fbpx

هل يبيع الاشتراكيون عمارة “سولفيرينو” الباريسية التي كتب تاريخهم فيها..

ديسمبر 13, 2017
لم تتوقّف التكهّنات حول مصير الحزب الإشتراكي الفرنسي منذ تلقي مرشحه بونوا هامون أقسى خسارة انتخابية في تاريخ الحزب الطويل، إذا ما اعتبرناه امتداداً للأممية العالمية منذ ليون بلوم وجان جوريس، أو القصير، اذا ما اختزلناه ببداية عهد فرنسا الإشتراكية في الجمهورية الخامسة مع نجاح فرانسوا ميتيران في وصوله إلى قصر الإليزيه انتخابات عام ١٩٨١.

لم تتوقّف التكهّنات حول مصير الحزب الإشتراكي الفرنسي منذ تلقي مرشحه بونوا هامون أقسى خسارة انتخابية في تاريخ الحزب الطويل، إذا ما اعتبرناه امتداداً للأممية العالمية منذ ليون بلوم وجان جوريس، أو القصير، اذا ما اختزلناه ببداية عهد فرنسا الإشتراكية في الجمهورية الخامسة مع نجاح فرانسوا ميتيران في وصوله إلى قصر الإليزيه انتخابات عام ١٩٨١.
لكنّ تلك التكهنات بدأت تأخذ منحى اليقين منذ أيلول/سبتمبر الماضي مع تصويت المكتب الوطني للحزب بالإجماع على قرار بيع العمارة التاريخية في ١٠ شارع سولفيرينو، مركز الحزب  منذ أكثر من أربعة عقود. المركز الذي لطالما تعرّض لإنتقادات لاذعة (على يسار الحزب بشكل خاص) بسبب موقعه في منطقة “برجوازية” في الدائرة السابعة في باريس، بالقرب من مبنى الجمعية الوطنية ومراكز السلطة الأساسية في العاصمة الفرنسية، أصبح معروضا للبيع وبانتظار الشروط القانونية، فإنّه من المقدّر أن تبلغ قيمته بين ٥٠ و٧٠ مليون يورو.
لمحة تاريخية: من الجمهورية الثالثة إلى فيشي حتى ميتيران.
في قلب الدائرة السابعة، بين نهر “السين” وبولفار “سان-جيرمان”، تقع عمارة سولفيرينو، الإسم الذي يعود إلى المعركة التي خاضها نابوليون الثالث، في تحالفه مع الجيش السرديني ضد جيوش الإمبراطورية النمساوية، لإسترداد لومبارديا. وعلى شكل حرف M يمتدّ القصر/ الفندق على مساحة ٣٥٠٠ متر مربّع ويحتوي على عشرات الصالات والغرف، تبقى أبرزها جغرافياً، تلك الواقعة في وسط الطابق الأوّل، وتحمل اسم صديق ميتيران المقرّب جورج دايان، الذي عاصره في السجن وفي السياسة والحياة الإجتماعية، وسياسيا قاعة ماري-تيريز ايكيم، صديقة ميتيران أيضا، التي تعتبر قلب سولفيرينو الذي يضج بالنقاشات والمناظرات، وفيها يجتمع الأمين العام والمجلس السياسي والمكتب الوطني، وفي رحابها كُتب تاريخ الحزب الإشتراكي.
من قاعة الإستقبال صعودا إلى قاعة دايان وصولا إلى قاعة ايكيم، لا بدّ من المرور في “درج الشرف” (Escalier d’honneur) الذي سجّل حادثة تاريخية في ٢٩ حزيران/ يونيو سنة ١٩٤٤ عندما أقدم شارل غونار (المعروف باسم Morlot) ، عضو في هيئة العمل العسكري التابعة للمقاومة الفرنسية، على اغتيال وزير الدعاية في حكومة فيشي فيليب هنريو، ما استدعى ردات فعل انتقامية من الميليشات العميلة، التي تخضع لأوامر فيشي، فوقعت إعدامات عديدة في ريف ليون بحق مقاومين يهود وعمدت المليشيا (la Milice)، إلى تتبّع جورج مانديل، رجل سياسة وصحافي فذ ومقاوم فرنسي، حتى غابة فونتانبلو ليطلق أحد العملاء ١٦ رصاصة في ظهره.
يروي أندريه بريسو في كتابه “السنة الأخيرة من حكم فيشي ١٩٤٣-١٩٤٤” الصادر سنة ١٩٦٥ كيف خطّطت المقاومة الفرنسية، لإغتيال هنريو في سولفيرينو، المبنى الذي اتخذه الجنرال بيتان مقرا لوزارة الدعاية والإعلام، ويتحدث بريسو عن رغبة فرانسوا ميتيران في أن يصبح درج الشرف المكان الأول أثناء زيارة القصر.
بعد هبة باريس ضد الإحتلال النازي في ١٨ آب/أغسطس ١٩٤٤، عمل أعضاء النقابات العمالية (CGT) التي كانت مقربة آنذاك من الإشتراكيين والفرع الفرنسي للأممية العالمية SFIO، أكثر من الشيوعيين على استعادة مبنى سولفيرينو من الفيشيين ،وأصبح مقر اجتماع عمال النقابات منذ تاريخ التحرير حتى سنة ١٩٨٠ عندما قرّر الإشتراكيون شراءه لقاء ١٧ مليون فرنك فرنسي، وسرعان ما أصبح مركز الحزب بعد فوز ميتيران في انتخابات ٨١ الرئاسية.
والباحث في تاريخ ملّاك القصر، يمكنه العودة إلى الجمهورية الثالثة، حيث كان سولفيرينو قصرا لحفيدة رائد صناعة السكر قي فرنسا لويس ساي. تزوجت الحفيدة ماري-شارلوت كونستانس ساي من أمير بروغولي فيكتور (دو بروغولي) سنة ١٨٧٥ واشترت قصر شومون-سور-لوار في الفال دو لوار، إضافة إلى وراثتها عمارة سولفيرينو عن جدها لويس. ويحسب للأميرة الشابة لمستها في هيكلة أساس القصر، وإعادة تزيينه وترميم بعض غرفه بإشراف المهندس ارنست سانسون.
ما لا يعرفه كثيرون أنّ عائلة ساي البرجوازية تركت العمارة الباريسية طوعاً، ورضخت لمزاج وعدم رضى الفيلة “بوندجي” (Miss Pundji) التي قدّمتها إحدى العائلات الهندية الثرية كهدية للأميرة، بعد أن ذاع صيت ولعها هي وزوجها بالفيلة والهند، فانتقلت العائلة الأميرية سنة ١٩٣٠ إلى قصر شومون-سور-لوار، وباعت المبنى الكائن في سولفيرينو للنقابات العمالية التي سرعان ما تعرضت للحلّ إثر قرار الجنرال بيتان وتحوّل سولفيرينو إلى رمز للإعلام والدعاية الفيشية.
سولفيرينو ميتيران والحلم الإشتراكي
صيف ١٩٧٧، وفي خضم التحضير للإنتخابات البلدية التي كان يعرف فرانسوا ميتيران جيّدا أنّها ستكون مدخلا للقبض على رئاسيات ١٩٨١، اقترح صقور الفريق  الذي يعمل مع “الرئيس القادم لفرنسا” كجاك أتالي، أندريه روسيليه وبيار كوت شراء مكاتب للحزب للتحضير للحملة الرئاسية، ومن بين المقترحات وقع خيار ميتيران على ١٠ شارع سولفيرينو، ولا يخفى على أحد أنّ ميتيران كان يرغب في زراعة شريان لليسار في قلب معاقل اليمين الديغولي، وهو يعرف جيدا أنّ الشارع الحيوي، شكّل لسنوات محط أنظار الفرنسيين، بسبب انتقال مكتب ديغول إلى ٥ شارع سولفيرينو منتصف الستينات، ليكون قريبا من جهاز الخدمة المدنية (ميليشا تابعة للديغوليين) الذي حلّه ميتيران نفسه سنة ١٩٨٢.
في ١٠ أيار/مايو ١٩٨١،أصبح فرانسوا ميتيران أول رئيس اشتراكي للجمهورية الفرنسية الخامسة. على متن سيارته الرونو ٣٠ البنية، عائدا من شاتو-شينون، دون علم إلا قلة من أصدقائه، توجّه الرئيس في ظلّ طقس ماطر وعاصف إلى تلك العمارة، في ذلك الشارع حيث اصطفت بضع سيارات للشرطة، وحسب ما يروي جان-مارتان كوهين سولال الذي كان مستشارا للصحة عند ميتيران، فإنّ الأخير نظر إلى عشرات المقربين منه وقال “أشياء كثيرة ستتغير في هذا المبنى”. ١٤ سنة بعد ذلك اليوم، وقف الرئيس المريض الذي “يؤمن بقوى الروح” محاطا بمستشاريه وأصدقائه الأوفياء وقال “أنا مخلص لكل ما أنجزناه. سأبقى معكم”. خرج ميتيران بسيارة التوينغو التي أهداه إياها هنري ايمانويلي لتنهمر دموع الفِيلة من روكار، فابيوس، جوسبان، ايمانويلي، إلى هولاند وأوبري،فالس، ميلانشون، موسكوفيسي..
في سنوات الثمانينات استطاع ميتيران أن يجعل من سولفيرينو خلية نحل تعمل ليل نهار، وأصبح المبنى الكبير ملتقى الإشتراكيين الذين حملوا فكرة ومشروعا قالوا أنه “أكثر إنسانية وفيه ما يحقق العدالة الإجتماعية” . لكنّ سولفيرينو الرمز تعرّض لسقطة كبيرة في خيال جمهور اليسار في فرنسا بعد الهزيمة النكراء التي تعرّض لها الحزب في انتخابات ٩٣ النيابية. عندها طرح السؤال للمرة الأولى عن نية فعلية لبيع المركز وكان التيار اليساري داخل الحزب، ورائده هنري ايمانويلي، يسوّق لفكرة قائمة على الإنتقال إلى مركز أصغر وفي شارع أقل بذخا من سولفيرينو.
سرعان ما سقط طرح صقور اليسار في الحزب بعد أنّ عمل ليونيل جوسبان على توحيد الأذرع المتناهشة وذهب ب “اليسار المتعدد” إلى اكتساح الانتخابات، وحصل على ثلاثة أضعاف عدد مقاعد اليمين، وأصبح جوسبان، أكثر من أي وقت مضى، المرشح الأقوى للوصول إلى الإليزيه، في الانتخابات المقبلة، خصوصا مع تسريب فضائح مالية عديدة متعلّقة بوظائف وهمية، في الفترة التي كان جاك شيراك يشغل فيها عمدة باريس، إضافة إلى دعواتٍ علنية لاستنطاق شيراك (تبناه نواب من اليسار في مقدمتهم أرنو مونتبورغ)، رفضها المجلس الدستوري الذي منح شيراك حصانة رئاسية.
في أروقة سولفيرينو عاش الحزب الإشتراكي أجمل أيامه مع فوز ميتيران مرتين بالإنتخابات الرئاسية ومع عودة اليسار إلى الإليزيه بنجاح فرانسوا هولاند سنة ٢٠١٢، لكنّه شهد أيضا أقسى خيباته بالخسارة الإنتخابية التاريخية في انتخابات ٩٣ التشريعية حيث لم يبلغ عدد نواب النواب الإشتراكيين ال ٦٠ نائبا، وبالهزيمة النكراء التي مني بها سكرتيره الأول ليونيل جوسبان في الدور الأول سنة ٢٠٠٢ ومرور مرشح اليمين المتطرف جان-ماري لوبان للمرة الأولى إلى الدور الثاني.
متحف، غرفة جنازات وصفحة تطوى
في الطابق الأول، أعلى درج الشرف، حيث مكتب السكرتير الأول (الأمين العام) بقي الكرسي شاغرا منذ استقالة جان-كريستوق كامباديليس، بضعة كتب متروكة على المكتب، طاولة بيضاوية من البليكسيغلاس، أريكة حمراء، وبعض اللوحات غير الشخصية على جدران الغرفة. على يسار المكتب تتوالى صور الأشباح : جوسبان على بوستر خلفيته حمراء مذيّل بشعار “أن ترأس فرنسا مع عدالة أكثر”، وقربه صورة ميتيران الشهيرة، مع شجرة البلوط والصليب على رأس كنيسة في البعد الثالث من الصورة مع جملة “القوة الهادئة”. بيار موروا، لوران فابيوس، فرانسوا هولاند يحضرون أيضا بشعاراتهم.
في قاعة “جان بوبيران”، أسفل درج الشرف على اليسار، حيث دأب سكرتير الحزب على عقد المؤتمرات الصحفية، علّقت صور جميع الذين تعاقبوا على رئاسة الحزب من ليون بلوم حتى اليوم. صورتان فقط تغيبان: كامباديليس لأنه طرق باب الخروج مؤخرا فلم يتسنّ الوقت لحضوره على الحائط، وبول فور الذي تم طرده من الحزب بسبب توجهه القومي ولقائه نظام فيشي في منتصف الطريق. على يمين تلك القاعة يبرز اسم بيار بيروجوفوا، رئيس الحكومة الإشتراكي الذي انتحر في مايو ١٩٩٣ بعد الهزيمة الانتخابية للحزب، هنا يضع السكرتير الأول حزمة من الأزهار في الأول من أيار من كل عام تخليدا لذكراه.
ولدى السؤال عن بيار موروا، يأتي الجواب “لم يعد هنالك قاعات لا تحمل أسماء شخصيات رحلت !”.
هنا حيث وقف روكار ضد ميتيران، وفابيوس ضد روكار وجوسبان ضد فابيوس وأوبري ضد هولاند ورويال..ضد الجميع، هنا حيث الوصلات الشعرية والغنائية لجاك لانغ، التحليلات المعقّدة لجوسبان، الحكمة التي تحلّى بها جاك ديلور، النكات التي أطلقها فرانسوا هولاند فضحك الجميع، الشغف الذي حمله شباب فالس وميلانشون، راديكالية هنري ايمانويلي، غضب مارتين أوبري، حساسية سيغولين روايال، طموح بونوا هامون، فضيحة تيري-مارشال بك الجنسية، سقوط دومينيك-ستراوس كان وقصص أخرى عن حزب كتبت سيرته في أروقة تلك العمارة، وبقي أشخاصه سجناء ذلك المبنى “سولفيرينو”، وسجناء صورة فرانسوا ميتيران التي تحتلّ بهو باحة الإستقبال.
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
حزب الله سيواصل ادعاءه بأنه بريء من هذه السلطة، وهذا لن يفيد، ذاك أنه أقدم على نحو سافر ومن دون أي قناع على قتل المبادرة الفرنسية أمام أنظار كل اللبنانيين.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني