الجزيرة العليا السورية.. الأرض اليباب التي أحرقها “مجهول”

المساحات الشاسعة التي التهمتها النيران وتوزعها على أكثر من محافظة في ظل تهديدات من أطراف عدة، وغياب أي تبرير طبيعي واضح، كلها أسباب تدفع للشك بوجود فاعل يقف وراء هذه الحوادث، ويسقط التهمة عن الطبيعة

أكثر من 40 قرية ومزرعة في ريف الحسكة في كردستان سوريا، وعشرات القرى في ريفي الرقة ودير الزور، احترقت محاصيلها من القمح بالكامل. آلاف الهكتارات المزروعة التهمتها النيران، في أقل شهرين.
كانت مدن المحافظات الثلاث الحسكة والرقة ودير الزور من المدن التي يشار إليها بالبنان، بأنها أقل المدن التي تعرضت لقصف النظام السوري خلال المقتلة السورية، وأنها أقل المناطق السورية تعرضاً للدمار.
كان هذا قبل أن يظهر تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وليد جبهة “النصرة”، والمتغذي على بقية التنظيمات المتطرفة في سوريا. في ما بعد توسع التنظيم وبدأ شن هجمات على مدن المنطقة ليدمر التي لم تخضع له، وخير مثال على ذلك كوباني، التي أضحت أرضاً يباباً بعد هجوم التنظيم عليها قبل أعوام، وجثم على صدور المدن التي كانت له.
وحتى الأخيرة نالت من الدمار نصيبها أثناء حرب التحالف الدولي وقوات سوريا الديموقراطية على مناطق سيطرته، لتصبح الرقة اليوم عبارة عن أكوام من الحجر وحديد التسليح، إلى جانب قرى ومدن الرقة ودير الزور، بفعل مفخخات التنظيم وقصف طيران التحالف.

تنفس أهالي المنطقة الصعداء بعدما وضعت الحرب أوزارها، وتخلصت مدنهم من بطش التنظيم، واستبشروا خيراً بأن يكون هذا العام بداية جديدة لهم، بخاصة أن أهالي هذه المحافظات الثلاث يعتمدون في معيشتهم وترتيب مفاصل حيواتهم، على الزراعة.
الهطولات المطرية الغزيرة في شتاء هذا العام وربيعه، والمساحات الخضر، بشرت الأهالي بموسم حصاد يخفف عنهم ضنك العيش وتأثير سنوات الحرب والعيش في خوف من إرهاب تنظيم الدولة.
لكن، ما حصل في الفترة الأخيرة، أحال حالة الارتياح لدى أهالي المنطقة إلى غصة قد لا يدركها أحد منا، إلا من كانت له أرض زراعية، فيقسم روزنامة دورة حياته السنوية وفقاً لمنتوج الأرض.
نثر الأهالي نهاية العام المنصرم بذور القمح والشعير، بأيادٍ مرتجفة، وقلوب مقبوضة، من المصير المجهول للمنطقة، بخاصة أن مراحل الحرب على تنظيم “داعش”، كانت في نهايتها والمعارك كانت على أشدها مترافقة مع رسائل تهديدية من التنظيم بالانتقام لما آل إليه وضعه، إلى جانب تهديد ووعيد النظام السوري مدعوماً بروسيا بأنه سيهاجهم المنطقة للسيطرة عليها، كون النظام السوري ما انفك يعتبر نفسه مالك هذه البلاد بمن عليها، على رغم الخراب الذي ألحقه بها.

 

كائناً من كان الذي يقف وراء الحرائق الحالية، سواء كانت بفعل الطبيعة أم بفعل البشر، فالضرر واحد والمتضررون كثر، وهم ضحايا في الأصل يحاولون النهوض بذواتهم من تحت حطام مدنهم، التي استنشقت في الأيام الأربعين الفائتة رائحة عرقهم ودمائهم التي سقوا بها زرعهم

 

أما في مناطق كردستان سوريا، فكان للأهالي سبب إضافي وهو التهديد التركي المستمر، باقتحام المنطقة وشن حرب مفتوحة على قوات سوريا الديمقراطية كونه يعتبرها امتداداً لحزب العمال الكردستاني المصنف على لوائح أنقرة للتنظيمات الإرهابية. وهذه الأخيرة كانت الأشد وطأة على أهالي المنطقة والأكراد منهم على خصوصاً، كونهم يشهدون حتى اليوم ما حصل ويحصل لأقرانهم الأكراد في عفرين على يد الجيش التركي ومواليه من فصائل المعارضة السورية، ولعل مشاهد النيران اليوم وهي تلتهم قمح أكراد شرق الفرات تذكرهم بمشاهد النار وهي تلتهم أشجار الزيتون العائدة لأكراد عفرين، أيضاً زاد تخوفهم بعدما تكررت حالات استهداف حرس الحدود التركي “الجندرمة”، الفلاحين في المزارع التي تقع على الحدود السورية -التركية.
في السنوات الماضية من عمر الثورة السورية وحتى في الأعوام التي سبقت الثورة، لم تكن مسألة اندلاع الحرائق في الأراضي الزراعية خلال موسم حصاد القمح والشعير، صادمة، بخاصة مع ارتفاع درجات الحرارة في المنطقة، لكن لم يحصل أن نشبت حرائق بهذا الحجم ولم تلتهم النار مساحات كبيرة مثل التي التهمتها في حوادث هذا العام.
المساحات الشاسعة التي التهمتها النيران وتوزعها على أكثر من محافظة في ظل تهديدات من أطراف عدة، وغياب أي تبرير طبيعي واضح، كلها أسباب تدفع للشك بوجود فاعل يقف وراء هذه الحوادث، ويسقط التهمة عن الطبيعة.

في مطلق الأحوال، كائناً من كان الذي يقف وراء الحرائق الحالية، سواء كانت بفعل الطبيعة أم بفعل البشر، فالضرر واحد والمتضررون كثر، وهم ضحايا في الأصل يحاولون النهوض بذواتهم من تحت حطام مدنهم، التي استنشقت في الأيام الأربعين الفائتة رائحة عرقهم ودمائهم التي سقوا بها زرعهم. والوقوف على حالهم وإلى جانبهم بات لزاماً على من يحكم هذه المنطقة ومن يدعمهم من دول، بخاصة أن ما يحصل الآن ينذر بسنة قد تكون الأصعب على سكان المنطقة، فنقص إنتاج القمح يؤدي إلى نقص مادة الطحين، الذي يعني نقصاً في إنتاج الخبز.
شهدنا في الثورة السورية، حصاراً لمدن، وقصفاً وتدميراً لأخرى، لكن الفاعل كان يجاهر بفعلته من دون استحياء، فيما فاجعة أهل الجزيرة فهي أن الأمر أشد وطأة من الحصار، وأكثر إيلاماً وتدميراً لحيواتهم، أما الفاعل فمجهول.

نساء من سنجار: يواصلون سبْيَنا

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

عباس بيضون – كاتب وشاعر لبناني
في تأبين محسن ابراهيم يسعنا ان نؤبن مرحلة كاملة. بهذا المعنى كان محسن شخصية تاريخية، بل كان قادرا على ان يكون كذلك، لا في لحظات نشاطه الصارخ فحسب، بل ايضاً في صمته الأخير وانقلاب الأمور عليه.
محمد أبو رمان – باحث وكاتب ووزير أردني سابق
لا تختلف حالة الأردنيين عما تعيشه معظم دول العالم، إذ وقع عليهم فايروس “كورونا” كالصاعقة، ووجدوا أنفسهم للمرة الأولى منذ عقود طويلة أمام قوانين وأنظمة وسلوك غير تقليدي أو معتاد…
باسكال صوما – صحافية لبنانية
جريمة مقتل فلويد وما تبعها من تظاهرات في مدن أميركية عدة ومحاولات قمعها، أسلحة ستستثمرها إيران وسواها من الآن وصاعداً، فكلّما قال لها أحدهم: “بأي حق قتلتِ فلان أو فلانة؟”، سترد: “بالحق الذي قتل به جورج فلويد”.
إيلي عبدو – صحافي سوري
في تحوّل استذكار الكاتب اللبناني الراحل سمير قصير، رثاء وحسرة ومديحاً، تقليداً لدى عدد كبير من السوريين، انفصال حاد مع أحوال سابقة، معطوف على بلوغ أحوال جديدة غير مدركة بما يترتب على الإدراك، من أفكار وقناعات وتصورات.
باز علي بكاري – صحافي وكاتب كردي سوري
ليست الولايات المتحدة الاستثناء في المعاناة من مرض العنصرية. ولعله فعل مصادفة أو وحدة حال بين الفاشيين في العالم، أن يصلنا خبر قيام مجموعة من الشبان الأتراك بقتل شاب كردي لأنه كان يستمع لأغنية كردية.
مالك ونوس – كاتب ومترجم سوري
ليست الممارسات التي ينتهجها النظام المصري، سوى علامات على تحوُّلِ سلطته إلى قوة عدوان حلَّت محل “الدولة الوطنية”، التي حلم أبناء الدول العربية ببنائها بعد استقلالهم عن الدولة العثمانية، ومن بعدها عن الاستعمار الغربي.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني