fbpx

الأردن ضحية أجندة ترامب وحلفائه الجدد في الخليج

ديسمبر 22, 2017
تحالف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مع عدد من الدول الخليجية لمواجهة ما يسمونه ب "خطر إيران" على العالم العربي، بدلاً من أولوية حل الصراع العربي-الإسرائيلي، وضع الأردن في شبه عزلة في الإقليم، وسط جفاء مع إسرائيل، ونفوذ روسي متنامي، ونضوب في المساعدات العربية.

تحالف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مع عدد من الدول الخليجية لمواجهة ما يسمونه ب “خطر إيران” على العالم العربي، بدلاً من أولوية حل الصراع العربي-الإسرائيلي، وضع الأردن في شبه عزلة في الإقليم، وسط جفاء مع إسرائيل، ونفوذ روسي متنامي، ونضوب في المساعدات العربية.
تبدل المصالح وقواعد الاشتباك  الجديد، يقيد خيارات الأردن، الذي يعيش اليوم، ضمن إقليم انزلقت فيه منظومة الجامعة العربية، إلى دول “كرتونية”، تتآمر على بعضها البعض، وتدق أسافين لنسف قضاياها بالتواطوء مع دونالد ترامب.
يشعر المسؤولون بأن الأردن، الحليف التقليدي لأميركا لعقود، ورأس حربة “الاعتدال”، بات ضحية “للأضرار الجانبية”، لالتقاء أجندات الحكام الجدد، الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وولي العهد السعودي الجديد الأمير محمد بن سلمان، وولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، في عدائهم لإيران، ورغبتهم في قيادة المنطقة على أسس جديدة.
خير شاهد على ذلك، قرار ترامب الأخير، بتهويد القدس وسط مواقف عربية مخجلة. ويفاقم التحديات في الإقليم، الطموح السياسي للأمير محمد بن سلمان، الذي لا يرى على شاشة الكون سوى حساباته، ورهاناته وخياراته، فلا يترك لأحد أي مجال للمناورة في المنطقة الرمادية. ومن يخالف توجهاته من القادة العرب يجازف بدفع الثمن.
لعل هذه الحقبة من أسوأ الفترات التي عصفت بالأردن وسائر المنطقة منذ عقود.
الأردن يقف وحده على خط النار، في مشهد استعادي لحقبة قاتمة أعقبت حرب الخليج الثانية 1990-1991، حين اجتاح العراق الكويت. وقتها عوقب الأردن، إقليمياً ودولياً، بسبب رفض الملك الراحل الحسين بن طلال تدويل، “أزمة” العرب والانضمام إلى التحالف العسكري الأميركي العربي، الذي دمّر مقدرات العراق عندما أخرج جيشه من الكويت.
آنذاك، انكشف ظهر الأردن خليجياً، ورفع عنه الغطاء الأميركي والغربي، حتى عام  1994، حين أبرم معاهدة سلام مع إسرائيل، أسهمت في إعادة تأهيل المملكة، كلاعب اقليمي محوري، مدعوماً بتحالف استراتيجي سياسي-عسكري- أمني مع أميركا ثم إسرائيل. وعادت المساعدات المالية من دول الخليج والغرب بضغط أميركي لدعم مملكة الاعتدال، التي جازفت لتصبح ثاني دولة عربية، بعد مصر، تدفن حال اللاحرب واللاسلم القائمة منذ 1948.
قبل ذلك، صبّت عوامل عديدة باتجاه صمود الأردن في وجه الحصار الغربي العربي، في مقدمتها اللّحمة بين القيادة والشعب، معزّزة بأجواء استئناف مسار الديموقراطية، وتمتع الحكومات بالولاية العامّة، إلى درجة كبيرة، فضلاً عن حضور برلماني. وفتح العراق، البلد المحاصر في حينها أسواقه أمام الصناعات الأردنية، مقابل منحة نفطية، ما أسهم في تحريك عجلة الاقتصاد، والتخفيف من انعكاسات خطط الإصلاح الاقتصادي. الجبهة الداخلية كانت متينة نوعا ما فيما تعدّدت أدوات العمل السياسي الرسمي والشعبي. فصادرات الأردن من الخضروات والفاكهة كان لها أسواق في لبنان ودول أوروبية عبر سوريا رغم تذبذب العلاقات بين عمان ودمشق. واستفاد الأردن من المعادلة الأممية لتخفيف الحصار على العراق.
بين الأمس واليوم تغيّر الكثير داخلياً، إقليمياً ودولياً.
اليوم تعاني المملكة من شلل اقتصادي خانق، مع تضاعف أعداد السكان واللاجئين والعمالة الوافدة إلى 10 ملايين نسمة، في أقل من عقد. ويترقب الأردنيون السنة الجديدة بخوف وقلق، بسبب تداعيات وجبة رفع الدعم عن الخبز، وتوسيع ضريبة المبيعات، لتشمل أساسيات جديدة في سلة غذاء المواطن، فضلا عن فرض رسم مقطوع على مبيعات كل ليتر ديزل وبنزين مع تعديل تعرفة الكهرباء .  
مع أن معبر الكرامة-الطريبيل أعيد فتحه، فإن السوق العراقية لم تعد وجهة لمصانع المملكة.  فالبضائع التركية والإيرانية تغزو العراق، بعد أن تبدّلت أهواء النظام السياسية هناك خلال العقد الماضي، وبات أكثر قرباً وانفتاحا على إيران، اللاعب الإقليمي الذي يمسك مفاتيح حلّ أو تعقيد قضايا المنطقة، ويتحدّى ترامب وحلفاءه الجدد في المنطقة.
أما المساعدات الخليجية، فتوقفت منذ عام. وغدت أميركا الدولة المانحة الرئيسة للأردن، تليها دول أوروبا الغارقة اليوم في أزماتها الاقتصادية ومأزق الهوية.
فقدت القدس الشرقية المحتلة ومقدسّاتها الإسلامية والمسيحية رمزيتها الدينية لدى غالبية العواصم العربية، لكنّها لا تزال متجذرة في مشاعر الأردنيين والفلسطينيين، وفي إرث الهاشميين. عقدان من المفاوضات العبثية أحالت ملف اللاجئين، إلى قضية إنسانية بحتة. وتبخّر اليوم حلم حل الدولتين الذي راهن عليه الأردن كثيرا.  
والخشية من أن تشجّع دول عربية عديدة أي ترتيبات إدارية للأماكن الدينية في القدس قد يقترحها ترامب لاحقا، أو تحجم عن معارضتها. ذلك أنها، بخلاف الأردن، ليست ذات صلة بالوصاية الدينية على هذه المقدسات، حسبما ورد في معاهدة السلام. المواقف كانت مؤسفة في اجتماع وزراء الخارجية العرب والقادة الذين قاطعوا قمّة اسطنبول الإسلامية.
الأردن لم يعد ضمن أولويات دول الخليج، مع تراجع خدمة مصالحه الوظيفية عبر حماية الحدود. وباتت دول خليجية تلعب مع إسرائيل من تحت الطاولة بدلا من قناة الأردن. إيران عدو لغالبية دول الخليج، ولترامب كذلك. تعلّم ساسة خليجيون من الأردن، فنون التعاطي مع المشهد السياسي “الواشنطوني”، فلم يعد قنطرة للعب دور الوسيط العربي، في قضايا كثيرة. اليوم تنفق السعودية، والإمارات العربية وقطر ملايين الدولارات على شركات علاقات عامة لتسويق ملفاتها مع الإدارة، والكابيتول هيل، والمؤسسات البحثية. وإسرائيل معنية أيضا بألعاب إقليمية جديدة، بعد أن ضمنت معاهدة سلام مع الأردن وثقّت من خلالها عرى تعاون أمني.
لا يزال الأردن يدفع ثمن رفضه الانخراط في الحرب التي تقودها السعودية في اليمن. وقبلها رفض طلبا سعودياً إدخال مسلحين مناوئين للحكم في دمشق عبر حدوده مع سوريا. هذه مواقف لها أكلاف عالية. وولي العهد السعودي يحاول على ما يبدو، تطهير بلاده من الفساد، ويسابق الزمن لتحديث مجتمعه، وإصلاح مفاهيم الإيمان من الشوائب التي اعترتها بسبب الأيديولوجيا الوهابية. كل ذلك مهم وحيوي لمستقبل بلاده ذات الغالبية الشبابية. لكن مغامراته الإقليمية والدولية، باتت تنعكس بصورة سلبية على توازنات المنطقة واستقرارها. كما تغذّي الحقن الطائفي السني/ الشيعي وتؤثر على لبنان والأردن واليمن وغيرها من الدول.
لا مجال أمام الأردن الرسمي اليوم، سوى تقليص خساراته الناتجة عن غدر حلفاء الأمس والاكتفاء ذاتيا. نشهد انفتاحاً على الدوحة، وكذلك على أنقرة، التي تحاول اليوم قيادة العالم الإسلامي في مواجهة أسرلة القدس. هذا أيضا خيار محفوف بالمخاطر بسبب طموحات أردوغان. مع الوقت، سيجد الأردن صعوبة في طرق باب إيران، لأنها خط أحمر بالنسبة لواشنطن، فيما تحتاج عمّان للحفاظ على علاقات جيدة مع ما تبقّى من حلفائها داخل الإدارة الأميركية، والمؤسسات الأمنية والتشريعية، بما يكثّف فرص زيادة المساعدات الأميركية العام المقبل.
اليوم تقف القيادة الأردنية في مواجهة زلزال دونالد ترامب، حول القدس قبل الإعلان عن “صفقة القرن”. ويتماهى الملك عبدالله الثاني مع نبض الشارع للمرة الأولى منذ سنوات. لكن ما ينقص المسؤولين، هو استغلال هذه الظرف لمراجعة الإخفاقات التي اعترت ملف الإصلاحات السياسية والممارسات التي أضعفت ولاية الحكومة، وقزّمت دور مجلس الأمّة وهمّشت منظمات المجتمع المدني والأحزاب، كما كمّمت أفواه منابر الإعلام، وحاربت حرية الرأي والتعبير وأجهضت معركة القضاء على الفساد والمفسدين.
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
ما يحصل هو سياق تاريخي من التدمير الذاتي وإدراك تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية، متمثلاً بالتراخي وعدم القدرة على التواصل مع العمق العربي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني