fbpx

القدس لم تعد قضية العرب المركزية

لم يأت قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، القاضي باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية إليها، بأي جديد فيما يخصّ الشعب الفلسطيني، داخل الأرض المحتلة وخارجها. أي أنه لن يغيّر من وضعه شيئاً، كشعب يكابد التشتّت المجتمعي، والحرمان من حقه في تقرير مصيره في وطن، وفي التطور المستقل، أسوة بغيره من الشعوب، منذ سبعة عقود، بسبب إسرائيل، وسياساتها الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية.

لم يأت قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، القاضي باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية إليها، بأي جديد فيما يخصّ الشعب الفلسطيني، داخل الأرض المحتلة وخارجها. أي أنه لن يغيّر من وضعه شيئاً، كشعب يكابد التشتّت المجتمعي، والحرمان من حقه في تقرير مصيره في وطن، وفي التطور المستقل، أسوة بغيره من الشعوب، منذ سبعة عقود، بسبب إسرائيل، وسياساتها الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية.
الجديد في الأمر يتمثل بمفاقمة شعور الفلسطينيين بالظلم التاريخي الواقع عليهم. وبالتنكر الأميركي لحقوقهم، وبضعف قدرة المجتمع الدولي على انصافهم، ولو في مستوى انفاذ قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، إضافة إلى عجز العالم العربي عن الانتصار لهم، أو حتى اسنادهم.
لن يتغير واقع الفلسطينيين إذاً، فهم لن يرحلوا من أرضهم، بعد هذا القرار، ولن يضعف ايمانهم بقضيتهم، وبحقوقهم المشروعة، باعتبار فلسطين أرضهم، ووطنهم. ولن يفتّ ذلك من عزيمتهم في مواجهة السياسات الإسرائيلية، بإمكانياتهم الخاصة، ووفقاً لقدرتهم على التحمل، على نحو ما فعلوا في الانتفاضات المتكررة، وآخرها هبّة القدس (قبل أشهر)، التي اضطرت إسرائيل بعدها للتراجع عن محاولاتها فرض إجراءات أمنية معينة في البلدة القديمة وفي محيط المسجد الأقصى.
من جانب آخر، فقد كشفت هذه الخطوة مجدداً مدى التهافت والزيف والمخاتلة في الادعاء المتعلق باعتبار قضية فلسطين القضية المركزية للأمة العربية. باعتباره جزءاً من عدة شغل الأنظمة الاستبدادية، وكجزء من منظومتها للهيمنة الثقافية، التي استثمرت عبرها تبرير مصادرتها الحقوق والحريات وتغطيتها الهيمنة على الموارد واحتكار السلطة.
أما على الصعيد الفلسطيني، فقد بدا الوضع دون مستوى التحدي، ودون مستوى المسؤولية، إذ لجأت الفصائل التي تتحكم بالمجال العام للفلسطينيين، إلى مجرد المزايدات والاستعراضات الكلامية، التي ثبت عقمها منذ عقود، والتي لا تفيد شيئاً. إن في حديثها عن أن الأمة (العربية أو الإسلامية) لن تسكت عنما جرى، من دون أن يعرف أحد على نحو ملموس ومتعّين من هي هذه الأمة حقاً؟ أو أين هي؟ أو ماذا تعمل؟ أو ماذا فعلت الأنظمة السائدة بها؟ أو في حديثها عن الخطوط الحمر. على نحو ما تحدث، مثلاً، رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس”، كأن القدس احتلت للتو، أو كأن فلسطين لم تغتصب منذ سبعين عاماً، أو كأن القدس التي بات لها تحت الاحتلال خمسة عقود قد احتلت بالأمس فقط، هذا مع علمنا بالواقع المأساوي لمليوني فلسطيني في غزّة لم تستطع “حماس” رفع الحصار عنهم، ولا حتى على مستوى معبر رفح مع مصر!
في الغضون لم تنس بعض القوى، وضمنها حركة “فتح” التي تقود المنظمة والسلطة، أن تحذر ترامب، من مغبّة القرار الذي اتخذه. وكأنه رئيس دولة في المتاهة الأفريقية، بل إن البعض تحدث عن مخاطر وعواقب وتداعيات ما قدر يحصل في المنطقة، في حال توقفت عملية التسوية، كأن هذه القوى لا تدري أن كل ما يحصل هو مفاقمة الكارثة في أحوال المنطقة، وفي أحوال الفلسطينيين، من دون أن تتأثر الولايات المتحدة. كما أن هذا التفكير الذي ينطوي على عنجهية مضرة يتناسى أن قضية فلسطين، بخاصة بعد كل ما حصل من خراب في المشرق العربي، لم تعد في الصدارة، وأن قضية السلام والحرب لم تعد في يد الفلسطينيين، لا قبل أوسلو ولا بعده.
كما فات هؤلاء أن القيادة الفلسطينية مسؤولة من كونها لم تهيئ شعبها، ولا بناها، لمثل هذا اليوم، وذلك نتيجة استغراقها في المراهنة على عملية التسوية ومسار المفاوضات، بحيث لم يبق لديها اية خيارات أخرى بديلة أو موازية، وبحيث انها كرست الإحباط عند شعبها نتيجة ترهل كياناته، وتقييد قدرته على المقاومة، حتى في مستوى المقاومة الشعبية.
وفي الواقع فقد كان أفضل ما يمكن للقيادة الفلسطينية ان تقوم به رداً على القرار الأميركي، بدلاً من الخطاب الهزيل، للرئيس الفلسطيني، محمود عباس، رئيس المنظمة والسلطة وحركة فتح، والذي لا يتناسب مع تضحيات الفلسطينيين وكفاحهم المديد، هو اعلان افلاس اتفاق أوسلو، والتحلل منه. بعد أن كانت إسرائيل تحللت منه منذ العام ٢٠٠٠ إثر انهيار مفاوضات كامب ديفيد. وكان حري بمحمود عباس الإقدام على انتقاد هذا الاتفاق الناقص والمجحف، الذي تتحمل القيادة مسؤولية التوقيع عليه، من دون البت بقضايا القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود. أيضاً، فقد كان بإمكان أبو مازن ان يصارح شعبه، بما حصل، وأن يعترف بحال العجز، لعل ذلك يكون مقدمة لاستنهاض همم الشعب الفلسطيني، في الدعوة إلى استراتيجية جديدة، وإلى خيارات سياسية جديدة، ومغايرة.
طبعاً، ربما يجدر التأكيد هنا أن المسألة لا تتعلق بالدعوة إلى حرب، أو إلى مواجهات مسلحة، فهذا ما تجيده إسرائيل، وما يمكن أن تجر الفلسطينيين اليه. وإنما هي تتعلق بمقاومة السياسات الإسرائيلية الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية، بالوسائل الشعبية الممكنة، من جهة، وبناء المجتمع الفلسطيني وتعزيز صموده في أرضه وإعادة بناء كياناته الوطنية على أسس جديدة وطنية وكفاحية وتمثيلية وديمقراطية، من جهة أخرى. باعتبار هذا ما يمكن فعله الآن، وفي الظروف السائدة محلياً وعربياً ودولياً، ولا شيء آخر سوى ذلك، لا مفاوضات سلمية عبثية، ولا مقاومات مسلحة لا تجدي شيئاً، بل تدفعنا أثمان باهظة في كل مرة.
وباختصار فقد آن الأوان لشعب فلسطين، الذي شبع المزايدات، وسئم من الادعاءات، أن يشق طريقه بيده، ويعزز صموده في أرضه، وفقا لإمكانياته الخاصة، وهذا ما حدث في تجربة الثورة الفلسطينية الأولى ١٩٣٦-١٩٣٩ وفي تجربة الانتفاضة الأولى ١٩٨٧-١٩٩٣.
القدس لن تذهب إلى أي مكان، والفلسطينيون باقون في أرضهم، قبل القرار الأميركي وبعده.

[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني