fbpx

“هرمونات الجهاد” تفيض على طرفي الجبهة.. الأطفال الجنود في اليمن يقاتلون حباً بالقتال لا حباً بمذاهبهم

لمرتين متتاليتين، نجحت أم فهد في استرجاع نجلها الأصغر محمد (١٥ سنة) من جبهة القتال في منطقة نهم شمال شرق صنعاء. وفي المرة الثالثة تلقت خبر مقتله الذي نزل عليها كالصاعقة.

مرتين متتاليتين، نجحت أم فهد في استرجاع  نجلها الأصغر محمد (١٥ سنة) من جبهة القتال في منطقة نهم شمال شرق صنعاء. وفي المرة الثالثة تلقت خبر مقتله الذي نزل عليها كالصاعقة.
“قلت لهم يعطوني أي شيء منه. ولو حقيبته لأتأكد أنه قتل”، تقول أم فهد التي لا تزال منذ شهور تتأرجح بين تصديق وتكذيب الخبر.
يمنيات كثر، مثل أم فهد، فُجعنَ بفلذاتِ أكبادهنّ، لكنهنّ بقين عاجزاتٍ عن منع أطفالهن من الذهاب الى جبهات القتال، في مجتمع  يربي المولود الذكر على أن يكون رجلا قبل الأوان. وتتضاعف الخسارة مع افتقار النخب المتصارعة لقيم الالتزام الأخلاقي والقانوني بشأن تجنيد الصغار. وهنا لا قصص فردية، بل حالٌ جماعية، انخرطت فيها عائلاتٌ كثيرة، استسلمت كرهاً أو طوعاً، لحقيقة أن الأطفال اليمنيين باتوا وقوداً في حروب طاحنة.
فاليمنيون يتقاتلون، منذ نحو ٣سنوات، تحت راياتٍ مذهبيةٍ وجهوية وسياسية مختلفة، لكن ما يميّز محمد، أنه قاتل  وقُتل شغفاً بالقتال نفسه كما تقول عائلته.  أطفال كثر مثل محمد، لقوا حتفهم في الخطوط  الأمامية من دون يتلقوا تدريباً كافياً، وبعض الأطفال الجنود لاتتجاوز أعمارهم ١١سنة. وعندما أبلغت أسرة محمد بمقتله لم يكن مضى على تجنيده سوى ٤ شهور .
صورة المقاتل
في حزيران ٢٠١٥، قتل حمزة (١٤سنة) في تعز، أثناء مشاركته في  حملة قادها الحوثيون تحت  شعار مقاتلة الدواعش. فيما قتل مأمون (١٥سنة) في مأرب،  دفاعاً عن أهل السنة. غير أن  جوانب من سلوك محمد وحمزة ومأمون، بحسب ما تبين في تحقيق “درج “، تظهر أن الشغف بفكرة القتال والقوة، كان الدافع الرئيس وراء مشاركتهم في المعارك وهو ما أكده متخصصون في متابعة هذه الظاهرة.
تقطن  أسرة محمد حي السنينة الشعبي في صنعاء، وتتحدر من  محافظة تعز الواقعة ضمن جغرافيا المذهب الشافعي. لكن محمد قضى وهو يقاتل في صفوف الحوثيين “الجماعة الأكثر تطرفاً في المذهب الزيدي” على ما يصفها خصومها.
تذكر والدة محمد  ل “درج” أنه لم يكن يؤدي الشعائر الدينية، لكن رغبته في أن يصبح  مقاتلاً جعلته يواظب على حضور دورات تأهيل إيديولوجي، تنظمها جماعة الحوثيين في مسجد الحي للمجندين الجدد، قبل إرسالهم إلى جبهات القتال . وتقول إنه جلب إلى المنزل نسخة ًمن القرآن، وكتيبات تحتوي على محاضرات مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي.
ترجح  قريبة لمحمد أن يكون  توقفه عن التعليم وهو في الصف السادس الابتدائي وشغفه بارتداء بزة عسكرية، وشخصيته المتمردة، راجع إلى فقده المبكر لوالده، ونشأته في كنف عمه(زوج والدته). لكن والدة محمد تقول إنها حرصت على تلبية مطالبه بما فيها تأمين نبتة القات، كما أشترت له دراجة نارية، لكنه ما لبث أن باعها واتجه مرة ًأخرى إلى الجبهة للقتال.

هرمونات الجهاد
” يكفي أن تشاهد قناة المسيرة لتندفع بحماسة الى جبهة القتال “، يقول الاخصائي النفسي محمود عبدالحميد في حديث ل”درج”. مشيراً إلى دور وسائل الإعلام في تحفيز نزعة القتال عند الكبار قبل الصغار.
تصف وسائل الإعلام التابعة  لمليشيا الحوثي والرئيس السابق علي عبدالله صالح، (قبل انفكاك التحالف معه)، مقاتلي الحكومة الشرعية ومعارضي الانقلاب، ب”المنافقين” و”المرتزقة”. وترى وسائل الإعلام نفسها في التحالف العربي، مجرّد أداة لأميركا وإسرائيل. في المقابل تنعت الجماعات المؤيدة للحكومة خصومها الحوثيين ب”المجوس” و”الروافض” أعداء الجمهورية.
ومع انشطار الإسلام إلى إيديولجيتين متناحرتين: سنية وشيعية، صارت القصص الدينية أداة  شحن لتحفيز الصغار والكبار على القتال، فيجري استخدام شعار “أشداء على الكفار” ،وهذه واحدة من مقاربات حملات تجنيد الصغار في الصراع اليمني اليمني.
يشبه الاخصائي النفسي ،عبد الحميد، الولد المراهق بسهم، والبيئة الاجتماعية بقوسٍ مشدود. يمكن للسهم أن ينطلق نحو أي جهة يريدها الرامي، “لوكان محمد في تعز أو عدن لقاتل ضد الحوثيين ” يقول عبد الحميد، موضحاً أن حب المغامرة، ورغبة تحقيق الذات عند المراهق، تحكمها الانفعالات أكثر منها تصورات عقلية متماسكة .
وفي صورة التقطت في ساحة التغيير في صنعاء عام ٢٠١١، يظهر محمد إلى جانب قريبة له، رافعاً شارة النصر أو الشهادة. تذكر  قريبة محمد، التي تعمل صحفية، أنه كان يردد  كلما غضب من  أهله : “الشعب يريد علي عبدالله صالح”. وهي عبارة  كان يسمعها في الحارات ذات الحضور الكبير لأنصار الرئيس السابق.
منذ  اندلاع  الحرب التي تشهدها البلاد على خلفية انقلاب مسلح نفذته في ٢١أيلول/سبتمبر ٢٠١٤ ميليشيا الحوثيي، أو حركة أنصارالله، ومعها القوات العسكرية الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح، ارتفع عدد الأطفال الجنود خمسة أضعاف عما كان عليه في ٢٠١٤ حسب تقارير للأمم المتحدة. واليوم وبعد انفضاض التحالف بين الحوثي وصالح وسيطرة مقاتلي صالح على صنعاء وإخراج مقاتلي الحوثي، ليس واضحاً بعد كيف ستتجه الأمور عسكرياً، وكيف ستنعكس على وتيرة تجنيد الأطفال.
في اليمن، يلعب  زعماء القبائل في الريف، وعقّال الحارات في المدن، دوراً رئيساً في تجنيد الأطفال. ففي المرة الأولى التي ذهب فيها محمد إلى جبهة القتال، اتهمت والدته عاقل الحارة (المختار) بدفع ابنها للقتال، وهددته بأنها ستحمله المسؤولية في حال حدث أي مكروه لابنها. تذكر الأم أن محمد أخبره أنه أثناء تخزين القات في بيت المختار، كان يساعده في تنظيف الأسلحة . وفي المرة الثانية تولى شخص آخر من سكان الحي مساعدة محمد على العودة إلى الجبهة .
في شباط/فبراير الماضي،  قدم ٤ مواطنين من أهالي حي السنينة، شكوى إلى النيابة يتهمون فيها قيادي حوثي في الحي بتجنيد أطفالهم وسوقهم إلى جبهة القتال دون علمهم. وتصف وسائل إعلام يمنية وسكان،  تجنيد الأطفال ب”الخطف”. لكن قصص الأطفال الجنود التي تابعها “درج”، تبيّن أن  الأطفال يذهبون طوعاً، غير أن مسؤولية دفعهم إلى التهلكة، تقع على قيادات أطراف الصراع، التي  تشجع الأطفال الراغبين في القتال وتسلّحهم.
وبحسب أدبيات الأمم المتحدة، يعدّ تضليل الأطفال لاستخدامهم في النزاعات، شكلاً من أشكال التجنيد القسري، و يرقى إلى جريمة حرب.
وفي التقارير الأممية والوطنية، تصدّر الحوثيون قائمةَ الجماعات اليمنية، الأكثر تجنيداً للأطفال. فمن إجمالي ٩١٧ حالة تجنيد وثقتها الأمم المتحدة خلال ٢٠١٥، جاءت مليشيا الحوثي في مقدّمة تلك الجهات، بنسبة تصل الى ٧٠٪، تليها الجماعة المسلحة المؤيدة للحكومة، ثم تنظيم القاعدة، فالحكومة اليمنية.
وما بين شهرين كانون الثاني/ يناير وحتى أيار/مايو ٢٠١٧، وثّق التحالف اليمني لرصد انتهاكات  حقوق الانسان، وهو منظمة غير حكومية، حصول ٤٢٤ حالة تجنيد من قبل مليشيا الحوثي وقوات صالح، و١٧ حالة تجنيد من قبل الحكومة الشرعية .
شهداء بلا جثامين
تُفسرُ مصادر عسكرية  صلاة الغائب التي تقيمها عادة جماعة الحوثي على قتلىً لها، بعدم القدرة على الوصول إلى جثامين القتلى، ما يؤكد اتهام منظمة العفو الدولية للحوثيين بتجنيد أطفال في الخطوط الأمامية. تقول أم فهد، إن عناصر من لجنة الشهداء التابعة  لجماعة الحوثي زارتها في المنزل، واستئذنتها في إقامة صلاة الغائب على محمد، ونشر صوره، لكن الأمّ رفضت حتى يُحضروا لها ما يؤكد مقتله.
ولئن بات الحوثيون الجماعة الأكثر تجنيداً للأطفال، على ما تظهر المقاطع المتلفزة لمقاتليهم، ودوريات الأمن، ونقاط التفتيش، وصور قتلاهم المنشورة في شوارع صنعاء، وما يسمى “روضات الشهداء”، إلا أن الحكومة اليمنية، تعدّ الطرف الأقدم في تجنيد الأطفال، حسب تصريحات مسؤولين دوليين.
تقرُّ الأمم المتحدة وجود صعوباتٍ كبيرة تواجه توثيق تجنيد الأطفال في اليمن، ومقارنةً بال ٩١٧ حالة التي وثقت في ٢٠١٥،  لم تتمكن  الأمم المتحدة خلال ٢٠١٦ من توثيق سوى ٥١٧ حالة في ٥محافظات يمنية من أصل  ٢٢ محافظة. فيما اقتصرت الحالات التي وثّقها التحالف اليمني على الأطفال الأسرى الذين وقعوا في قبضة الجماعات المتحالفة مع الحكومة الشرعية..
عام  ٢٠٠١٤، صادق اليمن على بروتوكول منع اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة، بيد أن تجنيد الأطفال لم يتوقف. في نفس العام، اعترفت الحكومة اليمنية بوجود مجندين أطفال ، وشرعت في تسريح عددٍ منهم، كما شكلت لجنة خاصة لمعالجة تجنيد الأطفال. وما زالت الحكومة والجماعات المسلحة مثل الحوثيين وأنصار الشريعة ضمن قائمة “العار” الأممية.[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ساندي الحايك – صحافية لبنانية
بعد أكثر من 6 ساعات في عرض البحر وحيدين، أدرك هؤلاء أنهم خُدعوا وأن هناك من غرّر بهم… لا شيء حولهم إلا سماء.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني