من نيوزيلندا الى سريلانكا:تضامن اعتباطي وانسانية مزاجية..

لكل كارثة إنسانية أهلها، فحتى الكوارث البشرية لم تفلح في جمع الناس، خصوصاً في المنطقة العربية، حولها. إنها حرب تضامنات!

تضامن مع مئات من ضحايا سلسلة تفجيرات كنائس وفنادق سريلانكا، سبقه تعاطف مع كارثة احتراق كاتدرائية نوتردام الفرنسية، وقبلهما مناصرة عارمة لنيوزلندا بعد جريمة المسجدين  المروعة.

في المحطات الثلاث لا يمكن إغفال آليات التضامن الإنساني العربي الذي يمكن لمسه في تعليقات وتفاعلات واسعة عبر السوشيال ميديا.

ردود الفعل هذه وقعت مجدداً في فخ المزاجية والانحياز وكانت بالفعل سطحية وسخيفة.مسيحيون برجوازيون من ذوي “الكياسة”، إضافة إلى مثقفين أو مدّعي ثقافة، تعاطفوا مع نوتردام، لأسباب طبقية اجتماعية، لا دخل لها بالكارثة الحضارية التي حلّت، فالتضامن هنا يحمل شيئاً من الترف الاجتماعي. في المقابل، يتضامن مسيحيون عاديون مع مسيحيي سريلانكا، وربما ينضم إليهم بعض أنصار اليسار والفقراء. هنا، يأخذ التضامن شكلاً دينياً حيناً وطبقياً مقيتاً في أحيان أخرى، أي نتعاطف مع الفقراء، في مواجهة باريس الثرية وكارثتها! المسيحيون يتعاطفون مع كارثة المسيحين في سريلانكا والمسلمون يتعاطفون مع كارثة المسلمين في نيوزيلندا والنخب الاجتماعية تنحاز الى كارثة نوتردام ..

حسناً لكل كارثة إنسانية أهلها، فحتى الكوارث البشرية لم تفلح في جمع الناس خصوصاً في المنطقة العربية حولها. إنها حرب تضامنات!

ولا يحتاج هذا الانقسام الاستراتيجي إلى جهد لملاحظته، فصحفات التواصل الاجتماعي صورة واضحة لكل هذا الجنون.

تحت منشور تضامني مع أهل سريلانكا كتبتُه على صفحتي في “فيسبوك”، كتب أنطوني (المسيحي): “الإسلام لن يتركنا… إنهم يطبقون القرآن… لا يعرفون سوى القتل والإرهاب والنكاح… الحق الحق هؤلاء الشهداء سيكونون مع المسيح في ملكوته”. وأتى “المحلل الاستراتيجي” المسلم ليرد على التعليق، قائلاً: “العقل المدبر للتفجيرات الإرهابية والعمليات الاجرامية في الكنائس أو الجوامع هي الماسونية والصهيونة العالمية لضرب الديانتين المسيحية والإسلامية”. فأتاه الرد: “أنت تحاول تبرئة دينك المجرم الإرهابي”. ثم انهالت التعليقات الحاقدة، والتي اضطررت إلى محوها، لأنها بالفعل مؤسفة. واللافت في معظم ما يُكتب أنه يُكتب باسم الله. يبدو لي الله جالساً فوق يضحك من حفلة الهستريا كلها، وربما لو قرر أن يقول شيئاً لقال: “اتركوني وشأني بربكم!”.

صديق لي ذهب في تضامنه مع سريلانكا إلى نشر لائحة كنائس ترغب باريس في تدميرها، لأنها لا تُدخل أي إيرادات، ليقول إن التضامن مع نوتردام غير مشروع، فيما على الجهود أن تنصب لمساعدة سريلانكا الفقيرة. وبالتالي لا يمكن أن تتضامن مع سريلانكا ونوتردام في الوقت ذاته! هذا هراء!

كتب أحدهم على تويتر “قبيحو سريلانكا يستحقون ذلك”. في المقابل، سأل كثيرون عن رئيسة وزراء نيوزيلندا، أين هي من مجزرة سريلانكا؟ ذنب السيدة بالنسبة إلى حلف المتضامنين مع سريلانكا ونوتردام (وهو حلف قائم على فكرة مناهضة المتعاطفين مع ضحايا نيوزيلندا المسلمين)، أنها تضامنت مع مسلمي بلادها يوم تفجير المسجدين، ووضعت على رأسها حجاباً وقالت: “السلام عليكم!”. يا للهول!

اعتباطية التضامن تنسحب أيضاً على اعتباطية الانتماء. فإذا كنت ضد بشار الأسد، إذاً أنت مع “داعش”، ولا احتمال آخر. وربما تكون أنت صاحب فتاوى تزويج الرضيعات ورجم غير المحجبات حتى الموت. لا بل ربما تكون أنت مفجّر مسجدي السلام والتقوى في مدينة طرابلس اللبنانية.

إذا كنت ضد “داعش”، فأنت حكماً “كلبٌ” لبشار، ولا هامش آخر للتأرجح، وأنت حارق أعين الأطفال بالسلاح الكيماوي. وإذا كنت ضد عبد الفتاح السيسي فأنت “إخوانجي” ومتحرّش…

إذا كنت تريد حياةً هادئة وسلاماً ومؤسسات، فأنت عميل إسرائيليّ، لا بل ربما تربطك ببنيامين نتانياهو قرابة دم أو علاقة غرامية! من يدري؟ كل هذا لأنك خائف على أطفالك أو راغب بالزواج بالتي تحبها، بلا أن تقتلكما رصاصة هنا وطائرة هناك.

هكذا فيما تتصاعد التصريحات التافهة من الصفحات الاجتماعية وفي الجلسات المغلقة ويبدو الناس مقززين حقاً، ويبدو الطريق إلى رفض العنف والقتل والحروب بكل الأشكال، شبه مقطوع… هناك من يحضّر لتعويذة موت أخرى في مكان ما من هذا العالم، وفيما ينشغل كثيرون في تقسيم التضامن وفق الأهواء، هناك من يتبرّع لقتلنا وفق أهوائه، على اختلاف أهوائنا!

ذئب نيوزيلندا… وذئبنا

 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

عباس بيضون – كاتب وشاعر لبناني
في تأبين محسن ابراهيم يسعنا ان نؤبن مرحلة كاملة. بهذا المعنى كان محسن شخصية تاريخية، بل كان قادرا على ان يكون كذلك، لا في لحظات نشاطه الصارخ فحسب، بل ايضاً في صمته الأخير وانقلاب الأمور عليه.
محمد أبو رمان – باحث وكاتب ووزير أردني سابق
لا تختلف حالة الأردنيين عما تعيشه معظم دول العالم، إذ وقع عليهم فايروس “كورونا” كالصاعقة، ووجدوا أنفسهم للمرة الأولى منذ عقود طويلة أمام قوانين وأنظمة وسلوك غير تقليدي أو معتاد…
باسكال صوما – صحافية لبنانية
جريمة مقتل فلويد وما تبعها من تظاهرات في مدن أميركية عدة ومحاولات قمعها، أسلحة ستستثمرها إيران وسواها من الآن وصاعداً، فكلّما قال لها أحدهم: “بأي حق قتلتِ فلان أو فلانة؟”، سترد: “بالحق الذي قتل به جورج فلويد”.
إيلي عبدو – صحافي سوري
في تحوّل استذكار الكاتب اللبناني الراحل سمير قصير، رثاء وحسرة ومديحاً، تقليداً لدى عدد كبير من السوريين، انفصال حاد مع أحوال سابقة، معطوف على بلوغ أحوال جديدة غير مدركة بما يترتب على الإدراك، من أفكار وقناعات وتصورات.
باز علي بكاري – صحافي وكاتب كردي سوري
ليست الولايات المتحدة الاستثناء في المعاناة من مرض العنصرية. ولعله فعل مصادفة أو وحدة حال بين الفاشيين في العالم، أن يصلنا خبر قيام مجموعة من الشبان الأتراك بقتل شاب كردي لأنه كان يستمع لأغنية كردية.
مالك ونوس – كاتب ومترجم سوري
ليست الممارسات التي ينتهجها النظام المصري، سوى علامات على تحوُّلِ سلطته إلى قوة عدوان حلَّت محل “الدولة الوطنية”، التي حلم أبناء الدول العربية ببنائها بعد استقلالهم عن الدولة العثمانية، ومن بعدها عن الاستعمار الغربي.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني