fbpx

مصر: تفاقم مشكلة مقاومة المضادات الحيوية

ديسمبر 23, 2017
دوامة من المعاناة عاشتها رحاب علي، بسبب مرض ابنها، لكن الأمور ساءت عندما وصل الرضيع إلى مرحلة لم يعد يجدي أي مضاد حيوي في علاجها، وهي النتيجة التي صدمتها بها الفحوص العلمية لتضيف إلى ألمها دهشة من النهج الذي اتبعه طبيب مشهور في علاج الطفل. تقول رحاب إن رضيعها وهو مريض بالحساسية لم يتجاوز عامه الثاني، تناول مضادات حيوية عدة مرات بناء على نصيحة الطبيب. وتفاقم مرض الحساسية ولم تتوقف نزلات البرد المتكررة...

دوامة من المعاناة عاشتها رحاب علي، بسبب مرض ابنها، لكن الأمور ساءت عندما وصل الرضيع إلى مرحلة لم يعد يجدي أي مضاد حيوي في علاجها، وهي النتيجة التي صدمتها بها الفحوص العلمية لتضيف إلى ألمها دهشة من النهج الذي اتبعه طبيب مشهور في علاج الطفل. تقول رحاب إن رضيعها وهو مريض بالحساسية لم يتجاوز عامه الثاني، تناول مضادات حيوية عدة مرات بناء على نصيحة الطبيب. وتفاقم مرض الحساسية ولم تتوقف نزلات البرد المتكررة. ثم أُصيب الطفل بصديد في البول وعند إجراء زراعة معملية لعينة من البول لمعرفة نوع “الميكروب”، تبين إصابته ببكتيريا Proteus mirabilis المعروفة باسم (المُتَقَلِّبَةُ الرَّائِعَة). وأظهر التحليل نوع المضاد الحيوي المناسب للعلاج والذي يخالف العقار الذي وصفه الطبيب قبل معرفة نوع “الميكروب”، وتكرر وصفه لمضادات حيوية لم تفلح في العلاج، وأثرت على صحة الطفل سلباً. تناول الطفل في النهاية مضاد حيوي اسمه GARAMYCIN قضى على الميكروب رغم قلق أمه الشديد من آثاره الضارة على الكلى.
معاناة رحاب مع مرض ابنها يشاركها فيها الملايين حول العالم بسبب الخطر المتنامي لمقاومة المضادات الحيوية والناتج عن الاستخدام غير الرشيد لها.
بداية المشكلة
في شهر سبتمبر/أيلول الماضي نشرت “منظمة الصحة العالمية”، تقرير يثبت وجود نقص خطير في المضادات الحيوية الجديدة قيد التطوير لمكافحة الخطر المتعاظم لمقاومة مضادات الميكروبات.
تعرف المضادات الحيوية وفقاً لمكتبة الولايات المتحدة الأمريكية القومية للطب بأنها أدوية قوية تحارب العدوى البكتيرية، ويمكنها إنقاذ الحياة عند استخدامها بصورة صحيحة؛ لأنها توقف تكاثر البكتيريا أو تقتلها، ومن هنا تستطيع دفاعات الجسد الطبيعية تولي القيادة، قبل أن تستطيع البكتيريا التكاثر وإحداث أعراض. وعادة يستطيع الجهاز المناعي للجسم تدمير العدوى البكتيرية من خلال خلايا الدم البيضاء التي تهاجم البكتيريا الضارة، وحتى في حالة ظهور أعراض يمكن أن يقاوم جهاز المناعة العدوى ويتغلب عليها. لكن في بعض الأحيان تكون أعداد البكتيريا كبيرة، مما يستلزم مساعدة من المضادات الحيوية.
ولكن المضادات الحيوية تفقد تأثيرها القوي على البكتيريا في حالة الإفراط في تناولها مما دفع “منظمة الصحة العالمية”، لإطلاق “أبحاث البكتريوفاج” كبديل للمضادات الحيوية التي فقدت تأثيرها في الأعوام السابقة.
وسجل “المركز الأمريكي للوقاية من الأمراض والتحكم بها”، ظهور مليوني حالة إصابة ببكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية تتسبب في وفاة أكثر من 23 ألف شخص سنوياً، رغم ما تمتلكه الولايات المتحدة من نظام لتقنين تعاطي المضادات الحيوية، وهي المشكلة التي ناقشها الفيلم الوثائقي The Trouble with Antibiotics.
كيف هو الحال في مصر؟
وفقاً للمسح المتعدد الذي أعلنته منظمة الصحة العالمية في شهر نوفمبر/تشرين الثاني، من عام ،2015 والذي شمل 12 دولة من بينها مصر، أفاد 76 بالمائة، ممن أجابوا على المسح في مصر أنهم قد تناولوا مضادات حيوية خلال الأشهر الستة الماضية، وقال 72 بالمائة منهم أن المضادات الحيوية قد وُصفت أو قُدمت لهم من خلال طبيب أو ممرضة. ويعتقد 55 بالمائة ممن أجابوا على المسح أنه يمكنهم التوقف عن تناول المضادات الحيوية عند تحسن حالتهم (وهو أمر خاطئ إذ يجب إكمال الدورة العلاجية كاملة). ويعتقد 76 بالمائة أنه يمكن استخدام المضادات الحيوية لعلاج نزلات البرد والانفلونزا، وهو أمر خاطئ لأن المضادات الحيوية لا تؤثر على الفيروسات. وسمع 22 بالمائة عن ظاهرة مقاومة المضادات الحيوية وهي نسبة أقل من مثيلتها في أي من البلدان الأخرى التي شملها المسح.
ووفقا لورقة بحثية عن مقاومة المضادات الحيوية شملت 18 مستشفى مصرياً، أعدتها دكتورة مها طلعت ومنى شكري، بوحدة أبحاث البحرية الأمريكية الطبية، “نامرو”، كشف المسح عن الانتشار الواسع في استخدا المضادات الحيوية بنسب تصل الى ٩٢ بالمائة، بين بعض فئات عينة البحث التي وصلت إلى ألفي مريض. ويشيع استخدام المضادات الحيوية في المرضى تحت سن 12 عاماً بنسبة تجاوز الثلثين مقابل 56 بالمائة، لمن هم أكبر عمراً. وجاء في الدراسة أن نصف حالات العدوى بين المرضى وقعت في الحياة اليومية، و16 بالمائة، من في مستشفيات و26 بالمائة في وحدات عناية مركزة، أي أن 42 بالمائة من مجمل حالات العدوى وقعت في مستشفيات، ومن أنواع العدوى المنتشرة الالتهاب الرئوي وعدوى مجرى الدم والتهاب المسالك البولية.
وكشفت الدراسة عن ضعف القدرات المختبرية في عديد من المستشفيات، وعدم توحيد الأساليب والإجراءات المتبعة بها وضعف معرفة أطباء الرعاية المركزة بالتشخيص والعلاج من العدوى المكتسبة.
مولود بالعدوى
مع بداية شهور الحمل لم تكن المتابعة الدورية للحمل متاحة لفاطمة، المقيمة في قرية بني مزار في محافظة المنيا، لعدم وجود طبيب في القرية باستثناء طبيب الوحدة الصحية والذي تصفه بأنه شاب حديث التخرج بلا خبرة كافية.
مع بداية الحمل شعرت فاطمة بحكة في المهبل. وهنا كررت الوصفة الطبية التي صرفت لأختها الأكبر وتناولت دواء “فلوكورال” والذي كررته بدون استجابة. ومع بداية الشهر الخامس لحملها استشارت طبيباً في المدينة وصف لها حبوب “ديفلوكان” وبعد الولادة فوجئت أن رضيعها “عبد الرحمن” مصاب بعدوى ميكروبات ” كليبسيلا”، التي كانت تعاني منها مما تطلب حصوله على جرعة مضاد حيوي مكثفة. وذهُلت فاطمة عندما أبلغها أطباء أن مضادات الفطريات المهبلية التي تناولتها غير مسموح للحوامل بتناولها.
ما حدث لفاطمة وطفلها عبد الرحمن، حالة متكررة وفقاً لما ذكره دكتور أخصائي الأطفال حديثي الولادة في مستشفى كفر الشيخ العام، أحمد شرابي.
يقول شرابي، “هذه الحالة متكررة بسبب المنظومة العامة والصحية المفتقدة للنظافة والعامرة بالكثير من التلوث، والأكثر شعوراً بهذه المشكلة أي شخص مقيم خارج مصر إذ يصاب أطفاله بالعدوى بعد وصولهم”. وأضاف أن التخلص غير الآمن من المخلفات والفضلات سبب رئيسي في انتشار العدوى. وقال أحمد، “إذا أُصيب طفل بنزلة معوية وإسهال وأُلقيت حفاضه المستعملة في القمامة ثم نزل البراز المصاب إلى الأرض وتحلل وتحول إلى تراب تطاير يطال الخضراوات والفاكهة والخبز المعروض في الشارع، أو تحول إلى تراب دهسته أحذية تدخلها إلى منازلنا، بكل ما تحمله من عدوى بكتيرية؛ هكذا تنتشر العدوى بكل بساطة”. “ونتيجة للسرعة الشديدة التي تنتشر بها العدوى فضلاً عن البيئة الملوثة يوصي الأطباء بمضادات حيوي قوية ومع تكرار الإصابة بالعدوى تتحور البكتيريا لتقاوم المضادات الحيوية، هذا بالإضافة إلى تغيير الجرعة باستمرار بدون إجراء مزرعة معملية والتسرع في تناول الدواء حتى لو كانت العدوى بسيطة ولا تحتاج مضاد حيوي”.
وهكذا تصبح الميكروبات أكثر شراسة فيولد الأطفال مصابين بعدوى انتقلت من الأم للطفل المولود في الغالب قبل موعده الطبيعي مصابا بعدوى “كليبسيلا” التي تنتقل من خلال الاتصال المباشر مع البكتيريا في الرحم أو أثناء الولادة عن طريق المهبل. وهنا يتطلب العلاج تناول جرعة مضاد حيوي مكثفة لمدة شهر على الأقل ويكون أمام الطبيب خيار صعب لإنقاذ حياة الرضيع مقابل تعريضه لخطر حدوث مشاكل في النمو عامة أو في السمع أو الإصابة بالفشل الكلوي.
كيف ومن ولماذا يجب ان نبذل جهدا أكبر؟
رسمياً لا يوجد حتى الآن جهود معلنه للقضاء على المشكلة في مصر، إلا أن دكتور جان جبور، الممثل الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في مصر كشف عن أن المنظمة بدأت العمل مع وزارة الصحة والسكان من أجل وضع خطة عمل وطنية. وأوضح جبور أنه “لا توجد مؤشرات عددية عن مستويات مقاومة المضادات الحيوية في مصر، لأن الرصد والأبحاث نحتاج فيها مجهود أكبر، ونحتاج للبحث العلمي للوقوف على واقع المشكلة في مصر”.
ولفت إلى أن دور “منظمة الصحة العالمية”، يتمثل في مساعدة الدول على وضع سياسات صحيحة لمواجهة مشاكلها الصحية، مضيفاً، “لسنا جهة مانحة ويمكننا المساعدة على إيجاد جهة مانحة إذا تطلب الأمر ذلك؛ لتأمين الموارد، وعبر وضع استراتيجية وطنية يمكن معرفة ما هو الدعم الذي يمكن تقديمه لمصر”.
وفقا “لمنظمة الصحة العالمية”، تتمثل خطورة تنامي مقاومة المضادات الحيوية في زيادة تعقيد وصعوبة جراحات وعلاجات معينة مثل زرع الأعضاء والمعالجة الكيميائية للسرطان والتدبير العلاجي للسكري والولادات القيصرية بدون توفر مضادات حيوية ناجعة للوقاية من حالات العدوى وعلاجها. وهكذا ترفع مقاومة مضادات الميكروبات تكاليف الرعاية الصحية بإطالة فترات البقاء في المستشفيات وزيادة الحاجة إلى العناية المركزة.
وتحدث مقاومة المضادات الحيوية بصورة طبيعية مع مرور الزمن عبر التحويرات الوراثية عادة، إلا أن سوء استخدام مضادات الميكروبات والإفراط فيها يزيد من حالات المقاومة، ولفتت “منظمة الصحة العالمية”، إلى أن الاستخدام المفرط والسيئ للمضادات الحيوية يشمل الحيوان أيضاً. حيث يتم إعطائها للحيوانات والأسماك في المزارع كمواد معززة للنمو. وتتواجد الميكروبات المقاومة للمضادات الحيوية في الأغذية والبيئة (الماء والتربة والهواء)، ويمكن انتقالها بين البشر وبينهم وبين الحيوانات وخصوصاً مع ضعف برامج مكافحة العدوى وتدني ممارسات النظافة والصحة العامة.
ما الحل مع مشكلة تتفاقم؟
يحذر الأستاذ في برنامج علوم الطب الحيوي، في مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، الدكتور أيمن الشبيني، من تفاقم مشكلة مقاومة المضادات الحيوية عالمياً. وتوقع أن ترتفع الوفيات من حوالي 2.2 مليون شخص سنوياً حالياً إلى 10 مليون شخص عام 2050 نصفهم في أفريقيا. وأوضح الشبيني، أن “سوء الاستخدام أو الإفراط يدفع البكتيريا لمقاومة المضاد الحيوي نتيجة حدوث طفرات جينية للبكتريا. ويمكن للمستهلكين في مصر شراء المضادات الحيوية بسهولة بالغة دون وصفة طبية وغالبا يتم ذلك مع الإصابة بنزلات البرد رغم أن المضاد الحيوي ليس فعالاً ضد الفيروسات التي عادة ما تسبب نوبات البرد”.
وانتقد الشبيني، عدم إتباع منهج علمي في وصف المضاد الحيوي وتغيير نوعه في حالة عدم فعاليته علاوة على عدم استكمال جرعة العلاج في بعض الأحيان والانتقال من علاج لآخر. وأضاف الممثل المقيم لمنظمة الصحة العالمية في مصر، جان جبور، في حوار مع “درج”، أن “الممارسات المجتمعية الخاطئة وعدم الالتزام بتعليمات الطبيب أو الصيدلي أمر يتكرر في عدة دول عربية”.
وعن الأكثر تأثراً بمشكلة مقاومة المضادات الحيوية، أوضح الشبيني، أن “مرضى السرطان مهددون بسبب ضعف مناعتهم في فترة العلاج الكيميائي، مما يزيد من خطر العدوى البكتيرية التي يمكن أن تقتل المريض إذا كانت من النوع المقاوم للمضادات الحيوية”.
ويرى أمين عام نقابة الأطباء، دكتور إيهاب الطاهر، في اتصال مع “درج”، إن “للمشكلة ثلاثة جوانب، تناول المواطنين المضادات الحيوية دون وصفه طبية؛ صرف الصيادلة مضادات حيوية دون وصفه طبية أو وصفها بأنفسهم، والجانب الثالث متعلق بالأطباء حيث يتقاعسون عن القيام بإجراءات إضافية (تحديدا مزرعة بكتيرية)، من أجل تحديد دقيق لنوع البكتيريا من أجل تحديد نوع المضاد الحيوي المناسب أو جرعته”. ودعا الطاهر، الى أن تقوم وزارة الصحة بوضع برتوكول للتعامل مع المضادات الحيوية ملزم لكل المنشآت الطبية بمشاركة نقابتي الأطباء والصيادلة، فضلاً عن تنظيم حملات توعية المواطنين.
في المقابل يدعي وكيل نقابة الصيادلة، دكتور مصطفى الوكيل، أن “الحل في إصدار قرارات وزارية تؤكد على تفعيل الاسم العلمي وليس الاسم التجاري لصرف الدواء، وهو ما تحاربه شركات الأدوية لأنه قد يؤثر على أرباحها”.
وبين مصالح أصحاب الصيدليات وشركات الأدوية وممارسات الأطباء والمرضى المضرة والمتساهلة حيناً والجاهلة أحياناً أخرى، هل تتحول مصر ودول مشابهة لبؤر تهديد بكتيري مرعبة نعود فيها الى أوائل القرن العشرين قبل اكتشاف البنسيلين أم ينقذنا اكتشاف طبي آخر لمضاد حيوي أقوى؟
الأمل الأفضل، ربما، هو أن تتغير السلوكيات الفردية والقواعد الحكومية المنظمة بحيث نقلل من سرعة وخطورة تحور البكتيريا وتغلبها على المضادات الحيوية الموجودة وحتى لا نظل ندور في حلقة مفرغة بين مضاد حيوي أقوى وبكتيريا تصارعه حتى تصير أقوى، وهي حلقة تسيطر عليها شركات الأدوية ومراكز البحث العلمي الغربية. وهي أيضاً حلقة لا يبدو أن مساعدة أكبر قدر من المرضى العاجزين عن دفع ثمن الأدوية الجديدة هو الدافع الرئيسي لاستمرارها.

[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد فارس – صحافي سوري
كان يُمنع على أحد أن يقترب من غرفته باستثناء الحراس والمحققين وطبيب يعاينه لعشر دقائق صباحاً. أما الحراس الآتون من “الخطيب” ومن إدارة المخابرات الجوية، فكان “صفعهم إياي أمراً طبيعياً لهم”.
Play Video
للمودعين.. ولمصلحة من؟ تابعوا أرقام وتفاصيل أكثر مع أسعد ذبيان

1:52

Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني