنّه لن يردّ على المكالمة. ما زاده استياءًا شيوع معلومات في بيروت بأنّ الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة والسوريّة ما زالت، على رغم مرور أكثر من 17 ساعة على الجريمة، متردّدة في مباشرة التحقيق بها. وهذا، في ظنّ أغلبيّة اللبنانيّين، وهم طبعاً مُحقّون في ذلك، إنّما يرقى إلى فضيحة. وما زاد الشكوك والغضب أنّ وزير الداخليّة سليمان فرنجيّة كان قد دعا فعلاً، بعد ساعات على محاولة الاغتيال، إلى اجتماع في وزارته حضره قادة الأجهزة الأمنيّة (ووزير سابق لا يملك أيّة صفة رسميّة هو ميشال سماحة). لكنّ الخبر الذي نقلته وكالة الأنباء المحلّيّة اقتصر على أنّ الاجتماع كان “لتحصين الوضع الأمنيّ حيال الاختراقات الإسرائيليّة”.
على أيّ حال، ففي باحة القصر كان يقف ضابط شابّ عرّفني إلى اسمه: إنه وسام عيد الذي يبدو أنه خبير في أمور المتفجّرات عن بعد. وقد فهمت أنه بدأ لتوّه العمل على فكّ ّأحجية الجريمة من خلال رصد بعض المكالمات الهاتفيّة التي سبقتها وواكبتها. في هذه الغضون كان وفد حزب الله أحد أكبر الوفود الحزبيّة التي أمّت قصر الحريري، وقد صافح رئيسُ الحكومة السابق أفرادَ الوفد بقلّة اكتراث واضحة، وبالبرودة ذاتها استقبل كبيرَ الضبّاط السوريّين رستم غزالي الذي ترك مرافقيه في الخارج ودخل القصر وحده، لكنّه سريعاً ما انسحب حين لم يجد كرسيّاً مخصّصاً له في القاعة الكبيرة، كما لم يتبرّع أيّ من الحضور بتقديم كرسيّه له. أكثر من هذا، ردّد بعض المتجمهرين شتائم مسموعة الصوت له ولرئيسه، الرئيس السوريّ بشّار الأسد. وهذا ما لم يكن معهوداً أبداً في اللبنانيين.
وقد حصلت “بوسطن نيوز” من الوزير السابق باسم السبع ومن هاني حمّود اللذين كانا وسط الجموع – وهما صحافيّان سابقان قبل أن يتحوّلا إلى سياسيّين مقرّبين من الحريري – على معلومات بالغة الأهميّة حول ما ينوي الحريري فعله في الأيّام القليلة المقبلة. ذاك أنّه، وفقاً لتلك المعلومات، يزمع التوجّه بعد يومين أو ثلاثة إلى باريس، وقد يرافقه القطب الدرزيّ المعارض وليد جنبلاط وكذلك الوزير السابق مروان حمادة الذي تعرّض قبله لمحاولة اغتيال أصيب من جرّائها كما قُتل سائقه.
ويبدو أنّ الحريري ينوي تشكيل حكومة منفى في العاصمة الفرنسيّة، بعد أن يتوافق على تركيبتها مع العماد ميشال عون، المنفيّ إلى هناك منذ عقد ونصف العقد. ويتردّد أنّ البطريرك المارونيّ نصر الله صفير، الذي كان أوّل المتّصلين للحريري للتهنئة، يبارك هذا الاقتراح. أمّا الأهداف التي ستطرحها حكومة المنفى المحتملة على نفسها فيتصدّرها ثلاثة: المطالبة بانسحاب الجيش السوريّ فوراً من لبنان، ونزع سلاح حزب الله في أسرع وقت ممكن، وإطلاق سراح المساجين السياسيّين وعلى رأسهم قائد “القوّات اللبنانيّة” سمير جعجع. لكنْ يُشكّ كثيراً في قدرة اللبنانيّين المؤيّدين للحريري على إنجاز هذه المطالب من دون تدخّل خارجيّ ما، بل يُشكّ حتّى في قدرة القضاء المحلّيّ على القيام بواجباته في التحقيق في ظلّ النفوذ العسكريّ والأمنيّ للسوريّين وحزب الله. ويُرجّح أن تكون هذه العوامل، معطوفة على حماية كبار المعارضين من محاولات اغتيال مماثلة، هي ما يملي الانتقال إلى فرنسا وإعلان الحكومة من هناك بوصفها حكومة منفى.
وقد يكون من المبكر لأوانه الجزم في ردود أفعال العواصم العربيّة والدوليّة التي تربط الحريري علاقات خاصّة، سياسيّة وتجاريّة وشخصيّة، بها. مع ذلك، فإنّ التعليق الفوريّ والحادّ اللهجة الذي أدلى به الناطق بلسان البيت الأبيض سكوت ماكليلاّن يسمح بافتراض الأسوأ، خصوصاً وقد تضمّن كلامه تلك العبارة التي فُسّرت بأنّها تهديد: “إنّ الرئيس جورج دبليو بوش يعتبر ما حصل اعتداء على الولايات المتّحدة الأميركيّة وعلى القيم المتمدّنة في العالم. وهو إذ يدين ذلك بأقسى ما يمكن، يطالب بانسحاب فوريّ للقوّات السوريّة من لبنان، وبتجريد سلاح الميليشيا المسمّاة حزب الله”. وهذا لا يلغي أنّ بعض العارفين بالحريري يجزمون بأنّه قد يتراجع عن خطوته لسببين: أوّلهما، مصالحه الماليّة والتجاريّة التي تمنعه من أن يقطع خيطاً قبل الوقوف على إرادات كثيرة، حكوميّة وماليّة، في السعوديّة وفرنسا وسواهما، وهذا ما ينتقص من قدرته على تزعّم الوطنيّة اللبنانيّة، أمّا السبب الثاني فأنّ الرجل، وهو بالطبع عملاق ماليّ، لا يملك الطاقة النضاليّة التي يتطلّبها عمل كهذا.
على الأرض، سريعاً ما اندلعت اشتباكات في منطقة طريق الجديدة في بيروت، وعلى أطرافها، بين مؤيّدين لرئيس الحكومة السابق ومؤيّدين لحزب الله. ويبدو، بحسب معلومات تجمّعت لـ “بوسطن نيوز”، أنّ أجواء توتّر تخيّم على مدينة بعلبك وعلى مناطق أخرى في البقاع. وحتّى اللحظة لم يصدر أيّ تعليق مباشر من حزب الله أو من القوّات السوريّة التي تتولّى مسؤوليّة الأمن في لبنان، لكنّ أحد العارفين باللعبة السياسيّة في هذا البلد، وباللغة المواربة التي تصاحبها (وقد رفض ذكر اسمه)، توقّع أن يلقي الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله خطاباً يهنّىء فيه الحريري بنجاته ويتّهم إسرائيل بتدبير محاولة الاغتيال.
ويمكن القول إنّ اللبنانيّين، الذين لم يخرجوا من حروبهم الأهليّة إلاّ قبل 15 عاماً، يعيشون اليوم هاجس العودة إلى تلك الحرب التي ستعلن، في حال اندلاعها، الفشل النهائيّ للوصاية السوريّة على بلاد الأرز. وقد أتيح لنا، من خلال مراجعة بعض شركات الطيران، التيقّن من إقبال كثيف على شراء تذاكر سفر إلى الخارج، وهو ما عبّر عن نفسه بسرعة هائلة، خصوصاً في أوساط الشبيبة المتعلّمة والأكثر تأهيلاً. كذلك أطلعَنا أحد مدراء المصارف على مخاوف جدية لديها من إقبال المودعين على التخلّص من الليرة اللبنانيّة واستبدالها بالدولار والعملات الأجنبيّة الأخرى. لكنْ بينما ينشغل المثقّفون بسيناريوات ديموغرافيّة وطائفيّة للحرب المحتملة، كالقول إنّ مناطق “لبنان الصغير” المسيحيّة والدرزيّة، ومعها المناطق السنيّة الساحليّة، ستجد نفسها في مواجهة المناطق الشيعيّة في الجنوب والشرق، ينصرف آخرون إلى هموم مختلفة. فكثيرون بدأوا التفكير في صيانة الملاجىء التي تقع تحت مبانيهم السكنيّة، وأكثر منهم من سارعوا إلى تخزين موادّ غذائيّة أساسيّة، خصوصاً المعلّبات. إلاّ أنّ فئة وحيدة هي التي تمارس حياتها بكثير من الأمل والتفاؤل: إنّها فئة تجّار السلاح ومهرّبيه الذين تمكّنت “بوسطن نيوز” من التحدّث إلى واحد منهم رفض ذكر اسمه. لقد قال، وهو يتلاعب بحبّات سبحته، محاولاً كبت سعادته المفاجئة: نحن نعلم أنّ السنّة والمسيحيّين والدروز سيسارعون إلى التسلّح كي يتعادلوا مع التسلّح الشيعيّ. وأنا في الحقيقة شيعيّ وأتعاطف مع حزب الله، لكنّ المصلحة تأتي أوّلاً”. في خلال تلك الجلسة كان نجله الشابّ الذي يحتسي الشاي يفرك يديه بكثير من الفرح، وقد فهمنا لاحقاً أنّه يبيع موتورات كهرباء، وهي الأخرى مادّة يُقدّر أن يعطّلها انفجار القتال.
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ساندي الحايك – صحافية لبنانية
بعد أكثر من 6 ساعات في عرض البحر وحيدين، أدرك هؤلاء أنهم خُدعوا وأن هناك من غرّر بهم… لا شيء حولهم إلا سماء.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني