العراق كله فوق عبّارة مهترئة

حادثة العبارة القاتلة وحمولتها الرمزية، بعد إفراغها من الأحياء بفعل فاعل "سياحي"، تستوجب تفحص المشهد العراقي، وفيه ملامح الخراب، كل يوم وكل ساعة

كارثة عبّارة الموصل، لم ولن تكون الوحيدة، انها إنذار لما تمرّ به البلاد من احتمالات الغرق ليس في نهر فحسب، بل في فساد فائض سوف لن يبقي للدولة العراقية، ما يمكن وصفه بالرشد. ليست بغداد أو البصرة أفضل حالاً من الموصل، لجهة أمن المواطن وحمايته من مخاطر الغرق، ففي كل زاوية من البلاد، هناك كارثة تنتظر الحدوث. الفرق هو أن سكان الموصل خرجوا من عالم “داعش” المرعب، ليواجهوا الموت في “مرافق سياحية” على عبّارات مهترئة، وصلت إلى المدينة قبل وصول التفكير في إعادة إعمارها من “الخراب الداعشي”، وإعادة الكرامة والعيش الكريم للمواطنين بطبيعة الحال، فيما تستقر العبارات ذاتها في شواطئ الفساد في كل زاوية من البلاد.

إن حادثة العبارة القاتلة وحمولتها الرمزية، بعد إفراغها من الأحياء بفعل فاعل “سياحي”، تستوجب تفحص المشهد العراقي، وفيه ملامح الخراب، كل يوم وكل ساعة؛ ذاك ان الغرق يحدث ليس في المياه فحسب، بل حتى في ساقيات المياه الملوثة. هذه هي حال العراقيين، يموتون غرقاً في الشتاء والربيع، وعطشاً في الصيف، أو يموتون في أحسن الأحوال بسبب المياه الملوثة كما حصل في البصرة صيف عام 2018 وقد يتكرر، أو بسبب نفوق الأسماك الناتج عن جشع السياسيين كما حصل نهاية العام الماضي، من يدري؟

لقد اعتدنا على إخفاء المسؤولين العراقيين حقائق ما يحصل من مآسٍ في البلاد، من خلال عواطف جياشة؛ لقد بكوا في الأمس في البصرة على الأوضاع المأساوية بسبب تلوث المياه وإدخال آلاف المواطنين الى المستشفيات للسبب ذاته ولم يفعلوا شيئاً. واليوم يبكون على الموصل وسوف لن يفعلوا شيئاً! سألت قبل سنوات وكيل وزير الصناعة العراقي عن سبب ترك البواخر والعبّارات الحربية الصدئة في مياه شط العرب منذ ثمانينات القرن المنصرم، فقال لي إنهم “سيبذلون كل الجهود لتنظيف شط العرب ومدينة البصرة من تلك البواخر والعبّارات”. وما زالت الأوضاع على حالها.

وسألت مسؤولاً عراقياً، قبل أسابيع في مؤتمر “الأمن الكوكبي” في مدينة لاهاي في هولندا، عن سبب عدم قدرة الحكومة على تقديم المياه النظيفة لسكان العاصمة بغداد، ولجوء أكثر من 8 ملايين إنسان إلى استخدام المياه المعبأة في القناني البلاستيكية، فكان جوابه غريباً لنا كصحافيين عراقيين وصحافيين خبراء أوروبيين أيضاً، إذ قال: “لقد أصبح شرب المياه المعبأة ثقافة جديدة بين العراقيين”. وفي المؤتمر ذاته، غاب وزير الموارد المائية بسبب الفيضانات في محافظة ديالى. لقد اكتشف الذين كانوا ينتظرون الوزير العراقي وما يحمله من أفكار حول قدرات البلد لمواجهة آثار التغير المناخي، أن العراقيين لا يعانون العطش فحسب، بل يغرقون في المياه الفائضة أيضاً. هكذا دائماً، يخفي المسؤولون العراقيون الحقائق الى حين وقوع الكارثة.

وفي الموصل، كانت هناك تقارير صحافية وقصص يومية عن سوء أحوال الخدمات في المدينة بعد “تحريرها”، ناهيك بفساد “عظيم” واكب التحرير وما بعده، إنما لم يسمعه أحد، وطغى الصمت على ما يمكن وصفه بـ”ملاقاة غرق مُعلَن”، بالإذن من الروائي الكبير غابرييل غارسيا ماركيز. قد يثمر خطاب بكائي اعتمده مسؤولون عراقيون عما حصل في الموصل، لبعض الوقت وينسي ما يمكن نسيانه في حلقات التراجيديا العراقية، إنما لا يمكن تغيير “تاريخ العبّارة”، ذاك انه تاريخ يحدث اليوم في فيضانات تعم البلد في أوجها، وقد تجرف معها معاناة الناس والسياسة معاً.

هذا الموضوع تم انجازه بدعم من مؤسسة Rosa-Luxemburg-Stiftung’s Beirut Office 

العراق… فتيات يواجهن انعدام خدمات المياه بالصمت

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

مصطفى إبراهيم – صحافي فلسطيني
أزمة حكومة حماس في غزة أنها لا تملك الإمكانات المطلوبة لمواجهة الكوارث والأزمات، إضافة إلى المبالغة والحرص على إثبات أن غزة خالية من “كورونا”، وما يهمهما إظهار أن غزة المدينة الفاضلة.
محمد خلف – صحافي عراقي
لا أحد ممن يمتلك قدراً ولو محدوداً من التفكير السليم في روسيا سيصدق تأكيدات الرئيس فلاديمير بوتين عن أن جائحة “كورونا” تحت السيطرة في البلاد.
عبدالله أمين الحلاق – صحافي سوري مقيم في إيطاليا
ما يميز شارع بادوفا أو “شارع العرب” كما تحلو للإيطاليين تَسْميتُه، هو أنه شارع يضم خليطاً من مهاجرين ولاجئين من جنسيات وبلدان مختلفة، من مصر والعراق والمغرب وتونس ومن دول آسيا الوسطى…
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
لا يمكن أن نتحدث عن رقم حقيقي لأعداد المصابين بكورونا في إيران ولا لأعداد الوفيات أيضاً، وكل ما يخرج إلى الإعلام، إذا كان صادراً عن جهة رسمية فهو “كاذب”، أما إذا كان صادراً عن جهة غير رسمية فهو “غير دقيق”.
أحمد عيساوي – كاتب لبناني
دخلت شركة سانوفي الفرنسية ومعهد باستور في سباق مع ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل للتوصّل إلى لقاح ضدّ الكورونا. المسألة لن تكون سهلة
عبدالله أمين الحلاق – صحافي سوري مقيم في إيطاليا
البيلا تشاو تصدح من شرفات المنازل ويغنيها كثيرون بصوت واحد في أحياءهم. ربما هي إشارة إلى فاشية من نوع جديد تصعد مؤخراً إلى جانب قوى واحزاب فاشية تستثمر في ما يحصل وتضخ خطابات الكراهية يومياً، إنها “فاشية الفايروس” او “الهولوكوست الكوروني” الذي تشهد له عملية إرساله جثث ضحاياه إلى المحارق
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني