fbpx

فيكشن: حين انتصر عبد الناصر في حرب 67

كان أكثر ما استرعى انتباه الصحفييّن الذين يغطّون اللقاء البالغ الودّيّة، في مطار القاهرة الدوليّ قهقهة الزعيمين، السوفياتيّ ليونيد بريجنيف، والمصريّ جمال عبد الناصر. لقد تعانقا بحرارة فيما ارتسمت الضحكة العريضة على شفتيهما

كان أكثر ما استرعى انتباه الصحفييّن الذين يغطّون اللقاء البالغ الودّيّة، في مطار القاهرة الدوليّ قهقهة الزعيمين، السوفياتيّ ليونيد بريجنيف، والمصريّ جمال عبد الناصر. لقد تعانقا بحرارة فيما ارتسمت الضحكة العريضة على شفتيهما، قبل أن يعلو صوتها ويصخب كاسراً كلّ التحفّظات التي تحيط بمناسبات كتلك. وهذا قد لا يكون مستغرباً في الزعيم المصريّ الذي عُرف، بين أمور أخرى، بحسّ الدعابة وببسمته التي استهوت قلوب الجماهير العربيّة، بين البحرين والمغرب. أمّا الزعيم السوفياتيّ المشهور بعبوسه وتجهّمه، فبدا سلوكه في مطار القاهرة في غاية الغرابة.
على أيّ حال، كان ظرف اللقاء سبباً وجيهاً للفرح والابتهاج، وتجاوز الأعراف الديبلوماسيّة كلّها. ففيما كانت تهبط طائرة بريجنيف المدنيّة، كانت طائرات عسكريّة سوفياتيّة يقودها طيّارون مصريّون تدكّ المطارات الإسرائيليّة، وتدمّر الطائرات الرابضة على أرضها. وما إن غادر الزعيم الشيوعيّ طائرته، وباشر التقدّم بتثاقل نحو مضيفه المصريّ، حتّى استوقفه أحد مساعديه وأسمعه آخر الأخبار الواردة، وهو أنّ الدولة العبريّة تطلب من مجلس الأمن إعلان وقف فوريّ للنار.
لكنّ الخبر الأهمّ في دلالته فكان ما سمعه بريجنيف من عبد الناصر بعد عناقهما مباشرة:
“هل تعلم يا سيادة الأمين العامّ ما الذي تقوله الإذاعة الإسرائيليّة؟ إنّها تعلن تدمير تسعين طائرة من طائراتنا. تأمّل أيّ انهيار يصيبهم!”. وهنا عاود الزعيمان ضحكهما الصاخب، الذي قطعته عبارة شكر جدّيّة من عبد الناصر:
“شكراً يا سيّد بريجنيف. إنّ مصر والأمّة العربيّة وأنا شخصيّاً لن ننسى لكم هذا الجميل الكبير. ما تحقّق هو انتصار للسلاح السوفياتيّ بقدر كونه انتصاراً للإرادة العربيّة”.
وإذ نظر إليه الأمين العامّ مربّتاً على كتفه، فيما هما يهمّان بركوب السيّارة الرئاسيّة السوداء، أكمل عبد الناصر:
“ما نرجوه يا سيادة الأمين العامّ هو أن تمضوا في دعمنا لتحرير فلسطين كاملة وردّها إلى الأمّة العربيّة”.
هنا أصيب الزعيم السوفياتيّ بما يشبه الجفلة، وقال:
“لم أفهم تماماً قصدك يا سيادة الرئيس. هل قلت تحرير؟ تحرير ماذا؟ إنّ ما قصدناه من هذه الحرب هو إجبار الإسرائيليّين على الرجوع إلى خريطة التقسيم في 1947، وأيضاً، وبوصفك حليفنا التقدّميّ، جعلك الزعيم العربيّ المطلق بعد الانتكاسات التي تعرّضت لها زعامتك بسبب انفصال سوريّا وحرب اليمن. الاتّحاد السوفياتيّ أيّد قرار التقسيم منذ طرحه قبل عشرين عاماً ولا يزال على موقفه هذا. أمّا التحرير وغير ذلك فيتسبّبان بتدخّل أميركيّ وأوروبيّ مباشر لا يسعنا مواجهته”.
“لكنّ حركة القوميّة العربيّة…”، وقبل أن يكمل الزعيم المصريّ أكمل بريجنيف بدلاً منه: “دعنا يا جمال من القوميّات، نحن كماركسيّين لينينيّين لا نؤمن بهذه الأفكار البورجوازيّة. قبل سنوات قليلة اختلفنا نحن وإيّاكم لأنّكم أقمتم وحدة قوميّة مع سوريّا كما قاتلتم الشيوعيّين في العراق، باسم القوميّة، بحيث استفاد خصومنا الأميركيّون من هذا التصرّف الخاطىء. ينبغي أن لا نكرّر الماضي بعد الانتصار العظيم الذي نحقّقه اليوم معاً”. وإذ همّ عبد الناصر بأن يقول إنّ الاتّحاد السوفياتيّ ينهض على قوميّة روسيّة مداورة، ردعه عن ذلك انعقاد الحاجبين الكثيفين لضيفه السوفياتيّ، فسادت لحظة صمت وارتباك. مع ذلك لم يرتدع الزعيم المصريّ إلاّ لوقت قصير عاد بعده إلى موضوعه: “كنت أظنّ أنّ الماركسيّة – اللينينيّة تميّز بين قوميّات مضطهِدة وقوميّات مضطهَدة، أليس كذلك؟” وأقفل عبارته على واحدة من ابتساماته الساحرة التي لم ينسحر بها بريجنيف فيما كان يراقب من نافذة السيّارة شوارع القاهرة:
“قل لي يا جمال… ما هي خطّتك الآن فيما نحن نحقّق هذا الانتصار العظيم؟”.
“والله، يا عزيزي الأمين العامّ، كانت خطّتي حتّى هذه اللحظة تحرير فلسطين. أمّا وقد سمعت منك ما سمعته للتوّ، فبات عليّ أن أتدبّر خطّة أخرى”.
“حسناً تفعل يا جمال. الآن، وقد خاض الجيشان السوريّ والأردنيّ الحرب إلى جانبنا، وتقدّما داخل الأراضي الإسرائيليّة من الشمال والشرق، فعليكم أن تفكّروا بمكافأة الشعبين السوريّ والأردنيّ على تضحيات جيشيهما. وما أقترحه هو طمأنة النظام التقدّميّ الحليف في سوريّا بأنّك لم تعد ترغب في أيّة وحدة قوميّة معه. الشعوب تكره الوحدات يا جمال، ومع أنّ وحدتنا السوفياتيّة أمميّة وليست قوميّة، فإنّها تسبّب الكثير من الصداع لنا، خصوصاً مع الجمهوريّات الإسلاميّة. أمّا الأردن فينبغي أن نكافىء شعبه بإطاحة نظامه والتخلّص من ملكه، الذي قد يطعننا في الغد بسبب ارتباطاته العميقة مع الأميركيّين والبريطانيّين…”.
“لكنْ…”.
“لكنْ ماذا يا جمال؟ أعرف أنّ ما قلتُه ليس هو جوهر الموضوع. جوهر الموضوع هو في القاهرة نفسها حيث تقيم السلطة، فاسمعني جيّداً. لقد حقّقتم اليوم نصراً باهراً تسمّونه أنتم قوميّاً، ونسمّيه نحن وطنيّاً. التسمية ليست مهمّة. المهمّ أنّه ينبغي استثمار هذا النصر بالطريقة التي استثمرنا فيها الانتصار في الحرب العالميّة الثانية بحيث أحكمنا السيطرة على أوروبا الوسطى والشرقيّةّ”.
“هل من إيضاحات أكثر يا سيّد بريجنيف؟”.
“نعم”، قالها الزعيم الشيوعيّ ثمّ أوقف الكلام بسبب مكالمة هاتفيّة تلقّتها السيّارة الرئاسيّة وعرف منها الزعيمان أنّ لبنان أيضاً أعلن دخوله الحرب “بهدف تحرير فلسطين”، كما جاء في بيان الحكومة اللبنانيّة.
“هذه ضمانة لا يرقى إليها الشكّ بأنّ إسرائيل على وشك الانهيار العسكريّ”، قال عبد الناصر مستعيداً سخريته، التي طواها الحديث السابق عن القوميّة العربيّة. وبدوره ضحك بريجنيف ضحكة عابرة أرفقها بهزّة رأس اعتراضيّة على تعبير “تحرير فلسطين”، لكنّه ما لبث أن عاد إلى ما كان يشرحه قبل المكالمة:
“اسمع يا جمال. الموضوع، في آخر المطاف، هو السلطة. هل تعرف ما الذي سأفعله فور عودتي إلى موسكو مسلّحاً بهذا الانتصار العظيم في الشرق الأوسط؟ سأدعو دول حلف وارسو إلى مؤتمر نقرّر فيه غزو تشيكوسلوفاكيا وإطاحة زعيمها ألكسندر دوبتشيك. هل تعرف ماذا يفعل هذا الوغد؟ إنّه يفكّر بفصل بلده عن الكتلة الاشتراكيّة وترك الاتّحاد السوفياتيّ وجهاً لوجه مع ألمانيا الغربيّة ودول الحلف الأطلسيّ”.
“لكنْ ما علاقة ذلك بأوضاع السلطة في مصر؟ هل تقترح عليّ مثلاً أن أهاجم السودان أو ليبيا؟”.
“لا، لا، ليس هذا قصدي. ما قصدته أنّ هناك دوائر يمينيّة لا تزال داخل السلطة في مصر، ووجودها خطر مؤكّد عليكم: عبد الحكيم عامر، لا يجوز أن تُترك له فرصة استثمار النجاح الكبير الذي أحرزه في هذه الحرب… أنور السادات، زكريّا محيي الدين، محمّد حسنين هيكل… كثيرون من أمثال هؤلاء ينبغي أن تتخلّص منهم قبل أن يطعنوك ويطعنوا التجربة الاشتراكيّة”. وبغمزة من إحدى عينيه أضاف: “التخلّص منهم سهل وأنت بالطبع تعلم ذلك”، ثمّ أكمل: “هناك، في المقابل، من تستطيع الاعتماد عليهم كخالد محيي الدين وعلي صبري والشيوعيّين الذين طلبنا منهم أن يحلّوا حزبهم قبل أعوام قليلة كي يندمجوا في اتّحادكم الاشتراكيّ. لطفي الخولي ورفعت السعيد وسواهما مستعدّون أن يكتبوا لك ما تريد. لا حاجة لك بهيكل. رفاقهم العسكريّون والأمنيّون، خصوصاً منهم الذين تدرّبوا عندنا، في موسكو وفي برلين، مستعدّون أن يخدموكم بتسجيل أصغر واقعة تحدث وبسجن وتعذيب كلّ من يُشتمّ أنّه مصدر خطر على سلطتكم التقدّميّة. اضرب يا جمال، اضرب. أنت اليوم تحمل نصراً عظيماً يتيح لك أن تفعل كلّ شيء. حين أعدمتَ سيّد قطب كان يمكنك أن تعدم عدداً أكبر من الإسلاميّين الرجعيّين. تستطيع في أيّ وقت أن تقول إنّك اكتشفت مؤامرة وتفعل ذلك. الإعلام والثقافة أساسيّان هنا أيضاً. لقد فهمتُ من سفارتنا في القاهرة أنّ أفلاماً سينمائيّة لا تزال تُنتج في مصر من دون أن تكون ملتزمة التزاماً دقيقاً بالثورة، وأنّ كتباً لا تزال تُنشر لكتّاب من العهد الملكيّ بحجّة أنّ هؤلاء يكتبون جيّداً ولا يُستغنى عنهم. ما من أحد لا يُستغنى عنه. لقد ذكروا لي أسماء ثلاثة كتّاب رجعيّين هم طه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ، قيل إنّ نظامكم التقدّميّ لا يزال يرعاهم. لا يا جمال! نصيحتي لك أن تستغلّ هذه الفرصة للانتهاء من هذا العبث كلّه. إنّه يضرّ بالثورة ويهدّد النظام وقد يتأدّى عنه وضع يسيء إلى الصداقة مع الاتّحاد السوفياتيّ. في وسعك أن تطلق حملة لعبادة شخصيّتك، كلّ من يعترض أو يتحفّظ عليها تتّهمه بالخيانة…”.
هنا انفرجت أسارير عبد الناصر الذي كان يستمع بكلّ جوارحه.
“تفضّل، سيادة الأمين العامّ، لقد وصلنا إلى قصر المنشيّة، فلنُكمل الكلام في الداخل”. لكنّ بريجنيف قال إنّه متعب بعد هذه الرحلة وبحاجة إلى الراحة، مفضّلاً إكمال الحديث في الغد قبل التوجّه معاً لحضور المهرجان الجماهيريّ الحاشد الذي رتّبه “الاتّحاد الاشتراكيّ العربيّ” احتفالاً بالنصر المشترك العظيم.
“حسناً، لا بأس” قال عبد الناصر، قبل أن يضيف: “الجماهير ستكون في انتظارنا غداً، إنّها دوماً في انتظارنا. تصبحون على خير يا سيادة الأمين العامّ”.
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
انفجار بيروت الذي انقض على أفراحها الصغيرة وتلك الكبيرة أيضاً، لم يسلم منه أحد، لم يسلم منه شيء، حتى اللوحات الهانئة والتحف الفنية… فيما الدولة غائبة، تتصرّف وكأنّ لا شيء حدث، تشتري المزيد من الوقت على حساب خسائرنا، وحسب.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني