بعد “النصر”… بوتين يدخل حقل الألغام السوريّ

تبدو روسيا ظاهريّاً وكأنها تحتكر إدارة العمليّة الدبلوماسيّة، لكنّه احتكارٌ بحاجة إلى الحفاظِ عليه وإلى مرونةٍ تجاه اللاعبين الآخرين حتى يتحقّق. في الوقت الراهن يبدو أنّ ملايين النازحين واللاجئين السوريّين سيتوجّب عليهم الانتظار، تماماً مثل خطط إعادة إعمار سوريا.

يستطيع الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين بالفعل أن ينسب لنفسه إنجازاً عسكريّاً مهمّاً بعد نقل السيطرة على معظم الأراضي السوريّة إلى نظام الرئيس السوريّ بشّار الأسد؛ ولكن يبدو أنّ حقل الألغام الدبلوماسيّ هذا يمثّل تحدّياتٍ جديدة وغير متوقّعة لديه، بإمكانها أن تؤدّي إلى تآكُل الإنجازات العسكريّة.

تبدو الخطّة الدبلوماسيّة التي رسمتها روسيا، للوهلة الأولى، منهجيّة ومنطقيّة. فبحسب الخطّة، كان مخطّطاً بالفعل أن تسحب روسيا بعضَ قوّاتها من سوريا؛ وأن تحلّ معضلة تفكيك قوّات المتمرّدين في محافظة إدلب عبر الوسائل الدبلوماسيّة، بواسطة تركيا بصورة أساسيّة؛ وأن تعقد لجنةً لصياغة دستور كُتبَت بالفعل مبادؤه مِن قِبَل مستشارين روس؛ وأن تحدِّد موعداً لعقد انتخابات والبدء في إعادة ترميم وتأهيل البلاد للعودة إلى طبيعتها. وقد توافقت بالفعل على عناصر تلك المسوّدة كلٌّ من إيران وتركيا وروسيا أثناء قمّة عُقِدت في سبتمبر/أيلول الماضي، ووافق عليها الأسد وبعض من الجماعات المتمرّدة.

إلّا أنّ الأمور بدأت تنحرف عن مسارها حين أعلن الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب في ديسمبر/كانون الأول الماضي أنّه عازم على سحب قوّاته من سوريا، ولكنه لم ينفّذ ذلك القرار فيما بعد. ظهرت فجوة عميقة بين ترامب وتركيا حول حماية القوّات الكرديّة المدعومة من الولايات المتّحدة. رغم أنّ ترامب وافق على إنشاء منطقة أمنيّة في النطاق الكرديّ شمال سوريا، بعمق 32 كيلومتراً على ما يبدو، إلّا أنّه طلب أن تقوم قوّات أوروبيّة بالإشراف على المنطقة وحراستها، فيما أصرّت تركيا على أنّ تقوم قوّاتها بتلك المهمّة. لحين حلّ تلك الإشكاليّة، فإنّ انسحابَ القوّات الأمريكيّة مؤجّل. ما زال الطرفان يحاولان الوصول إلى تسوية يقبلها الأكراد.

تعترض كلٌّ من روسيا وسوريا على إعطاء تركيا فرصة التحكم في شمال سورية، ولكن في نفس الوقت يطالبون أن تنفّذ تركيا الاتفاقَ حول نزع سلاح الميليشيات المسلّحة في محافظة إدلب، وتحديداً سلاح قوّات جبهة النصرة (التي تسمّى الآن هيئة تحرير الشام). كان يُفترَض أن يمنع هذا الاتفاق هجوماً روسيّاً-سوريّاً على المحافظة، بما يتماشى مع المطالِب التركية. غير أنّ تركيا لم تلتزم بتعهّدها بتفكيك الميليشيات، فيما حذّرت روسيا من أنّ صبرها قد بدأ ينفد.

أي معركة حول محافظة إدلب، وهي موطن 3 ملايين من المدنيّين وحوالي 50 ألفاً من المسلّحين، قد تعني موجة جديدة من اللاجئين الفارّين إلى تركيا التي تستضيف بالفعل أكثر من 3 ملايين ونصف المليون من اللاجئين. بدون حلّ لقضيّة إدلب، فإنّ نظام الأسد لن يكون بمقدوره استعادة سيطرته على كامل التراب السوريّ، وسيجري أيضاً تأجيل جميع خطوات روسيا الدبلوماسيّة المخطّط لها.

هناك معضلة أخرى هي عدم وجود اتّفاق حول تشكيل لجنة دستوريّة يُفترَض أن تعمل تحت إشراف هيئة الأمم المتّحدة. مطلع الشهر انتهت الجولة الثانية عشرة من المحادثات في العاصمة الكازاخيّة آستانا (التي تُعرَف الآن باسم نور-سلطان) دون أيّ نتائج. نقطة الخلاف المحوريّة هي كيفية تشكيل الفِرَق التي ستتولّى صياغة الدستور؛ إذ إنّ روسيا مهتمّة بأكبر تمثيل ممكن للمعارَضة إلى جانب ممثّلين عن نظام الأسد، فيما تُعارِض تركيا المشارَكة الكرديّة، ويرفض الأسد بعض جماعات المعارضة.

تسعى إيران، من جانبها، إلى الحفاظ على تأثيرها في الساحة السوريّة بعد أن أحكمَت روسيا الآن سيطرتها اقتصاديّاً على موارد البلاد، مثل حقول النفط والغاز التي بِيعت حقوق تطويرها لشركات روسيّة، فيما تم تأجير ميناء طرطوس لروسيا لمدّة 49 عاماً. ازدادت حدّة هذا الصراع الاقتصاديّ نظراً لما تسمّيه إيران بالخطّة الروسيّة-الإسرائيليّة لطرد إيران من سورية. يشير المحلّلون الإيرانيّون إلى إعطاء روسيا إسرائيلَ الضوءَ الأخضر لمهاجمة أهداف إيرانيّة وإلى الصمت الروسيّ بعد اعتراف ترامب بمرتفعات الجولان جزءاً من إسرائيل، وإطلاق سراح سجينَين سوريَّين مؤخّراً في مقابل جثّة الرقيب الإسرائيليّ زخاري باوميل كدليل على التحالف الإسرائيليّ-الروسيّ الذي يستهدف إيران.

إنّ هذا التفسير الإيرانيّ للأحداث (الذي يحظى بتأييد البعض في النظام التركيّ أيضاً) يصبّ -رغماً عن إيران- في صالح إسرائيل، التي تبدو كما لو أنّها تستطيع التأثير في السياسات الروسيّة تجاه الشرق الأوسط، لا في السياسات الأمريكيّة وحدها تجاه المنطقة. إلّا أنّه من غير الواضح أنّ موسكو راضية عن هذا الانطباع، خاصّة حين يأتي أثناء تحرّكات دبلوماسيّة في سوريا حيث لا يُحبَّذ أن تبدو روسيا وكأنّها تتبع أجندة إسرائيليّة.

تبدو روسيا ظاهريّاً وكأنها تحتكر إدارة العمليّة الدبلوماسيّة، لكنّه احتكارٌ بحاجة إلى الحفاظِ عليه وإلى مرونةٍ تجاه اللاعبين الآخرين حتى يتحقّق. في الوقت الراهن يبدو أنّ ملايين النازحين واللاجئين السوريّين سيتوجّب عليهم الانتظار، تماماً مثل خطط إعادة إعمار سوريا. حتى يكون هناك نظام ثابت ومتوافق عليه في دمشق، فلن تكون هناك دولة بارزة من الدول المانحة على استعداد لضخّ رأس المال الضخم اللازم لإعادة تأهيل سوريا.

 

هذا المقال مترجم عن Haaretz.com ولقراءة الموضوع الاصلي زوروا الرابط التالي.

 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
جهاد بزّي – كاتب لبناني
حالة الهستيريا العامة التي رافقت الفيلم تقول إن رجولة الرجل العربي اهتزت: فالمرأة في الفيلم ندٌ للرجل، تشرب النبيذ مثله، تتفوه بألفاظ نابية (للأسف!) مثله، تخون مثله، ذات وجهين، مثله أيضاً، ويمكنها أن تقرر رميه وراء ظهرها وتذهب. المرأة هنا موجودة. المرأة هنا تواجه. المرأة التي في ذهن الذكوري لا تفعل.
Play Video
الجدل الذي خلقه فيلم “أصحاب ولا أعز” لم يُرافق أعمال درامية جريئة عُرضت من الخمسينات إلى التسعينات في السينما المصرية، وتناولت بشكل صريح قضايا مجتمعية كالمثلية الجنسية والخيانة الزوجية والعلاقات الجنسية، فما سرّ الهجوم على العمل الأخير؟ المخرج السينمائي روي ديب يُناقش

3:10

Play Video
كما باقي المؤسسات الرسمية، تمر المؤسسة العسكرية اللبنانية بأزمات عدة فرضها واقع الاستقطاب والانقسام السياسي. ويخوض الجيش تحدي استخدامه من قبل السلطة أو أطراف فيها كوسيلة ضغط أمني وسياسي أو وسيلة ملاحقة لناشطين وقمع للمتظاهرين كما تكرر في السنتين الأخيرتين. ما يضاعف من من مأزق المؤسسة العسكرية ضغوط الأزمة الاقتصادية الحالية التي انعكست تدنياً هائلا في دخل العسكريين من جنود وضباط ورتباء . هذا الفيديو يعرض للضغوط الاقتصادية على المؤسسة العسكرية استنادا الى ورقة بحثية أعدها مركز “تراينغل” للأبحاث والسياسات والإعلام

3:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني