fbpx

لحظات حاسمة في مسار حراك الشارع الجزائري

بعد قرابة 6 أسابيع من التظاهرات المناهضة لمنظومة حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، تحاول السلطة استرجاع المبادرة السياسية من أجل تجديد نفسها، بتخليها عن الوجوه التي صب الشارع غضبه عليها، وفرض خارطة طريق لفترة انتقالية تمكنها من تجاوز حالة الانسداد بأقل الأضرار.

بعد قرابة 6 أسابيع من التظاهرات المناهضة لمنظومة حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، تحاول السلطة استرجاع المبادرة السياسية من أجل تجديد نفسها، بتخليها عن الوجوه التي صب الشارع غضبه عليها، وفرض خارطة طريق لفترة انتقالية تمكنها من تجاوز حالة الانسداد بأقل الأضرار.

 

في خطاب ألقاه هذا الثلاثاء أمام قيادات عسكرية، اقترح رئيس أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح، تفعيل المادة 102 من الدستور، كحل للأزمة السياسية التي تواجهها الجزائر. ويعني تفعيل هذه المادة إقرار عجز رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة أو استقالته وإعلان حالة شغور منصبه مع انتهاء ولايته بحلول 28 نيسان/ أبريل المقبل.

يطرح هذا المقترح السؤال حول الجدوى من تفعيل هذه المادة الآن. ففي الحقيقة هو مطلب قديم للمعارضة التي نادت بعزل الرئيس وفقاً لأحكام الدستور مراراً و تكراراً، بسبب مرضه وغيابه الذي تواصل لسنوات. أما وقد انتهت عهدته، فتفعيل هذه المادة التي تقضي بتنظيم انتخابات خلال ثلاثة أشهر سيعطي للنظام الذي يطالب الشارع الجزائري بتغييره فرصة فرض مرشح بديل لعبد العزيز بوتفليقة وإعادة ترتيب بيته بما يضمن استمراريته. فعلياً، هي مهلة غير كافية لمناقشة إصلاح قانون الانتخابات والترتيب لانتقال ديموقراطي. وإذ برر قايد صالح مقترحه بضرورة حل الأزمة بالأطر الدستورية والمؤسساتية الموجودة، فهذا يعني أيضاً، تنظيم الانتخابات بواسطة المنظومة الإدارية والقانونية القائمة والتي لطالما نتج عنها فوز مرشح النظام.

لاقى مقترح قائد الجيش ردود فعل متضاربة، فمن الأحزاب من ثمن المقترح واعتبره أجدى من إطالة الفترة الانتقالية، وقال آخرون إن هذا غير كاف لحل الأزمة، بينما رفضته وجوه سياسية أخرى واصفة إياه بمحاولة لتمديد حكم بوتفليقة بحكم آجال تطبيق هذه المادة من الدستور وهو الشيء الذي يناهضه الحراك الشعبي بشدة.

رأت “حركة مجتمع السلم” (الاخوان المسلمون) أن ” الاكتفاء بالمادة 102 لا يتيح تحقيق الإصلاحات بعد الشروع في تطبيقها ولا يسمح بتحقيق الانتقال الديموقراطي والانتخابات الحرة والنزيهة”، مشددة على “ضرورة اكتفاء المؤسسة العسكرية بمرافقة الوصول إلى الحل السياسي والتوافق الوطني والمحافظة على مدنية الدولة”. وذكرت بـ”ضرورة اتخاذ إجراءات من شأنها أن تحقق مطالب الشعب الجزائري في حال تطبيق المادة 102″. ودعت إلى مواصلة الحراك الشعبي لضمان تجسيد الإصلاحات ومطالب الشعب.

من جهة ثانية، رحب التجمع الوطني الديموقراطي الذي يرأسه الوزير الأول المعزول أحمد أويحيى بمقترح الجيش في بيان، وقال إن من شأنه ” تجنيب البلاد حالة الانسداد”، مثمناً ما وصفه بـ “حرص الجيش على سلامة الجزائر وتسييرها في إطار الدستور”، كما أوصى الرئيس بوتفليقة بـ” الاستقالة من أجل تسهيل دخول البلاد في المسار الانتقالي المحدد في الدستور وفقاً للمادة 102″ المقترح تفعيلها من طرف رئيس أركان الجيش و” تعيين عاجل لحكومة من طرف رئيس الجمهورية لتفادي الوقوع في أي فراغ أو تأويلات حول الجهاز التنفيذي في هذه المرحلة الحساسة”.

وأكد الجنرال المتقاعد والمرشح لانتخابات 18 نيسان الملغاة، علي غديري أن “تطبيق المادة 102 من الدستور، وإن جاء متأخّرًاً، يبقى المسلك الوحيد للخروج من الأزمة في إطار قانوني محض. ويقع في منظورنا، على المؤسسات التي لا تزال فاعلة لوضع الآليات المرافقة والضرورية، لتقليص آجال تنفيذ العمليات المؤدية إلى إجراء الانتخابات الرئاسية، من جهة، والسماح للمجتمع المدني بأن يكون طرفاً فعلياً في العملية الانتخابية، من جهة أخرى”.

اختبار جدي لصدقية قائد الجيش

أضاف علي غديري أنه “حتى يكون لتطبيق المادة 102 تأثير إيجابي على مجريات الأمور وتتمكن من تخفيض حدّة الميول المتطرّفة، ينبغي اعتبار تاريخ انسحاب الرئيس من الترشح هو تاريخ وقوع المانع واعتباره نهائياً من البداية، وذلك بعد قرار من مختصين في الميدان باستحالة الشفاء”، محذراً من تفاقم الأزمة: “في كل حال، يجب بذل كل الجهود للاستجابة بصفة عقلانية لمطالب الشعب. بهذا، سنحول دون أن تأخذ الأزمة حجماً من شأنه أن يجعلها غير قابلة للتسيير ولا للمواكبة”.

واعتبر المحامي مصطفى بوشاشي وأحد أصوات الحراك الشعبي المؤثرة تطبيق المادة 102 من الدستور شيئاً متأخراً وفيه مخاطر. قال بوشاشي إننا في الجزائر “نتصرف منذ مدة خارج الإطار الدستوري واللجوء إلى الدستور مع انتهاء عهدة الرئيس محاولة للالتفاف على الإرادة الشعبية المعبر عنها في التظاهرات”. وخلص إلى أن هذا المقترح يؤكد أن ” ليس هناك نية من طرف السلطة للذهاب إلى ديموقراطية حقيقية”، شارحاً أنه ” من حيث الشكل، ليس لقائد أركان الجيش اقتراح تطبيق المادة من الدستور بل هو من اختصاصات المجلس الدستوري”. وأسهب بوشاشي قائلاً: “من غير المعقول أن يحكم من أفسدوا الوطن ومن نطالب برحيلهم هذه الفترة الانتقالية. ففي حال تفعيل هذه المادة سيتولى رئيس مجلس الأمة (الغرفة العليا للبرلمان) رئاسة الدولة في حال حصول مانع لرئيس مجلس الأمّة، يتولّى رئيس المجلس الدستوري مهمات رئيس الدّولة. وستنظم الحكومة الحالية الانتخابات وكلهم من رموز هذه المنظومة”.  ‬

لم يعلق المجلس الدستوري الذي يرأسه الطيب بلعيز، أحد أقرب المقربين من الرئيس بوتفليقة، على مقترح رئيس أركان الجيش بعد، كما أن هذا الخيار يتطلب خطوات أخرى من شأنها إعطاء ضمانات لطمأنة الشارع والطبقة السياسية على حد سواء، كتشكيل لجنة مستقلة لتنظيم الانتخابات وحكومة لتصريف الأعمال. ويتخوف مصطفى بوشاشي والكثير من نشطاء الحراك الشعبي من مناورات السلطة التي يتحكم بزمامها اليوم قادة المؤسسة العسكرية. كما يؤشر التلويح بتفعيل المادة 102 من الدستور، إلى تدهور صحة الرئيس  أكثر مما هي متدهورة وإلا لما جاء الإعلان من مقر الناحية العسكرية الرابعة، على بعد 800 كيلومتر عن مكتبه وبكل ثقة. وكأن هناك إجماعاً في هرم السلطة على ضرورة إبعاد بوتفليقة وكل الوجوه التي يرفضها الشارع وإنقاذ منظومة الحكم بتغيير واجهتها.

في هذا السياق وبحسب بعض التسريبات، تراهن أقطاب السلطة على الرئيس السابق ليامين زروال (1995-1999)، من أجل تسيير المرحلة الانتقالية بتكليفه برئاسة مجلس الأمة، بعد تعيينه في قائمة الثلث الرئاسي غير المكتملة، وبالتالي خلافة بوتفليقة بالنيابة لدى الإقرار بشغور منصبه. لم يكن ليامين زروال بالرجل الفاسد، ولم يطالب بفترة حكم غير منتهية، بل تنحى قبل انتهاء ولايته، حتى أنه يعيش اليوم ببساطة في مسقط رأسه في باتنة وسط الناس ويعتقد من يراهن عليه أنه شخص مقبول يحظى بالاحترام والتقدير، وبإمكانه إسكات الكثير من الأصوات المناوئة. و بما أن جزءاً كبيراً من النخب السياسية لا يمانع تفعيل المادة 102 من الدستور، فتقديم تنحية أويحيى ثم بوتفليقة كمكسب للحراك الشعبي أو انتصار لمطالبه، من شأنه التخفيف من حدة التظاهرات وتسهيل فرض خارطة طريق تمكن السلطة من تجاوز حالة الانسداد الراهنة بأقل الأضرار. في كل الأحوال، ستكون التظاهرات المقبلة بمثابة اختبار للخطوات المعلن عنها بشكل رسمي أو بشكل غير رسمي ومؤشراً لمنحى القبضة الحديدية بين السلطة والمتظاهرين في الشارع. وإن توقع مصطفى بوشاشي أن يكون رد فعل الشارع بتعبئة أضخم من سابقاتها، فسيكون ذلك معياراً لصدقية رئيس أركان الجيش لدى الشارع الجزائري وصلابة موقعه السياسي، على رأس المؤسسة العسكرية، لمواجهة ما ينتظره في الفترة الانتقالية المفتوحة.  

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني