القدس الأخرى

- قرابة 350 ألف مقدسيّ ليس معروفاً ما سيكون مصيرهم: هل سيحملون جنسيّة ما أم سيتكرّس إلى الأبد وضعهم خارج الجنسيّة؟ الاستيطان اليهوديّ يزيد هذا السؤال إلحاحاً. يفاقم هذه الجريمة.

– قرابة 350 ألف مقدسيّ ليس معروفاً ما سيكون مصيرهم: هل سيحملون جنسيّة ما أم سيتكرّس إلى الأبد وضعهم خارج الجنسيّة؟ الاستيطان اليهوديّ يزيد هذا السؤال إلحاحاً. يفاقم هذه الجريمة.
– مدينة أخرى من مدن الشرق الملوّنة بكثرة الأديان والمذاهب قد يُفرض عليها اللون الواحد الذي فُرض على مدن أخرى كثيرة من قبل. “تهويد القدس” هو عنوان هذا التهديد.
هاتان مسألتان لم تحظيا بما تستحقّان من اهتمام. القلق المعلن انصبّ على أمر آخر. على برهنة أنّ أميركا وإسرائيل عدوّان لنا. على أنّ الانتفاضة تقيم على قاب قوسين. على أنّ المؤامرة تتحفّز من جديد للانقضاض. على أنّ شعوبنا مصارف دمويّة لا تكفّ عن التوسّع في الإقراض.
عدم الاكتراث بالفلسطينيّين البشر، وعدم الاكتراث بالمدن، جزءان عضويّان في سياستنا. وأيضاً في ثقافتنا السياسيّة. في اختيار مهرّج ليكون قائداً. في اختيار إرهابيّ ليكون بطلاً. في التعلّق بمقاومات لا تقيم حساباً للمجتمعات ولا لإرادات السكّان. في إنتاج “نخبة” القضيّة التي تشمل سياسيّين وبيروقراطيّين ومثقّفين. في تجريب المجرّب مرّة بعد مرّة.
هذان ليسا أمرين منفصلين. إنّهما أمر واحد. من لا يعبأ ببيروت أو بعمّان لا يُحمل اهتمامه بالقدس على محمل الجدّ. من يسكت عن أوضاع الفلسطينيّين البائسة في مخيّمات لبنان لا تُحترَم حماسته لفلسطينيّي القدس. من لا يكترث بتهديم مدن كحلب والموصل لا يُكترَث بنخوته حيال القدس.
الأصوات نفسها وبكلمات التفجّع ذاتها تعود إلينا. الخلطة المبتذلة إيّاها: نصف أوقية من “زهرة المدائن” و”الطفل في المغارة” على نصف أوقية من “فتحَها عمر وحرّرها صلاح الدين” على نصف أوقية من “يا قدس إنّا قادمون”. أمّا اللمسات الأخيرة فتُترك لفرسان مناهضة الإمبرياليّة وكاشفي سرّ العلاقة العضويّة بينها وبين الصهيونيّة.
أما آن لهذه الخفّة القاتلة أن تنتهي؟

منذ 1948 وُضعت “القضيّة” حيث ينبغي أن يوضع البشر والمدن. النتائج كانت كارثيّة: في ظلّ أنظمة “رجعيّة” كما في ظلّ أنظمة “تقدّميّة”. في ظلّ التحالف مع الاتّحاد السوفياتيّ كما في ظلّ التحالف مع دول الغرب.

 

في ظلّ الحاج أمين الحسيني وأحمد حلمي وأحمد الشقيري كما في ظلّ ياسر عرفات وجورج حبش ونايف حواتمة. في ظلّ جمال عبد الناصر في غزّة كما في ظلّ الملك حسين في الضفّة الغربيّة. بخطف طائرات “لمخاطبة الرأي العامّ العالميّ” ومن دونه. بقيادة فتح وبقيادة حماس. بتحالف مع إيران وبعداء لإيران. بتحالف مع صدّام والأسد وبمناهضة لهما. بتمويل خليجيّ ومن دون تمويل خليجيّ. بسلاح فلسطينيّ وبنزع سلاح. بالنضال انطلاقاً من عمّان أو من بيروت أو من تونس أو من رام الله أو من غزّة. بحزب الله وبلا حزب الله. قبل أوسلو ومعها، ومن دونها في حال إلغائها (دع جانباً المزحة السمجة من أنّ إيران وحزب الله سيحرّران القدس).
دائماً كان يحصل هذا، ودائماً كانت تنهزم “القضيّة” وننهزم معها. فإذا صحّ أنّ الإمبرياليّة ما إن تفرك عينيها صباحاً حتّى تباشر التفكير بأذيّة العرب، صحّ أنّها نجحت في ذلك. نجاحها ناجم عن أنّنا علِقنا بهذا الدفرسوار الأبديّ المسمّى “قضيّة”. لا يجوز أن نشتغل إلاّ بهذه القضيّة، وفي الوقت نفسه لا نستطيع أن نشتغل بها لأنّ توازنات القوى الجائرة خلقت الحقيقة التالية: الإسرائيليّون وحدهم يستطيعون الاشتغال بها، وبنا، وبانشغالنا بها.
للمحلّلين أن يدلّونا على الأسباب “الموضوعيّة” و”الذاتيّة” وراء فشل “القضيّة” كيفما أدارت وجهها، وعلى أيّ وجه أدرناها. لكنّ الفشل حاسم. فاقع. قاتل. إنّه كان ينتظر رجلاً تافهاً كدونالد ترامب لإعلانه. إنّه هو ما ينتج أبو مازن وعشرين أبي مازن، وليس أبو مازن من ينتجه.
فعلاً آن الأوان أن يوضع البشر ومدنهم وعمرانهم حيث توضع القضيّة. البشر أحياء والمدن لا يزال شيء منها قائماً. القضيّة ماتت. ماتت مرّة بعد مرّة بعد مرّة. كلّ ما بقي حيّاً منها هو الكلام الساخن الذي تقتصر مساهمته على قتل بشر القضيّة. على تهديم مدن القضيّة.
والقضايا تموت. هذا منطق الحياة. حتّى عند القبائل التي تمتهن الثأر وتستقي معناها منه. هناك زمن تنتهي الصلاحيّة فيه.
هناك معركة خسرناها. آن الأوان كي نقول ذلك، ونضيف: أنّ الدروب جميعاً موصدة. الشيء الوحيد الممكن هو الدفاع الإنسانيّ عن الفلسطينيّين والدفاع الثقافيّ عن المدن. فلنجرّب هنا.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

عباس بيضون – كاتب وشاعر لبناني
في تأبين محسن ابراهيم يسعنا ان نؤبن مرحلة كاملة. بهذا المعنى كان محسن شخصية تاريخية، بل كان قادرا على ان يكون كذلك، لا في لحظات نشاطه الصارخ فحسب، بل ايضاً في صمته الأخير وانقلاب الأمور عليه.
باسكال صوما – صحافية لبنانية
جريمة مقتل فلويد وما تبعها من تظاهرات في مدن أميركية عدة ومحاولات قمعها، أسلحة ستستثمرها إيران وسواها من الآن وصاعداً، فكلّما قال لها أحدهم: “بأي حق قتلتِ فلان أو فلانة؟”، سترد: “بالحق الذي قتل به جورج فلويد”.
محمد أبو رمان – باحث وكاتب ووزير أردني سابق
لا تختلف حالة الأردنيين عما تعيشه معظم دول العالم، إذ وقع عليهم فايروس “كورونا” كالصاعقة، ووجدوا أنفسهم للمرة الأولى منذ عقود طويلة أمام قوانين وأنظمة وسلوك غير تقليدي أو معتاد…
إيلي عبدو – صحافي سوري
في تحوّل استذكار الكاتب اللبناني الراحل سمير قصير، رثاء وحسرة ومديحاً، تقليداً لدى عدد كبير من السوريين، انفصال حاد مع أحوال سابقة، معطوف على بلوغ أحوال جديدة غير مدركة بما يترتب على الإدراك، من أفكار وقناعات وتصورات.
باز علي بكاري – صحافي وكاتب كردي سوري
ليست الولايات المتحدة الاستثناء في المعاناة من مرض العنصرية. ولعله فعل مصادفة أو وحدة حال بين الفاشيين في العالم، أن يصلنا خبر قيام مجموعة من الشبان الأتراك بقتل شاب كردي لأنه كان يستمع لأغنية كردية.
مالك ونوس – كاتب ومترجم سوري
ليست الممارسات التي ينتهجها النظام المصري، سوى علامات على تحوُّلِ سلطته إلى قوة عدوان حلَّت محل “الدولة الوطنية”، التي حلم أبناء الدول العربية ببنائها بعد استقلالهم عن الدولة العثمانية، ومن بعدها عن الاستعمار الغربي.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني