fbpx

فخري باشا شخصية بيننا

السجال حول حقيقة الدور الذي أداه الوالي العثماني الأخير على المدينة المنورة وحقيقة أو زيف تهجيره، سكانها واضطهادهم، امتد ليصل إلى ما فعله أجداد الوزير الإماراتي وأسلاف الرئيس التركي، ما يشير إلى الممارسة المعتادة في توسل التاريخ ساحة للصراع السياسي الراهن.

فخري باشا أو فخر الدين باشا، هو آخر موضوع خلاف بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووزير خارجية الإمارات العربية المتحدة عبد الله بن زايد. وكل محاولة لوضع المسألة في نصابها التاريخي ستكون جهداً ضائعاً لا طائل تحته.
السجال حول حقيقة الدور الذي أداه الوالي العثماني الأخير على المدينة المنورة وحقيقة أو زيف تهجيره، سكانها واضطهادهم، امتد ليصل إلى ما فعله أجداد الوزير الإماراتي وأسلاف الرئيس التركي، ما يشير إلى الممارسة المعتادة في توسل التاريخ ساحة للصراع السياسي الراهن.
ويسع أي مهتم أو باحث العثور على روايات دقيقة عن الأوضاع في شبه الجزيرة العربية عشية الحرب العالمية الأولى، وأثناءها وبعدما وضعت أوزارها، وأن يبني بالإستناد إلى قراءاته، تصوره الخاص للأحداث وتقييمه لشخصية فخري باشا وما اذا كان بطاشاً مجرماً أو قائداً شريفاً وجد نفسه وقواته في حصار لا يرحم. استعادة سريعة لصورة المنطقة غداة اندلاع الحرب تكفي لرسم خريطة شديدة التعقيد للصراعات والانقسامات. في شرق شبه الجزيرة كانت الحرب المديدة بين آل رشيد وآل سعود تقترب من نهاياتها بغلبة الأخيرين.
وفي الغرب حاول الشريف حسين بثورته العربية الكبرى، انتزاع المدينة المنورة من السلطنة العثمانية بعد اعلانه الثورة في مكة، أي السيطرة على الحرمين الشريفين وهما من أسس الشرعية الدينية لأية امبراطورية إسلامية منذ الخلافة الراشدة. مساندة البريطانيين للشريف حسين ثم لابنه فيصل وتعدد القوى التي أيدت الانتفاضة ضد الاتراك في الحجاز، زاداً الأمور تعقيداً حيث كانت تربط كل طرف من الأطراف علاقات مد وجزر مع الطرف الآخر.
على هذه الخلفية ظهر فخري باشا كممثل لإمبراطورية آفلة، رُسم مصيرها منذ زمن وتأخر تحقيقه على ارض الواقع لأسباب تتعلق بمصالح الغرب الذي كان لم يقرر بعد كيفية إدارة ما تبقى من أراضي السلطنة وماذا يفعل بالأقليات وخصوصاً المسيحيين.
حكمت هذه الظروف والمعطى الميداني الآني سلوك فخري باشا، ناهيك عن السياسات التي كانت قد تبنتها اسطنبول منذ وصول “الاتحاد والترقي” إلى السلطة الفعلية وجعلها السلطان حاكماً اسمياً للبلاد، في 1908.
عليه، يكون اختزال الوزير الإماراتي ما فعل الوالي العثماني أو ما لم يفعل، باعتباره سياسة تركية معادية للعرب وللإسلام تعود إلى مئات السنين، من باب القفز عن الوقائع لتبني رواية إيديولوجية. الشيء ذاته فعله الرئيس التركي لكن من الجهة المعاكسة، بتصويره التاريخ العثماني كوحدة متجانسة ظلت قيمها وأعمالها وادارتها وسلوك موظفيها على القدر ذاته من التماسك والسمو طوال فترة حياتها التي تزيد عن خمسة قرون.
بداهة أن القراءتين التاريخيتين. منطق الدولة العثمانية التي كانت ترى في نفسها استمراراً للخلافة الإسلامية، يحتم عليها التمسك بالمدينة المنورة بعد خسارة مكة، ولو بالنواجذ وإلا تكون فقدت شرعيتها التي عليها يؤسس السلطان التركي صفته كخليفة للمسلمين، حتى بعد وصول الضباط الشباب الى الحكم في عاصمته وحتى لو كان المهاجمون من أهل الحجاز ومن أصحاب الأرض. في المقابل، يعرف أردوغان، قبل غيره ربما، أن ما تبقى من السلطنة عشية الحرب العالمية والأولى وأثناءها كان بالكاد يشبه ظلاً هزيلاً لما كانت عليه في أيامها الأولى. وإلا لماذا خسرت كل ممتلكاتها في البلقان والقوقاز وآخرها خسارتها لليبيا لمصلحة إيطاليا قبل عامين من اندلاع الحرب؟ هذا الظل هو ما أسفر عنه الفشل العام في الإدارة والسياسة وتحديث التمثيل العام والعلاقات مع الأقليات، وهو المسار الذي وسم القرنين الأخيرين من عمر السلطنة على الأقل وأطنب المؤرخون، الأتراك قبل غيرهم، في شرحه وتحليله.
ينتقد عبد الله بن زايد، السياسة التركية في المنطقة عبر التصويب على شخصية فخري باشا، فيرد أردوغان بقراءة مبتسرة للماضي باعتباره مقدمة لما سيكون في المستقبل إذا استعادت تركيا مكانتها الإمبراطورية.
فـ “كأننا والماء من حولنا، قوم جلوس حولَهم ماء”، على ما قال الشاعر الساخر ابن سودون.

[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الأمر الوحيد الذي بقي أمام من يسعى إلى تخيل “ما بعد لبنان” هو أن يغادر اللبنانيون كلهم هذه المساحة بقوارب صغيرة وكبيرة، وأن ينجو بعضهم ويموت بعضهم الآخر، وهذا ما يحصل عملياً، وفي هذا الوقت سيكون سهلاً على الثنائي الشيعي أن يفوز بوزارة المالية…
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني