fbpx

هل ينجح قوميو الكروات في تكريس مجرم الحرب”برالياك” بطلاً!

ديسمبر 11, 2017
يمكن القول أن البلقنة المستمدة من البلقان، تعبّر في ذاتها عن الصراع المتواصل بين روايتين عقائديتين مختلفتين تماماً ، ولكل منها امتدادها التاريخي والثقافي والشعبوي و"العلمي" وحتى العسكري، إذ أنها كانت السبب في اندلاع سلسلة حروب على مدى قرن ونيف

يمكن القول أن البلقنة المستمدة من البلقان، تعبّر  في ذاتها عن الصراع المتواصل بين روايتين عقائديتين مختلفتين تماماً ، ولكل منها امتدادها التاريخي والثقافي والشعبوي و”العلمي” وحتى العسكري، إذ أنها كانت السبب في اندلاع سلسلة حروب على مدى قرن ونيف . صحيح أن الحروب قد انتهت منذ ١٩٩٩ ، وكان الأمل أن تؤدي أحكام محكمة جرائم الحرب في لاهاي إلى “المصالحة بين الشعوب” مع تجريم “أبطال الحرب” هنا وهناك ، إلا أن آخر حكمين أصدرتهما المحكمة ضد الجنرال الصربي راتكو ملاديتش بالسجن المؤبد، وضد الجنرال الكرواتي سلوبودان برالياك بالسجن عشرين سنة، فجرّا مشاعر قومية كانت كامنة تحت السطح، وأثارا الخشية من مآل هذه المشاعر التي تصب لصالح اليمين الشعبوي هنا وهناك .
في هذه الحالة، كانت دائما الرواية الثالثة تمثل الأمل بالنسبة للجيل الشاب في البلقان للخروج من الروايتين التقليديتين ، وهو الأمل الذي كان مرتبطا باندراج دول البلقان تدريجيا في الاتحاد الأوربي، بما يمثل من قيم مختلفة خارج هاتين الروايتين التقليديتين . ولكن انتحار مجرم الحرب الجنرال سلوبودان برالياك، أثار من جديد المساحة الباقية للرواية الثالثة مع تصعيد اليمين للمشاعر وتحوّل “مجرم الحرب” إلى “بطل قومي”.
 المشكلة هنا أن “الرواية الثالثة”، تعرضت لهزة في كرواتيا بالذات. وكرواتيا هي آخر دولة انضمت إلى الاتحاد الاوربي من جمهوريات يوغسلافيا السابقة ، حيث كان يجب أن تكون هناك مساحة أوسع للرواية الثالثة، بعد أن أصبحت كرواتيا جزءا من فضاء الاتحاد الأوربي، بكل ما يعنيه ذلك من استحقاقات بالنسبة لحرية الاعلام، وعدم المماهاة بين الدولة والرواية الرسمية المنحازة التي كانت السبب في جرّ الشعوب إلى الحروب . في حالة الجنرال برالياك، يُلاحظ عودة الروايتين التقليديتين على حساب الرواية الثالثة، التي بالكاد نجت من التصعيد المفاجىء للشارع هنا وهناك .
كانت الرواية الأولى تمثل قرار محكمة جرائم الحرب في لاهاي، التي اعتبرت الجنرال برالياك مجرما فيما ارتكبه خلال الحرب في البوسنة ضد المسلمين، وحكمت عليه بالسجن عشرين سنة . ولكن الجنرال برالياك، الذي كان مدركا لذلك، أراد أن يبقى بطلا في نظر مواطنيه لا مجرما، وأعدّ، كما كشفت محاميته، لذلك قبل صدور الحكم يوم الأربعاء ٢٩تشرين الأول/ نوفمبر المنصرم . كانت المحكمة تريد أن تختم وجودها، الذي قارب ٢٥ سنة، برسالة قوية مفادها أن تساهم هذه الأحكام الأخيرة ضد مجرمي الحرب من الكروات، وليس من الصرب فقط، بتعزيز “المصالحة بين الشعوب”. وفي هذا السياق ناشد المدعي العام في محكمة جرائم الحرب سيرجي براميرتز  الكروات، بأن يعترفوا بماضيهم وأن يفكروا بضحايا الجرائم التي أدين بسببها الجنرال برالياك . ولكن، مشهد الانتحار للجنرال أمام العالم فسح المجال لليمين الكرواتي، أن يستغل هذه “اللحظة التاريخية” ليصعّد المشاعر القومية في الشارع،  بتحويله مجرم الحرب إلى “ضحية” لمحكمة جرائم الحرب وإلى “بطل قومي”، دافع بشرف عن شعبه ومات ببطولة، متحدياً “ظلم” محكمة جرائم الحرب في لاهاي ، وحتى الذهاب إلى مسقط رأسه وإشعال الشموع وتعليق صوره الكبيرة في الشوارع الخ .
وإذا كان هذا متوقعا من اليمين المتحفز دائما لاستغلال أية مناسبة لإعادة الاعتبار إلى الرواية القومية الكرواتية، التي كانت تواجه دوما الرواية القومية للصرب، فإن ما فاجأ الصحافة في دول الاتحاد الأوربي، كان التبني الخجول لهذه الرواية على أعلى المستويات في كرواتيا، الدولة العضوة في الاتحاد الأوربي . ففي اليوم التالي صرّحت رئيسة الجمهورية، كوليندا غرابار كيتاروفيتش، تعليقا على عبارة الجنرال برالياك قبل أن يتجرع السم، “لست مجرم حرب”، بالقول، “لسنا مجرمين ، لقد دافعنا عن أنفسنا ضد العدوان الصربي” ، بينما صرّح رئيس الحكومة أندريه بلينكوفيتش أن الانتحار “ظلم أخلاقي عميق” (جريدة “داناس” 30/11/2017) .
      في هذا الظرف لم تخف “دير شبيغل” الألمانية دهشتها في 3/12/2017 من خلال مانشيت “كرواتيا تعبّر عن الحزن لأجل مجرم حرب” ، وهو ما أثار الانتقاد لرئيس الحكومة الكرواتية، لكونه أعلى مسؤول في دول الاتحاد الأوربي يعبّر عن موقف مشكك في قرار محكمة جرائم الحرب في لاهاي . كان الرئيس الكرواتي الأسبق (وآخر رئيس ليوغسلافيا الفدرالية) ستيبه مسيتش، الوحيد الذي تجرأ  وسط الحمى القومية في كرواتيا عن أن يعبّر عن الرواية الثالثة، “يجب احترام أحكام محكمة جرائم الحرب في لاهاي” !
في هذا السياق ، وتحت تأثير ما نُشر في الصحافة الأوربية، اضطر رئيس الحكومة الكرواتية بلينكوفيتش إلى التراجع تدريجيا نحو الرواية الثالثة، دون أن يقطع الصلة تماما مع الرواية الثانية الشعبوية. وهكذا فقد صرح أخيرا، “يجب احترام أحكام محكمة جرائم الحرب ، ولكنا لسنا راضين عن بعض أعمالها” (جريدة “داناس” 4/12/2017) .
      باختصار، كادت الرواية الثالثة في كرواتيا، أن تكون ضحية الانتحار الدراماتيكي للجنرال برالياك الذي أعدّ له جيدا، وهو ما كان يمثل خطرا على البلقان بالعودة إلى الصراع بين الروايتين التقليديتين .فحسب الأكاديمي البوسنوي المعروف، أسعد دوراكوفيت، “إن ارتقاء مجرمي الحرب إلى أبطال قوميين يوجّه رسالة دعم قوية للجريمة ضد الآخرين” في البلقان ، وبالتالي يشطب عمل حوالي ٢٥ سنة من عمل محكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة .
   
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مروة صعب – صحافية لبنانية
“اللي قتلو ابنتي مدعومين. أنا ماني تابع لأي حزب سياسي ولا عندي مال لتعيين محامٍ يساندني لانتزاع حق بنتي من اللي قتلوها”.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني