fbpx

بين “الهلال الشيعي” و”البدر السني” حرب على المياه في جنوب العراق

يجرى في المنطقة اليوم تغييب لنزاعات محلية خطيرة عن المشهد السياسي، خلف عنوان له سوق رائجة اليوم، الصراع السني الشيعي.

يجرى في المنطقة اليوم تغييب لنزاعات محلية خطيرة عن المشهد السياسي، خلف عنوان له سوق رائجة اليوم، الصراع السني الشيعي.
في محافظات جنوب العراق (الشيعية)، تكاد الأخبار المحلية تقتصر على النزاعات الداخلية  البينية بين العشائر، فيما يتم تعريف هذه المناطق من الخارج خلاف ذلك. إذ أن تفسير عناصر الاضطراب في هذه المنطقة لا تخدم تسعير “الصراع السني الشيعي”.
في منتصف شهر نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠١٧، نظم وجهاء عشائر، بني حجيم والظوالم، وقفةً احتجاجية في محافظة المثنى، وعاصمتها السماوة، مهددين علناً بالهجوم على الديوانية، لتحصيل حصصهم المائية. والمثنى محافظة محسوبة محلياً على “الفرات الأدنى”، مقابل “الفرات الأوسط”. وهاتان المنطقتان الزراعيتان تعيش منذ مئات الأعوام اضطرابات دامية متقطعة وعنيفة، بسبب مصادر المياه. وتتهم عشائر الجنوب جيرانها في الفرات الأوسط، بالسطو على حصصهم المائية، عبر سدود محلية وآبار، تلتهم مخصصات المثنى.
لكن الديوانية “الجانية” بالنسبة للمثنى، هي أيضاً مجني عليها من المحافظات التي تسبقها، في جريان مياه الفرات. إقليمياً، تفاقمت تجاوزات كل من تركيا وإيران ،على حصص العراق المائية من الفرات ودجلة، وتتحمل كلاهما جزءاً هاماً من هذه الأزمة، التي تعصف بحياة ملايين السكان في جنوب العراق.
ويتعرض العراق لموجة جفاف خطيرة منذ عام ٢٠٠٨، بلغت مستوى خطيراً، وتكاد منطقة الأهوار تندثر نتيجة ذلك. والأهوار، التي أدرجت على لائحة التراث العالمي للأمم المتحدة، عينة من الصداع المائي الذي ابتلي به العراق منذ القدم، بسبب تخلف التنظيم الإداري في توزيع المياه.
والواقع، فإن المشكلة المائية، تهدد بتفكيك “التماسك الشيعي” في العراق. وتكفي مراجعةٌ بسيطة لضحايا القتل المسلح خلال السنوات العشرة الأخيرة، لاستنتاج أن شيعة جنوب العراق غارقون في نزاع محلي، قد يتفاقم ويتحول إلى حرب أهلية، والتي وصلت إلى مرحلة شبه متحققة في البصرة، حيث أدت الكارثة الزراعية والمائية فيها، إلى ظهور اقتصاد عشائري جديد، قائم على التهريب عبر الحدود، سواء بضائع عادية أو مخدرات، وأفرز ذلك ظهور شيوخ جدد للعشائر، من الثراء المالي، ما زجّ بالعشيرة الواحدة، في أكثر من جبهة بوقت واحد. فمع انهيار الدائرة الطبيعية للعشيرة، وتحولها إلى إقطاعات مالية تعتاش على التهريب، تجري صدامات على نطاق أوسع، بين عشائر متنافسة على النفوذ.
في بداية سيطرة تنظيم داعش على الأنبار صيف ٢٠١٥، قام التنظيم بالتلاعب بتدفق مياه الفرات من الرمادي، فأدى قطع المياه ثم إعادة فتح السد إلى خسائر فادحة للمزارعين في أربع محافظات عراقية، هي بابل والقادسية والنجف وذي قار. وهو الأمر الذي استنتج من خلاله العراقيون في هذه المناطق، بصواب مشروع “الحشد الشعبي” للقضاء على داعش.
جنة عدن
فور سقوط نظام صدام حسين، ظهر مشروع تنموي للأمم المتحدة تحت عنوان “استعادة جنة عدن” لتنمية جنوب العراق. سرعان ما اختفى ذكر المشروع بعد التحديات الأمنية الكبيرة في العراق، واختفت معها المشاريع الوردية.
هذه المنطقة تعد “جغرافيا ثورية متمردة”، متصلة تاريخياً منذ أحداث ثورة “الزط” ثم استيراد الخليفة العباسي المأمون جنوداً مصريين متمرسين في حروب الأنهار، وزج بهم في جبهة الأهوار. يمكن العودة إلى “رحلات ديونيسيوس التلمحري” (تحقيق: تيسير خلف) للتعرف على الصداع الذي شكلته هذه المنطقة للخلفاء العباسيين.
في العصور الحديثة تحولت الأهوار إلى منطقة استشراق جغرافية، خصوصاً بعد اتجاه لاهوتي غربي، رسخ فرضية أن الأهوار هي موقع جنة عدن الواردة بحسب التوراة.
في الحقبة العثمانية، وتحديدا القرن التاسع عشر، سقط ولاة وقادة عسكريون بسبب الهزائم التي تعرضوا لها ضد العشائر التي كانت تتحصن في الأهوار حين يضيق عليها الخناق، رغم أن العشائر الأصلية في تلك المنطقة يطلق عليهم المعدان، وهم مربو البقر والجواميس، تنظر إليهم العشائر المحيطة نظرة دونية، مثل المنتفق والخزاعل، وكانت عشائر فتلة تقيم على أطراف الأهوار قبل منح العثمانيين أراضي المنتفق في الفرات الأوسط لهم.
في عام ١٧٩٣، شهد العراق حدثاً تقنياً صغيراً بدافع إيماني. فقد موّل الوزير الهندي يحيى خان الملقب بـ (آصف الدولة)، بناء قناة مائية لجر المياه إلى النجف، حيث كان الوزير في زيارة ضمن مراسم عاشوراء. أطلق على هذه القناة “سدّة الهندية” نسبة إلى موطن الوزير، الذي أراد من عمله هذا أن تكون “صدقة جارية”. بعد أقل من قرن، كان مجرى نهر الفرات قد تغيّر كلياً مخلفاً بالتدريج منذ “الصدقة الجارية”. أعظم اضطرابات في جنوب العراق أدت في النتيجة، إلى استكمال تشييع عشائر جنوب بغداد وحتى البصرة، وهي خلاصة ملفتة ناقشها اسحق نقاش بإسهاب في كتابه “شيعة العراق”.
أدى تفجر النزاعات العشائرية مع انحسار سلطة العثمانيين إلى فتح الباب أمام الدعاة الشيعة، لوضع هذه العشائر تحت سيطرة المذهب الشيعي. إلا أن هذا الانسجام الطائفي، لم ينعكس إيجابياً على الوضع الأمني، فقد تغيرت خريطة النفوذ العشائري، بسبب تغير مجرى الفرات. فسابقاً، كان النهر يمر من الحلة نزولاً إلى الديوانية والسماوة ثم البصرة. ونتيجة إقامة قناة الهندية دون حسابات طبوغرافية، فإن القناة الصغيرة، التي تم شقها لإرواء حجاج النجف، اتسعت وأصبحت هي نهر الفرات، فيما جفّ مجرى النهر الرئيسي، فظهرت عشائر جديدة قوية نتيجة استفادتها من موقعها الجديد، ومنها عشائر فتلة وعشائر الحويزة، التي انتقلت من عربستان إلى الهندية. وبعد حرب طاحنة بين عشائر فتلة وبني حسن من جهة، وعشائر الحويزة (الوافدين)، آلت السيادة إلى الطرف الأول في مجرى النهر الجديد. أما المجرى القديم، فقد أدت الحرب إلى تراجع نفوذ أكبر تحالفين عشائريين في الجنوب، هما المنتفق والخزاعل.
حاول والي بغداد الذي يعرف بـ”المصلح”، مدحت باشا، إصلاح هذا الخلل لإعادة المياه إلى المجرى الأصلي، فقام ببناء سد استخدم فيها أكثر من مليون قطعة طابوق، من جدران بابل الأثرية  وخلطها العمال بالتبن والقصب، ومن هذا المزيج ارتفعت أعمدة سدة الهندية سنة ١٨٧٠. وبعد عشرين عاماً انهار السد مجدداً إلى أن قام مهندس بريطاني ببنائه مجدداً عام ١٩١٤.
ولعبت السياسة المائية دوراً في “ثورة العشرين” ضد الاحتلال البريطاني. فقادة الثورة ورموزها، مثل شيخ عشائر فتلة،عبدالواحد سكر، الذي صادر الاحتلال أراضيه ووزعها على أفراد من عشيرته. كذلك حدثت قبيل ثورة العشرين تجاوزات مجحفة، استفاد منها الموالون للاحتلال البريطاني، الذي عدل مجرى نهر الفرات، وقام بتغذية المجرى القديم للفرات (شط الحلة)، وكسب ولاء العديد من شيوخها وإقطاعييها . وفيما تركزت المظالم البريطانية في الفرات الأوسط، من ناحية توزيع الحصص المائية، وتوزيع الأراضي ومصادرتها، فإن ولاية البصرة في ذلك الحين، بالكاد وصلتها أجواء الثورة ضد البريطانيين، وكذلك الأمر بالنسبة للعشائر المقيمة على ضفتي دجلة جنوباً. وعبثت السلطات البريطانية بشبكات الري، وأقامت سدوداً في منطقتي العمارة وسوق الشيوخ، تهدف إلى رفع مستوى مياه نهر دجلة لتسهيل مرور سفنها العسكرية، فأثرت بدورها على تنظيم توزيع المياه على الأراضي الزراعية، التي انخفض إنتاجها الزراعي هناك.
“العمارة” خزان الثورات
وشهد شطّ دجلة تحولات كبيرة نتيجة توزيع المياه، انعكست على الحياة السياسية. ففي عام ١٨٦١ أسس والي بغداد منطقة سكنية لفرع من عشيرة البومحمد، كانت في نزاع مع شيخ العشيرة الكبير. ومن هذه المنطقة السكنية، نشأت مدينة جديدة هي العمارة. في سنوات الاحتلال البريطاني، تعرض سكان المدينة إلى إفقار ممنهج، نتيجة استخدام الإقطاعيين في أعالي النهر (بغداد والكوت)، المضخات المائية، فتأثرت حصص الفلاحين والاقطاعيين في العمارة، واستطاع “لوبي المضخات” في بغداد حينها، توجيه الحكومة لإهمال زراعة الرز، التي كانت بساتين العمارة أهم مصادرها. أدى هذا الإفقار، إلى موجة نزوح كبرى من العمارة إلى بغداد، وأطلق على النازحين لقب “الشروقيين”، وهم سكان الصفيح والعشوائيات. هؤلاء الفقراء، كانوا في مقدمة المؤيدين لانقلاب عبدالكريم قاسم ضد الحكم الملكي عام ١٩٥٨، وأيضاً طليعة المقاومين للانقلابيين ضد قاسم. وبعد الاحتلال الأميركي للعراق، وإسقاط صدام حسين عام ٢٠٠٣، انضمت أحياء “الشروقيين” في بغداد إلى صفوف “جيش المهدي” بزعامة مقتدى الصدر.
زار صدام حسين مرة واحدة الأهوار، قبل الحرب العراقية الإيرانية. ومن انطباعاته خلال هذه الزيارة، كتب عدة مقالات عام ١٩٩١، حين اشترك عرب الأهوار بقوة في الانتفاضة ضد حكمه، خلال انسحاب الجنود من الكويت. صدام لم يكتب باسمه، لكن يبدو أنه كلف المخابرات، بأن يقولوا للناس هذه مقالات صدام حسين. كتب فيها: “هؤلاء الغرباء لا ينتمون للحضارة الإنسانية، وقد جلبهم القائد العربي محمد بن القاسم الثقفي، مع الجواميس التي غنمها في الهند”. ثم بدأت السلطة بعملية جديدة لتجفيف الأهوار وطرد سكانها.
في جنة عدن هذه، تستوطن أكثر البراغيث حجماً في العالم، بحجم عصفور صغير، حيث كان الجندي العراقي حين يعود من جبهة الحرب مع إيران إلى الأهوار للاستراحة، كان كثير منهم يشعر بالندم لعدم بقائه في الجبهة.
وبينما تموج المنطقة بعناوين “الحرب الشيعية السنية”، ومشاريع “الهلال الشيعي”، و”البدر السني”، تعيش محافظات العراق الجنوبية، أزمة اقتصادية قد تجد قريباً طريقها إلى السياسة، على شكل اضطراب يرجّح أن يكون شيعياً داخلياً هذه المرة. والمشهد السياسي جاهز لاستيعاب هذا الصراع، طالما أن الانقسام يزداد حدّة بين القوى الشيعية.
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
حزب الله سيواصل ادعاءه بأنه بريء من هذه السلطة، وهذا لن يفيد، ذاك أنه أقدم على نحو سافر ومن دون أي قناع على قتل المبادرة الفرنسية أمام أنظار كل اللبنانيين.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني