fbpx

أرقام “العنف ضد النساء” في كُردستان تُكذب صورتها

ديسمبر 19, 2017
تُشير أعداد النساء اللواتي تعرضن للعُنف الأُسري عن الأشهر التسعة الفائتة، والصادرة عن المُديرية العامة لمناهضة العُنف ضد المرأة في إقليم كُردستان العراق، إلى أن ٣٨ امرأة كُردستانية، قُتلن جراء العُنف الأسري، وأن ٥٨ انتحرن

تُشير أعداد النساء اللواتي تعرضن للعُنف الأُسري عن الأشهر التسعة الفائتة، والصادرة عن المُديرية العامة لمناهضة العُنف ضد المرأة في إقليم كُردستان العراق، إلى أن ٣٨ امرأة كُردستانية، قُتلن جراء العُنف الأسري، وأن ٥٨ انتحرن، وأن الحرق طال ١٦٦ مرأة، بينما أقدمت ٥٨ امرأة منهن على حرق نفسها، فيما تقدمت ٦٩٨٧ امرأة بشكوى عُنفٍ وتعذيبٍ أسري طالهن، وتعرضت ١٠١ منهن لتحرشٍ جنسي.
بشكلٍ دوري، وكُلما تُصدر المُديرية العامة لمناهضة العُنف ضد المرأة في إقليم كُردستان العراق مثل هذه الأرقام في تقاريرها السنوية، فهي تُثير استغراب وشجب مؤسسات المُجتمع المدني الناشطة والرقابية في هذه المجال في الإقليم. يحدث ذلك بالرُغم من أن الأرقام السنوية الدورية تظهرُ متقاربة نسبياً، فأرقام العام الماضي تُشير إلى أن ٣٠ امرأة كُردستانية قُتلن جراء العُنف الأسري، وأن ٦٠ منهن انتحرن، وأن الحرق طال ١٦٩ امرأة، بينما أقدمت ٧٢ امرأة على حرق نفسها، وتقدمت ٤٨١٤ امرأة بشكوى تعذيبٍ أسري، فيما تعرضت ٧٧ منهن للتحرش الجنسي.
كانت أرقام العام ٢٠١٥ أيضاً قريبة من هذه الأرقام. فقد طال القتل ٥٥ امرأة، وانتحرت ٦٤ امرأة أخرى، وتعرضت ١٩٨ واحدة للحرق، بينما أقدمت ١٢٥ امرأة على حرق نفسها وتقدمت ٧٤٣٦ سيدة بشكوى تعذيبٍ أسري، وتعرضت ١٢٤ منهن للتحرش الجنسي.
التقارب الظاهر في الأرقام الواردة أعلاه يدل على أن مسألة “العُنف ضد النساء” هي ظاهرة واضحة المعالم في إقليم كُردستان، وأن قُدرة المؤسسات المعنية على وضع استراتيجية واضحة لمُعالجة الموضوع لم تلق أيّ نجاح ظاهر. فالأرقام، التي تنخفض في عامٍ ما في بعض الحالات، ما تلبث أن ترتفع في العام الذي يليه، والعكس صحيح.
وثمة العديد من الأسباب الموضوعية، التي تؤدي لأن يكون إقليم كُردستان العراق واحداً من أكثر “بؤر” العُنف المُجتمعي الذي يطال النساء، تلخصها الناشطة المدنية ومسؤولة اتحاد نساء كُردستان في أربيل بريز عمر طاهر بثلاث نقاط:
“1- المُجتمع الكُردستاني مُصاب بالذكورة في كُل مفاصله، فالعيش لعقود طويلة في حالة عدم الاستقرار السياسي، ترافق مع أشكال مُركبة من الحروب الأهلية، أدى إلى تسرب العسكرة الذكورية إلى كافة أشكال الحياة الاجتماعية.
2- المؤسسات الدينية غير مُراقبة ومُتابعة بما فيه الكفاية من قِبل السُلطات المُكلفة بذلك. فالأغلبية المُطلقة من طبقة رجال الدين، من ملالي وخُطباء ومُدرسي المواد الدينية في المدارس، ينتمون لأكثر الطبقات المُجتمعية مُحافظة. لذ، فإنهم يختارون من النصوص والحكايات الدينية ما يُناهض حقوق النساء، ويهمشون ما هو عكس ذلك. خصوصاً وأنهم يتوجهون لقواعد اجتماعية غير مُلمة باللغة العربية، وغير قادرة على نهل المعرفة الدينية من غير ما يتلقونه عبر هذه المنابر.
3- القانون العام في الإقليم، سواء الجنائي أو المدني أو العرفي، يشجع على العُنف. أو بقولٍ أكثر دقة، لا يحمي الإناث بما فيه الكفاية من التعرض للعنف المُجتمعي والأسري.”
تتفاوت أرقام العُنف ضد النساء بين منطقة محلية كُردستانية وأخرى، حيث تظهر أرقام منطقة العاصمة أربيل، كأكثر مناطق كُردستان عُنفاً ضد النساء، بينما تتحقق أقل الأرقام في مُحافظة السُليمانية، بالرُغم من أنها المُحافظة الأكبر من حيث عدد السُكان. مردُّ ذلك إلى تفاوت نسب التعليم، والطبيعة الاجتماعية، ونسبة الطبقة الوسطى، والنُخب الاجتماعية والسياسية في كِلا المنطقتين. فأربيل المدينة/القلعة، ما تزال تعيش في إرثها المُحافظ، كمدينة تجارية تقليدية، تضاعف عدد سُكانها خلال السنوات الأخيرة جراء هجرة ملايين الريفيين إليها. بينما نمت السُليمانية بوتيرة أقل، وظلت مواظبة على اعتبار نفسها مركزاً مدنياً واجتماعياً وثقافياً مُتمايزاً عن باقي المناطق الكُردية.
بسبب ضغوطات حقوقية عديدة، عملت السُلطات الحكومية في الإقليم على تأسيس آليات لضبط العنف الأُسري، ومعالجته.
قانونياً، لا تلقى ما يسمى ب”جريمة الشرف” أعذاراً تخفيفية في القانون الجنائي الكُردستاني، كذلك لا يسمح القانون في كُردستان بتعدد الزوجات إلا بجملة من الشروط “التعجيزية”، وأيضاً فإن قوانين الإقليم لا تسمح بالزواج لمن هم دون ١٨ عاماً. وهي بكُل هذه الجوانب مُختلفة عما في باقي مناطق العراق. كذلك، تنشط مؤسسات الرعاية سواء الرسمية او غير الحكومية في استقبال المعنفات في بيوت خاصة. وتقول الأرقام الصادرة عن مُديرية مُناهضة العُنف الأسري أن ٦٤٧ امرأة لجأن إلى تلك المراكز خلال العام ٢٠١٦، وقد خرجت ٥٨٣ منهن عبر مُصالحات مع ذويهن.

وتبقى المفارقة الأبرز التي تقولها أرقام العُنف ضد النساء في كُردستان، هو تناقضها مع الصورة الرسمية التي يتم السعي لتسويقها عن الإقليم، كما يظهر في الخطابات والدعاية والاعلام. فالإقليم الكُردي الذي صار يُعرّف عنه مُنذ العام ٢٠٠٣، على أنه “العراق الآخر”، كان يستند على “دعاية” عامة، سياسية وإعلامية، تقول بأن الإقليم يشهد نهضة عُمرانية واقتصادية وتعليمية وسياسية استثنائية، مُختلفة تماماً عما يشهده “العراق العربي” من عُنفٍ أهلي.
كانت “صورة كُردستان” مقترنة بتشيّيد المُدن الحديثة على ما حصل في إربيل وعلى تحقيق وفرة مالية، وفتح السوق المحلية للتجارة والاستثمارات العالمية. كان هناك من يعتقد أن هذا الانتقال السريع سيخلق تحولاً في بُنية المُجتمع الكُردي. هذا الربط وإن كان يملك شيئاً من الصحة، إلا أن جوهر “خطيئته” التقليدية كمنت في الاعتقاد بأن ذلك وحده كاف، دون أن يرفده أشياء كثيرة، ككبحِ فساد واحتكار الشبكات العائلية للحياة العامة، والتحالف المتين بين القوى السلطوية، السياسية والعسكرية والمالية والدينية، وتقاسم النافذين لكُل الرأسمال العام فيما بينهم، المادي والرمزي.
حصل تضخمٌ في التوتر الاجتماعي في الإقليم خلال السنوات الأخيرة، وذلك بسبب تحطم الاستراتيجية الاقتصادية، بعد قطع العلاقات الاقتصادية مع الحكومة المركزية العراقية، التي أوقفت حصة الإقليم من الميزانية المركزية، وسعت جاهدة لتضييق الخناق الاقتصادي والسياسي عليه.
فاقم من ذلك، الحرب الطويلة التي خاضها كردستان ضد تنظيم داعش لسنوات، ومن ثُم مع الحكومة المركزية العراقية والميليشيات الرديفة لها.
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الأمر الوحيد الذي بقي أمام من يسعى إلى تخيل “ما بعد لبنان” هو أن يغادر اللبنانيون كلهم هذه المساحة بقوارب صغيرة وكبيرة، وأن ينجو بعضهم ويموت بعضهم الآخر، وهذا ما يحصل عملياً، وفي هذا الوقت سيكون سهلاً على الثنائي الشيعي أن يفوز بوزارة المالية…
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني