fbpx

قرية المرأة في “روج آفا” شمال سوريا، نساء يؤسّسن لحياة لا رجال فيها

على الطريق من مدينة الدرباسية في إقليم "روج آفا" الكردي في شمال سوريا باتجاه بلدة سرى كانيى تلفت أنظار العابرين لوحة من بين اللوحات الطرقية كتب عليها: " قرية المرأة ".

على الطريق من مدينة الدرباسية في إقليم “روج آفا” الكردي في شمال سوريا باتجاه بلدة سرى كانيى تلفت أنظار العابرين لوحة من بين اللوحات الطرقية كتب عليها: ” قرية المرأة “.
تقودنا الطريق نحو اليسار باتجاه الجنوب، وعلى مقربة من سفح جبل ” كبز ” تظهر بداية حجرة كبيرة كتبت عليها عبارات الترحيب بعدة لغات تقول:” اهلا بكم في قرية النساء”. ومن هناك وصولاً إلى بابٍ كبير مفتوح على مصراعيه وقد كتب عليه باللغة الكردية “جن وار” أي، مكان النساء.
تبدو القرية كخلية نحل، إذ تتوزع ورشات ومجموعات عديدة تعمل في بناء القرية. هنا مجموعة من الشابات والشبان يحضرون مواد البناء، وقد غرسوا أرجلهم في الوحل حتى الركب وهم يعجنون الطين الذين ينقلونه بعربات صغيرة. على بعد أمتار يقف رجل وامرأة وأمام كل منهما قالب خشبي يفرغ فيه الوحل، استعداداً لوضعه في قوالب خشبية تترك على الأرض لتجف تحت أشعة الشمس ثم تستخدم في بناء جدران البيوت الجديدة التي يتمّ تشييدها.
بدأ العمل في بناء القرية في شتاء هذا العام ويفترض أن تكتمل ربيع العام القادم.
العمال والعاملات الذين يعملون في بناء القرية جلّهم متطوعون، ومنهم من يعمل بأجر محدد، كفاطمة ،النازحة من الرقة هي وابنتها، حيث تتقاضى عن كل لبنة بناء تحضرها خمسين ليرة سورية. وحين سألتُها كم لبنة تصنعها في اليوم أجابت أكثر من  ثلاثمائة لبنة.
في الطرف الآخر شاب وهو أيضاً من الرقة ويعمل بناءاً، وبجواره ثلاث شابات تطوعن لتأسيس جدران البيوت بعجينة الطين، فيما مجموعة أخرى تجلس لأخذ قسطٍ من الراحة وهم يغنون أغانٍ حماسية تتحدث كلماتها عن معاني عمل المرأة وحريّتها.
فكرة قرية النساء، أو “قرية المرأة” استوحتها منظمات نسوية في “روج آفا” من كتابات زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان، الذي كتب في منفردته في سجن ايمرالي التركي مجموعة من الكتب، تدور معظمها حول العودة إلى التاريخ والنشأة الأولى للإنسان أو مايسميه هو العصر “النيوليتيكي”، حيث كانت المجتمعات تدير نفسها بنفسها ضمن قيم وقوانين اجتماعية تعتمد على أسلوب الحياة “الكومينيال “، أو الأسلوب الجماعي في العيش المشترك، وحيث كان للمرأة الدور الأساس في بناء المجتمعات البدائية وإدارتها، فجاء بناء القرية هذه كتجربة لمحاولة العيش الطبيعي، بعيداً عن التطور التقني والغذائي والقوانين الوضعية.
ورغم صعوبة التفكير في مجتمع قائم على نوع جندري واحد يدافع أصحاب الفكرة عن قناعتهم في محاولة بناء مجتمعٍ صغيرٍ حرّ  تديره المرأة. يفترض المنخرطون في التجربة أن القرية ستعتمد في اقتصادها وعلاقاتها المعيشية على ما تنتجه النساء أنفسهن وما يزرعنه وينتجنه من أعمال يدوية.
أما شكل القرية وتوزّع بيوتها، فتقول “رومت ماردين” وهي إحدى المشرفات على المشروع  أنه تمّ بدراسة مستفيضة مع مهندسين وخبراء جغرافيا وتربة، حيث ستتألف القرية من ثلاثين بيتاً طينياً وستتوزع البيوت على شكل مثلث، بحيث تستوعب القرية ما مجموعه مئتي شخص أو أكثر قليلا. وهناك بالإضافة إلى البيوت السكنية مستودع ضخم تخزن فيه المواد الغذائية وتوزع على الأسر كل حسب حاجتها عدا عن ثماني مبان أخرى تتوزع على مدرسة وأكاديمية للعلوم النسائية ومشفى خاص بالطب البديل، الذي سيعتمد على المعالجة بالاعشاب والمواد الطبيعية، ومبان خاصة بإدارة القرية ومجالسها. هناك أيضاً متحف يجمع فيه كل ما يتعلق بتاريخ المرأة من أعمال وصور وقطع أثرية وتراثية والتي
“ستستمد منها النساء خبرات وطرق معيشة بسيطة، بعيدا عن حياة المدينة والاسمنت وجشع الرجال وشركات الرأسمال التي حطمت الإنسان وجعلته عبارة عن آلة في ماكينة كبيرة تدور ليلا ونهارا لتخدم مصالح وشركات تبتز الانسان وتستغله “، كما تقول المشرفة نوجين، وألمانية من أصول كردية وأتت كمتطوعة للقرية للعيش فيها.
“سنعيش بعيداً عن العنف والصخب الرأسمالي”، تقول نوجين.
أما عن العلاقة بالرجال فتقول المشرفة رومت، “بالطبع يحق لكل امرأة أو فتاة أن تعيش هنا، بشرط ان تلتزم بطريقة الحياة المشتركة وتحترم القوانين الاجتماعية التي نصوغها الآن كدستور للقرية. ونقول بداية ليس للرجل مكان في القرية، أما الأسر التي تجلب معها الأطفال، فنحن على ثقة أن الأطفال الذكور حين يكبرون سيكونون قد تفهموا أسس الحياة وقوانين المجتمع الصغير الذي نبنيه في القرية فمن حقه حينها أن يتزوج ويسكن القرية ويستمر في العيش فيها. نحن نبدأ بالمرأة لأنها هي الأساس، وهذا لا يعني إلغاء الرجل، بل الرجل الذي سيعيش هناً مستقبلا عليه أن يكون متفهماً للذهنية الجديدة التي نبنيها، بعيداً عن سلطة الذكر والذهنية الذكورية التي تستعبد المرأة وتراها مجرد سلعة أو جسد ومتعة.” وأضافت : ” لاشك أن الأولوية في السكن ستكون لنساء الشهداء إن أردن العيش هنا، أو للمرأة التي تعرضت للعنف الأسري و المجتمعي. نحن نضع نصب أعيننا التأكيد على الحياة المشتركة، وخلق المرأة الحرة التي ستعطي تلك الحرية لأطفالها، وتقوم بتربيتهم بعيدا عن الحداثة الرأسمالية وجشع التجار، تربية تؤمن بالعيش المشترك بين كل الأديان والطوائف والقوميات. فنحن لا نبني القرية فقط للنساء الكرديات ، بل حالياً يتم تسجيل عدة عوائل من قوميات أخرى سيسكنون في القرية حال الانتهاء من البناء.”
ورغم أن فكرة قرية قائمة على عزل جندري بين النساء والرجال تبدو فكرة غير واقعية وغير قابلة للحصول والتطوير إلا أن المشرفين هنا يرفضون هذا النقاش ويشددن على صوابية ما يريديون القيام به.

أما من حيث التمويل فهو من مجموعة متبرعين ومن أموال جمعت من أعمال خيرية ومشاريع زراعية كما تقول المشرفة، “نحن لا نتعامل مع المنظمات الدولية التي تقدم الدعم المالي بحجة تطوير المجتمعات لأنها في الحقيقة تحتكر فكر تلك المجتمعات وتأسرها من خلال ما تقدمه من أموال.”
وهل هناك تجارب في دول أخرى كتجربتكم هذه؟ أجابت: ” ليس بالضبط لكن هناك شبيهات لها، ففي كينيا وبعيد الحرب العالمية الثانية اجتمعت العديد من النساء اللواتي كن ضحايا الحرب والعنف، وبنين قرية باسم ” اوموجي ” ومنذ ذلك الحين القرية قائمة حتى اليوم، وسمعنا أن لديهم قانون يمنع دخول الرجل إلى القرية بشكل مطلق، وكذلك في الهند هناك قريتان أسستها مجموعات من النساء الفقيرات، ونحن حاليا نحاول التواصل مع تلك التجارب لتبادل الخبرات.”
لفت نظري وأنا أغادر القرية أن هناك العديد من الفتيات الأوروبيات غير نوجين جئن للعمل كمتطوعات في القرية، إحداهن ايطالية تحدثت معي بلغة كردية واضحة وقالت إنها مهندسة ميكانيكية، ستقيم هنا في القرية وتقدم كل خبراتها في هذا المجال وغيره لسكان القرية.
في الطريق بدت لي الحياة سهلة أكثر مما ينبغي، وأخذت من المهندسة التي تشرف على البناء مخططا لطريقة بناء البيوت في القرية، وبقيت طيلة الطريق احكي للسائق انني سأغادر بلدتي الصغيرة واتجه كذلك إلى الريف والى الطين والتراب الذي تتقاتل عليه الدول وتزهق الأرواح، ولكنني صحوت في اليوم التالي على سؤال، “هل ستسكن معي إمرأة.”[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مروة صعب – صحافية لبنانية
“اللي قتلو ابنتي مدعومين. أنا ماني تابع لأي حزب سياسي ولا عندي مال لتعيين محامٍ يساندني لانتزاع حق بنتي من اللي قتلوها”.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني