fbpx

في تحقيق خاص لForeign Policy :”الإمارات توظف ضباطاً استخباراتيين أميركيين سابقين لبناء إمبراطورية تجسس في الخليج”

ديسمبر 28, 2017
ليس بعيدًا عن ميناء زايد، في شمال شرق أبوظبي، داخل أسوار فيلا حديثة التجهيز من الطراز الخليجي المميز، يوجد في أحد أطرافها حمام سباحة أنيق، ويقوم موظفون غربيون بتعليم الإماراتيين أدوات وتقنيات التجسس الحديثة.

بقلم جينا مكلوفلين
ليس بعيدًا عن ميناء زايد، في شمال شرق أبوظبي، داخل أسوار فيلا حديثة التجهيز من الطراز الخليجي المميز، يوجد في أحد أطرافها حمام سباحة أنيق، ويقوم موظفون غربيون بتعليم الإماراتيين أدوات وتقنيات التجسس الحديثة.
يبدأ يومهم بالأساسيات، تُدشن ندوة في الساعة العاشرة صباح يوم الأحد تحت عنوان “ما هي الاستخبارات؟” وفي يوم الخميس، يتعلم المجندون كيفية العمل في فرق مراقبة مشكلة من  4 إلى 6 أفراد، وعلى مدار الأسبوع الأول، يشاركون في عمليات استكشاف من نوعية البحث عن الكنز، تهدف إلى صقل مهاراتهم في حل المشاكل.
وفي الأسابيع التالية، يتواصل التدريب في مراحل أكثر تقدمًا، فيتدرب الطلاب على  مهارات إنشاء هويات التمويه لاستخدامها عند حضور الحفلات التي تحضرها الشخصيات الدبلوماسية، ويتم تلقينهم كيفية التعامل مع المصادر الاستخباراتية، ومشاهدة تمثيليات حول كيفية تجنيد المصادر الليبية.
يتدرب المجندون الإماراتيون أيضًا في موقع آخر، على بعد حوالي 30 دقيقة خارج مدينة أبوظبي، يطلق عليه اسم “الأكاديمية”،  مجهز بساحات التدريب على إطلاق النار والثكنات ودورات قيادة  المركبات، وهي تذكرنا بـ “مزرعة” وكالة المخابرات المركزية في كامب بيري، وهي منشأة خاصة بالتدريب تقع في جنوب شرق فيرجينيا .
وترد تفاصيل التدريب في جدول مقرر رسمي، تمت مراجعته من قبل Foreign Policy ، ووصفه مسؤولون سابقون في المخابرات الأمريكية ممن شاركوا في هذه المهمة. وتشكل المرافق والدورات جزءاً من جهود الإمارات العربية المتحدة، الرامية إلى إنشاء كادر استخباراتي محترف على غرار النموذج الغربي.
وقد قال موظف سابق لمجلة FP، “كانت مبالغ  مذهلة من المال، كُنا نتقاضى 1000 دولار في اليوم – يمكنك أن تقيم في فيلا أو في فندق خمس نجوم في أبو ظبي”.
وفقًا لمصادر عديدة، يعدُ لاري سانشيز، الضابط السابق في جهاز المخابرات، الشخصية الرئيسية  وراء هذه العملية التدريبية المتعاظمة في مجال الاستخبارات، وسبق أن ساعد سانشيز في انطلاقة شراكة مثيرة للجدل بين وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه)، وقسم شرطة نيويورك، في محاولةٍ لمنع الإرهابيين المحتملين النزوع إلى التطرف، من خلال رصد حركاتهم، والكثير منهم من المسلمين، في المساجد والمكتبات، وأماكن أخرى في جميع أنحاء نيويورك.
عمل سانشيز، وهو من قدامى العاملين في الخدمات السرية لوكالة الاستخبارات المركزية،  لدى ولي عهد أبوظبي في الإمارات العربية المتحدة على مدى السنوات الست الماضية، لبناء أجزاء كبيرة من أجهزة الاستخبارات من القاعدة إلى القمة، حسب ما ذكرته ستة مصادر على علم بهذه المسألة لمجلة FP.
لكن سانشيز في الواقع، ليس سوى  واحداً من مجموعة كبيرة من الخبراء الغربيين السابقين المتخصصين في مجال الأمن، ممن  توجهوا إلى هذه الدولة الخليجية لتوفير التدريب الأمنى. وكان إريك برنس مؤسس “بلاك ووتر”، قد انتقل إلى الإمارات العربية المتحدة لإنشاء كتيبة تتألف من القوات الأجنبية تعمل لصالح ولي العهد، وهو سبق أن نشر تفاصيل القضية على صحيفة نيويورك تايمز لأول مرة في عام 2011، فضلًا عن ريتشارد كلارك، قيصر مكافحة الإرهاب سابقًا بالبيت الأبيض، الذي يعمل هو أيضا مستشارًا كبيرًا لولي عهد أبوظبي بصفته الرئيس التنفيذي لشركة غود هاربور الاستشارية للمخاطر الأمنية.
اعتماد دولة الإمارات العربية المتحدة على الأجانب لبناء مؤسساتها الأمنية ليس بالأمر الجديد، غير أن هذه الدولة الخليجية، حاولت عادة  إبقاء تفاصيل تلك المساعدة بعيدًا عن نظر ومسمع مواطنيها والرأي العام عمومًا، وعندما يتعلق الأمر بتدريب عمليات الاستخبارات الوليدة، فقد أحكمت قبضتها بشكل كبير لتفادي تسريب تفاصيلها. إلا أن استخدام موظفي المخابرات الأميريكية السابقين لبناء قدرات التجسس الدول الأجنبية ما يزال مجالًا جديدًا.
يُعد دورُ سانشيز في صوغ مخطط لعملية الاستخبارات في دولة الإمارات العربية المتحدة، وتركيبها من الصفر، بمثابة مؤشر على مدى نجاح المتعاقدين في بيع مهاراتهم الأمنية المكتسبة، عبر عقود قضوها في الجيش الأميريكي ومجتمع الاستخبارات، ومثل هذا النوع من العمل يثير الآن مسائل قانونية لاسيما في الوقت الذي تكافح فيه الحكومة الأميركية من أجل تحديد الكيفية التي تحكمُ بها القوانين مسؤولي الاستخبارات ذوي التدريب المتميز، الذين يبيعون مهاراتهم الأمنية لدول أجنبية. هذا وقد ورفض سانشيز التعليق على قائمة طويلة من الأسئلة وجهتها له  FP.
ووصف ستة مسؤولين سابقين في المخابرات، كيفية سير عملية التدريب إلى FP ، لكنهم طلبوا عدم الكشف عن هويتهم لمناقشة عمليات الاستخبارات الحساسة، وذلك من أجل حماية الأصدقاء والزملاء الذين ما زالوا يعملون في الإمارات العربية المتحدة، والحفاظ على حظوظهم للتوظيف في المستقبل.
وأعرب اثنان من الذين تمت مقابلتهم عن مخاوفهم مما إذا كانت الشركة تملك تراخيص مناسبة لهذا النوع من التدريب المتقدم، خاصة وأن المنطقة شهدت وصول مدربين دوليين آخرين إلى مسرح الأحداث.
وما يثير مزيداً من القلق بالنسبة للموظفين، هو أن الشركة الإماراتية دارك ماتر التابعة للحكومة، التي تشارك الآن في إدارة العقد، تخضع حاليا للتحقيق من قبل مكتب التحقيقات الفدرالي.
وأبلغ مكتب التحقيقات الفدرالي مجلة FP بأنه لا يعلق على التحقيقات الجارية.
وحتى إن تباينت وجهات نظر الموظفين السابقين حول ما إذا كان التدريب فعالًا، وقانونيًا، ويخدم مصالح الولايات المتحدة، إلا أنهم يجمعون على أن عملية إنشاء متعاقدين خاصين، لجهاز استخبارات أجنبي، لم يسبق لها مثيل على الأرجح. وكان “الحلم” الذي يراود أصحابه، مثلما أوضحه أحد المصادر، هو مساعدة الإمارات العربية المتحدة على إنشاء وكالة مخابرات مركزية خاصة بها.
مسار طريق لاري سانشيز من مقر وكالة المخابرات المركزية في لانغلي، فيرجينيا، إلى أبو ظبي، مر عبر نيويورك. إذ عمل سانشيز خلال فترة طويلة من حياته المهنية في وكالة المخابرات المركزية، كعميل سري يعمل تحت غطاء في وكالات ومنظمات أخرى. ولكن في عام 2002، بعد فترة وجيزة من هجمات 11 سبتمبر/ايلول الإرهابية، أرسل جورج تينيت، مدير المخابرات المركزية آنذاك ، سانشيز للعمل في نيويورك مع ديفيد كوهين، نائب مفوض المخابرات في قسم شرطة نيويورك.
وكان يوجد بالفعل صلة غير رسمية بين وكالة المخابرات المركزية وقسم شرطة نيويورك، و كان كوهين يشغل أيضًا منصب نائب مدير العمليات السابق في الوكالة. وفي نيويورك، كان سانشيز يتولى مهام إنفاذ القانون مستندًا إلى معلومات آنية حول تنظيم القاعدة. وقامت شرطة نيويورك، بدورها، بإيفاد هي أيضا ضباط لاختراق رواد المساجد والمجتمعات الإسلامية، فضلًا عن أي أماكن أخرى، بناء على معلومات من  مخبرين، يرجح نزوع قاطنيها إلى “التطرف”، وكان الهدف من كل هذه العملية منع تكرار هجوم آخر على غرار ما حدث في 9/11.
وفي الوقت الذي كان سانشيز يعمل بقسم شرطة نيويورك، كان لهذا القسم  أيضًا علاقة آخذة في التوسع،  وعلى نحو غير عادي، مع دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي عام 2008، وقع قسم شرطة نيويورك وحكومة الإمارات العربية المتحدة صفقة لتبادل المعلومات الاستخباراتية، أنشأت شرطة نيويورك بموجبها فرعًا لها في أبوظبي. وقد منحت دولة الإمارات العربية المتحدة أيضًا مؤسسة شرطة مدينة نيويورك مليون دولار، لصالح قسم الاستخبارات في عام 2012، وتم تقديم هذه الأموال لتمكين “قسم شرطة نيويورك من نشر رجال مباحث في جميع أنحاء العالم، للعمل مع مصالح إنفاذ القانون المحلي، والتنسيق معهم في كل الحوادث المتعلقة بالإرهاب”، بحسب كشف الضرائب العامة .
وأثناء ولايته في نيويورك، طوّر سانشيز “علاقة مستمرة” مع مسؤولين إماراتيين رفيعي المستوى، من بينهم الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حاكم إمارة أبو ظبي، وفقًا لمصدر سابق في جهاز إنفاذ القانون. وقال المصدر، “لم يكن الإماراتيون على دراية بـ” عالم الاستخبارات”، فتوجه إليهم سانشيز وخاطبهم قائًلا “أصغوا إلي، لن أكون مثل تلك الهيئات الأمريكية الأخرى التي تأتيكم ثم تغادر، أنا سأكون هنا بجانبكم معكم في كل وقت. يمكنكم الاتصال بي في الساعة 3 صباحا، وستجِدونني هنا “… وهكذا فاز بثقتهم من خلال التأكيد لهم على التزامه لهم”.
وحتى لما كان سانشيز يرسخ علاقته مع دولة الإمارات العربية المتحدة، كان عمله قيد التمحيص والمراقبة في الولايات المتحدة، ولم يكشف التحقيق الذي أجراه مفتش وكالة المخابرات المركزية لعام 2011 عمل من داخل قسم شرطة نيويورك، أي انتهاكات محددة للقانون، لكنه خلص إلى أن صورة التقارب المبالغ فيه بين أكبر وكالة تجسس خارجي للدولة وقسم الشرطة المحلية للأمن القومي، من شأنه أن يقوض ثقة الجمهور في هذه الأجهزة.
أدى الكشف عن هذه العلاقات وطبيعتها إلى احتجاجات عامة كبيرة من منظمات الحريات المدنية التي تناضل من أجل حماية الخصوصية ما بعد 9/11، وقدمت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تبريرها باعتبار أن دعمها لا يشكل تجسسًا على الأمريكيين، دون  أن يقتنع المدافعون عن الحقوق المدنية بهذا التأكيد من الوكالة.
وقال جنجر ماكول، مدير مشروع الحكومة المفتوحة لِمركز معلومات الخصوصية الإلكترونية، لصحيفة التايمز “لا يحِقُ لوكالة المخابرات المركزية الانخراط في نشاطات المراقبة الداخلية”.
ومع استقرار الأمر وانقشاع سُحب التوتر وقرار وكالة الاستخبارات المركزية إنهاء برنامجها في قسم شرطة نيويورك، كان سانشيز في طريقه إلى دول الشرق الأوسط.
وعندما تعرض البرجان التوأمان في نيويورك في عام 2001 لهجوم إرهابي، وجدت دولة الإمارات نفسها في حالة هلع من الإرهاب الدولي، خاصة وأن هذه الدولة الخليجية قد استُخدمت كمركز عبور من قِبل الإرهابيين، وكان اثنان من خاطفي الطائرات من جنسية إماراتية. وقال جون ألترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، أن تلك الهجمات كانت بمثابة نقطة تحول بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة.
مضيفًا “لقد دفعهم ذلك إلى القيام بعدد من الأمور التي تتعلق بتنظيمات دينية داخل دولة الإمارات العربية المتحدة، ولكن أيضًا على جبهة الأمن القومي الواسعة، وكان هناك دائمًا قلق بشأن الأمن القومي، لكن في اعتقادي، أن هجمات 11 سبتمبر/ايلول، زادت كثيرا من حدته فعلًا “.
كانت دولة الإمارات العربية المتحدة ترغب في بناء هياكلها الاستخباراتية، وفي بحثها عن المساعدة، اتجهت  إلى الدول الغربية. ودأب المسؤولون الإماراتيون تاريخيًا على استنساخ، قدر المستطاع، نموذج الهياكل الأمنية الغربية، ومن ثم، عندما حزمت أمرها لصِياغة استراتيجيتها الدفاعية، قامت باستعراض نماذج أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة ودول غربية أخرى.
غير أن الجانب السلبي الكامن في هذه المقاربة، هو أن دولة الإمارات العربية المتحدة قد اشترت الاستراتيجيات، ووضعت أجزاءها جنبًا إلى جنب دون تناسق، وغالبًا في غياب رؤية مركزية وخطة مدرسة، وفقًا لمصادر مطلعة على تلك الخطط.
خلال فترة إقامة سانشيز في الإمارات العربية المتحدة، شهدت البلاد تعاظم وجود غربي ملحوظ يشارك في التدريب الاستخباراتي. لقد عملت كل من الاستخبارات العسكرية الأسترالية والبريطانية هناك أيضًا، غير أن الفارق هو أن سانشيز استفاد من علاقته الشخصية مع العائلة الحاكمة، وعمقها خلال سنوات عمله في مصلحة مكافحة الإرهاب في مدينة نيويورك. وقد قدمت الحكومة الأمريكية في بعض الأحيان المساعدة مباشرة إلى دولة الإمارات. في عامي 2010 و 2011، عندما قام الإيرانيون ببناء قدراتهم على الهجمات الإلكترونية، أجرى مسؤولون حكوميون أمريكيون ومتعاقدون في الدفاع زيارة إلى الإمارات العربية المتحدة، للمساعدة على تدريب الإماراتيين في مجال الأمن الرقمي والعمليات الإلكترونية الهجومية.
وفي الوقت الذي أيدت الحكومة الأمريكية بشكل عام جهود دول الخليج لبناء كادر خاص بها،  بمساعدة من الولايات المتحدة، سمحَ كبار المسؤولين في الدولة، للمواطنين الأمريكيين بالمشاركة في العمليات السيبرانية الهجومية، أي شن الهجمات.
وفي أواخر عام 2011، ساعد متعاقدون ومستشارو الحكومة الأمريكية في إنشاء في دولة الإمارات العربية المتحدة ما يناظر وكالة الأمن القومي للولايات المتحدة، التي تم تغيير اسمها إلى الهيئة الوطنية للأمن الإلكتروني، والآن وكالة إشارات الاستخبارات.
وقد شاركت الولايات المتحدة في كل شيء من المساعدة في اختيار موقعٍ آمنٍ يتيح الوصول إلى الطاقة والتوصيل بالألياف، إلى تحديد ما هي المباني التي ستُعتبر عمومية، والتي تكون سرية، وفقا للوثائق والشرائح التي اطلعت عليها  FP عن طريق مسؤول سابق في المخابرات.
وفي نفس الوقت تقريبًا، وصل سانشيز وفريقه وشرعوا في تدريس تقنيات المراقبة الداخلية. وقد بدأ سانشيز، بصفته رئيس لشركة متعاقدي الاستخبارات، شبه السرية  CAGN Global المحدودة، التي يقع مقرها في بالتيمور، عمليات تكوين فريق مشكل في معظمه من ضباط إنفاذ القانون، ومسؤولين مخابرات غربيين متقاعدين، وجنود سابقين، لتدريب الإماراتيين على كيفية القيام بمهام التجسس وتنفيذ عمليات شبه عسكرية.
وقد تطور البرنامج التدريبي، الذي بدأ كعملية إرشاد وتوجيه بسيطة، مع قيادة الإمارات، ونما بشكل أسرع مما كان يتوقعه أي شخص مشارك في البرنامج، وأصبحوا يعتمدون بشكل كبير على سانشيز، لدرجة أنهم طلبوا منه أن يؤسس جميع وكالات الاستخبارات الرئيسية.
تم تقسيم هذه الدورات، التي صُمِم بعضها على نمط دروس تدريب وكالة المخابرات المركزية، إلى أقسام مختلفة، تشمل “خط تزويد المعلومات الأساسية” يتضمن معسكر تدريب فوري، إلى جانب مهارات تحرير التقارير، واستخلاص المعلومات، وتسجيل الملاحظات، وبرنامج “خارجي” للاستخبارات الأجنبية، ودورة حول طرق تسيير مكتب التحقيقات الفدرالي/ إنفاذ القانون، ودورة شبه عسكرية، من بين أمور أخرى.
يشمل جدول التدريب الذي حصلت عليه FP “سباقات الأرنب”، حيث يأخذ المدرب معه مجموعة من الطلاب في مهمة مراقبة.
يُدربُ الطلاب على عدم لفت انتباه مدرب آخر، الذي يحاول التهرب منهم، ويدرسون أيضًا “فن المراقبة” وكيفية اكتشاف الأهداف المحتملة. وتكاد تشكل دورات المراقبة الخارجية نسخة طبق الأصل من تدريب “المزرعة” لوكالة المخابرات المركزية. وقال موظف سابق في شركة سانشيز ل FP “هذا بالضبط ما يدرسونه في المزرعة … إنها نفس المادة”. ووفقا لمصدر ثان مطلع على نمط عمل الشركة، فإن استخدام المدربين للمواد التي وضعت خصيصًا لدورات تدريب وكالة المخابرات المركزية، أثار في الواقع غضباً وتدقيقاً من قبل وكالة الاستخبارات المركزية، مما تسبب في مراجعة البرنامج الذي انتهى في نهاية المطاف في صالح سانشيز. ففي إحدى الدورات على سبيل المثال، يقوم ضباط دلتا فورس سابقون بتدريس المهارات شبه العسكرية، مثل القيادة وإطلاق النار. ويقول أحد المدربين السابقين “عادة ما يلتحقون بهذه الدورة قبل أو بعد انتشارهم في أماكن مثل اليمن”.
على الرغم من أن المهارات التي يتم تدريسها للإماراتيين مماثلة لتلك التي تدرس من قبل وكالة المخابرات المركزية، يقول أحد المدربين السابقين، فإن الدورات تكون عمليًا أكثر بساطة، تشبه المهارات التي يراها المشاهد في حلقة من حلقات مسلسل ” The Americans” وقال المصدر “إن الولايات المتحدة هي سائقي ناسكار، أما نحن نقوم بتعليم قيادة السيارات”.
قال أحد المدربين السابقين “جميع الذين تمت مقابلتهم للحديث حول تجربتهم اتفقوا على أن المواد التي تدرس متباينة في درجة التعقيد، غير أن الطلاب الإمارتيين لم يكونوا في مستوى ذلك التعقيد وكانت معظم المواد جديدة تمامًا بالنسبة لهم”.
ومع توسيع سانشيز وغيره من متعاقدي المخابرات الأمريكيين السابقين نطاق تدريبهم في دولة الإمارات العربية المتحدة، واجه العديد من المدربين سؤالًا ملحًا شكل لهم إزعاجًا كبيرًا، حول ما إذا كان ما يقومون به من تدريب قانوني تمامًا أم لا. ومن المعلوم أن الأمريكيين يواجهون قيودًا على نوع التدريب العسكري والاستخباراتي الذي يسمح لهم بتوفيره في الخارج، لأن أنظمة الولايات المتحدة المتعلقة بالتجارة في الأسلحة، وهي عبارة عن مجموعة معقدة من القواعد، تصنف مثل هذا التدريب ضمن “الصادرات”. وكلُ أمريكيٍ  ينتهكُ هذه اللوائح يعرض نفسه للملاحقة القضائية.
وكانت شركة سانشيز، CAGN Global ، قد حصلت على رخصة تصدير من وزارة الخارجية لإجراء التدريب الأساسي على الأمن والاستخبارات عند شروعها في مزاولة نشاطها، لكنها خضعت لعملية مراجعة في العام الماضي من قبل العديد من الوكالات الحكومية بما فيها وزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية.
وأعرب بعض المدربين عن قلقهم من أن تكون المراجعة لها صلة بتجاوز الدورة نطاق اختصاصها، في حين قال مصدر آخر أن المراجعة لها علاقة بعدم دفع المستحقات لوزارة الخارجية وبشعور الإحباط لدى الوكالة الأمريكية للاستخبارات من استخدام مواد تدريبية مماثلة لموادها الخاصة، ويبدو في نهاية المطاف أن المراجعة قد تم تسويتها. وقد رفضت وزارة الخارجية التعليق علنًا.
وسع سانشيز من نطاق عمله، انطلاقًا من دورات الاستخبارات المحلية التي ركزت على المراقبة الداخلية والتهديدات مثل جماعة الإصلاح، وهي جماعة إسلامية تابعة لجماعة الإخوان المسلمين. وفي الأشهر الستة الأخيرة أو نحو ذلك، توجه اهتمام سانشيز وفريقه إلى الخارج، بهدف تشكيل جهاز استخبارات أجنبي جديد من خلال تقديم دورة “خارجية” تركز على التهديدات خارج حدود دولة الخليج في دول مثل اليمن وإيران وسوريا وقطر، وإريتريا، وليبيا.
وقال أحد المصادر إن المواطنين الإماراتيين “يعيشون في جوار سيء”، ويعتبرون اليمن “دولة فاشلة”، ويواجهون بانتظام قادة القاعدة، ويشعرون بالقلق وعدم الاستقرار في الصومال وعمان، ثم ويضيف المصدر بأن نزاع الإمارات مع إيران”عميقٌ جدًا، ومن المتوقع أن يستمر لأمدٍ بعيدٍ”.
أوضح المصدر أن الإماراتيين أصدقاء للولايات المتحدة، لكنهم يتوجسون من الغرب ويخشون من أن يتخلى عنهم في يومٍ ما، وهو ما يجعلهم يفكرون في المستقبل ويقولون في أنفسهم “لا بد من أن نُعِد العدة والبدء في حماية أنفسنا بأنفسنا”.
وأشار مصدران مطلعان على البرنامج التدريبي إلى أنه حتى وإن كانت دولة الإمارات العربية المتحدة تنتج جواسيس مكونين حديثًا، فليس هناك ما يضمن نجاح انتشارهم في الخارج، من جهة أخرى، لا تقوم دولة الإمارات العربية المتحدة  بتمويل السفارات في تلك الدول بشكل منهجي، لذا لا تملك ذلك النوع المناسب من الدعم المادي اللازم لتنفيذ تلك البرنامج بشكل كامل، ولاسيما في دول أكبر حجمًا، وأكثر وعيًا بالأمن مثل إيران.
في الوقت الذي كان الحلم بإقامة نظام مراقبة محوري “بانوبتيكون” في بلد استبدادي، قد يبدو وكأنه خطة تقاعد غريبة بالنسبة لعامل سابق في وكالة الاستخبارات المركزية، فقد كان سانشيز يشعر بمخاوف أمنية مماثلة لتلك التي تشعر بها حكومة الإمارات. وكان الأعداء المحتملون، سواء تعلق الأمر بإيران أو الإخوان المسلمين أو تنظيم القاعدة، على رأس قائمة التهديدات المحتملة لدولة الإمارات العربية المتحدة، كان سانشيز هو الآخر “يشعر على الدوام بقدر من القلق إزاء الإخوان والإيرانيين”، وفقا لما ذكره مصدر إنفاذ القانون السابق وقد شعر سانشيز أنه “يقوم بعمل جيد”. لكنه كان يتمتع أيضًا بوقت مريح، فقد وهب له ولي العهد قارب صيد فاخر، وفقًا لما ذكرته أربعة مصادر لـFP.
لا يقتصر الشعور بهذه المخاوف، على سانشيز وقيادة دولة الإمارات العربية المتحدة، فحسب، بل نجد أن كبار صناع السياسات في واشنطن، هم أيضًا يركزون على تهديدات مماثلة. وقال أحد المدربين السابقين ومسؤول سابق بالمخابرات لFP  “معظم أهدافنا متطابقة”. إلا أن عمل سانشيز في الإمارات العربية المتحدة لا يخلو من الانشغالات. لقد كانت هناك منذ البداية، بعض الأسئلة التي تراود أشخاصاً في مجتمع الاستخبارات، هي ما إذا كان نظام الإمارات يلصق بالذين ينتقدونه بشكل شرعي، تهمة الإرهاب أو العمالة للأجانب. وقال المسؤول الاستخباراتي السابق المطلع على شؤون المنطقة ل  FP “تدعي دولة الإمارات العربية المتحدة أن أي شخص ضد النظام هو إما إيراني أو تحت تأثير فارسي … أو ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين”.
حتى وإن كانت دولة الإمارات العربية المتحدة تنشئ مؤسسات على النمط الغربي، إلا أن سمعتها جد سيئة من حيث سجلها في مجال الحريات، على غرار ما تشنه من حملات قمع ضد المعارضة السياسية. وقد وثقت جماعات حقوق الإنسان حالات الاعتقال التعسفي وتعذيب الناشطين والمعارضين، ومثالٌ بارزٌ على هذه التصرفات القمعية، استخدام الحكومة بعض أدوات المراقبة المستوردة لاستهداف أحمد منصور، وهو ناشطٌ بارزٌ يوجد رهن الاعتقال منذ مارس / آذار.
غير أن مسؤولي المخابرات والمدربين السابقين الذين قابلتهم FP  قالوا إن الدورة التدريبية تركز على التهديدات الخارجية وليس على المعارضين السياسيين وعلى بناء مهارات الاستخبارات وليس التخطيط للعمليات، وأضاف أحد المصادر قائلًا “لم أرهم أبدًا يطبقون القدرات التي لا زالوا في طور بنائها… لحماية النظام …”.
وقال مارك لونثال، صاحب أكاديمية الاستخبارات والأمن، وهي شركة استشارية للاستخبارات تقدم المشورة للشركات والحكومات في جميع أنحاء العالم “إن سجلهم في مجال حقوق الإنسان مثيرٌ للقلق، ولكن مفهوم الحريات المدنية ليست محددة بالطريقة المعتمدة هنا”.
عمل لونثال مديرًا مساعدًا للتحليل والإنتاج في وكالة الاستخبارات المركزية في أوائل الألفية الثالثة، وسبق له أن أدار أعمال أعضاء لجنة الاستخبارات الدائمة في مجلس النواب. وقال “إن فكرة المنظمات أو الدول الأخرى التي تلجأ إلينا لطلب المساعدة ليست فكرة جديدة … وهذا ما يحدث منذ فترة طويلة”. مضيفًا “أجهزة الاستخبارات تتعاون”.
قد لا يكون التعاون الاستخباراتي أمرًا جديدًا، ولكن استخدام المتعاقدين لتقديم التدريب الاستخباراتي، لا يزال ظاهرة جديدة نسبيًا، وليس من النوع الذي يطمئن له الجميع. وقال مصدر سابق في مجال إنفاذ القانون إن موظفي المخابرات الأمريكية العاملين في الإمارات العربية المتحدة، يفضلون تجنب الاتصال المباشر مع سانشيز أو شركته. كما ويرغبون في تجنب الظهور “بشكل غير لائق” من خلال العمل معه، على الرغم من أن وكالة المخابرات المركزية والدولة الأمريكية تشارك بشكل مباشر في الموافقة على منح تراخيص التصدير.
وحتى لو لم يكن لدى موظفي وكالة المخابرات المركزية اتصال مباشر مع سانشيز، فإن الوكالة لا يبدو أنها تشعر بأي حرج أو مشكلة في عمله. ووفقًا لمصادر ثلاثة، كان مدير مكتب المخابرات المركزية في أبوظبي على علم تام بمهمة سانشيز، في الواقع، حتى زوجة رئيس المكتب نفسه، كانت تعمل لحساب سانشيز لفترة من الوقت. وقد رفضت وكالة المخابرات المركزية التعليق.
ولم ترد سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة في واشنطن على عدة طلبات للتعليق على أي من القضايا المتعلقة بمتعاقدي المخابرات الأمريكية، ولم نحصل على أي رد على رسالة بريد إلكتروني وجهت إلى المكتب الصحفي لحكومة الإمارات العربية المتحدة.
ربما لا داعي للقلق إزاء أنشطة سانشيز في دولة الإمارات العربية المتحدة بعد الآن، نظرًا لاحتمال تقاعده قريبًا أو استرجاع الوقت الذي يقضيه هناك بعد النزاعات الداخلية، وفق ما أشارت إليه مصادر متعددة ، اعتمادًا على نتيجة المراجعة.
شهدت الأشهر الأخيرة ارتفاع معدل تناوب الموظفين، بسبب مشاحنات القيادة؛ ويفقد برنامج التدريبات العديد من المدربين. وقال موظف سابق “هناك الكثير من مشاعر الغرور والغطرسة لدى المسؤولين، يقابلها رداءة في التسيير والإدارة”. وفى الوقت الذي تمكن سانتشيز من استقطاب الكثير من المسؤولين السابقين رفيعى المستوى، من بينهم بعض رؤساء مراكز المخابرات المركزية السابقين، إلا أن العديد منهم لم يستمروا طويلًا في الشركة.
وقالت المصادر لـ FP إن أحد الأسباب الكبرى لارتفاع معدل التناوب، يعود لمسؤول سابق بالمخابرات الأمريكية وظفه سانشيز ليتولى تسيير العمليات. ووفقًا لمصدرين، قام هذا المسؤول بطرد المدربين بشكل منتظم وزاد من حالة توتر ظروف العمل إلى درجة لا تطاق، ولم يرغب هذا المسؤول الرد على طلبنا للتعليق على الموضوع.
ومنذ ذلك الحين، تغيرت الشركة التي تسدد الفواتير وتوفر القيادة الخاصة بعقد التدريب الاستخباراتي مرتين، وفقًا لموظفين سابقين إلى جانب مصدر آخر على اطلاع بالمنطقة.
وكانت شركة إماراتية تُدعى ” LUAA LLC”، التي يديرها مسؤول سابق في الخدمات الجوية البريطانية، قد تولت المهام الربيع الماضي. وهناك الآن شركة ثالثة إماراتية، تابعة لشركة أخرى تدعى دارك ماتر، تعمل لصالح حكومة الإمارات العربية المتحدة في مجال الأمن السيبراني والمعلومات الاستخباراتية، وتشارك حاليًا بشكل مكثف في هذه المهام.
وتسببت ملكية LUAA في إحراج بعض المدربين، بالنظر إلى أن الشركة إماراتية الجنسية، ومن شأن ذلك أن يُعقِد المهمة بالنسبة الموظفين الأمريكيين، ويجعل من الصعب عليهم الاحتفاظ بتصريح أمني. وفي هذه الأثناء، يستمر برنامج التدريب الاستخباراتي في التحول. أورد مصدران، خبر نشوب خلاف بين CAGN  Global  وسانشيز في أعقاب نزاع مسؤولين إماراتيين، وتتولى  شركة داركماتر، التي تخضع للتحقيقات من قبل مكتب التحقيقات الفدرالي، المسؤولية الآن.
ورفضت شركة “دارك ماتر” التعليق على عملياتها الجارية، لكنها أوضحت أن الدول والشركات التي تسعى إلى “أمن المعلومات الإلكترونية الاحترافية والقدرة على الاستخبارات” هي “فرصة عمل جيدة” للشركة.
أما بالنسبة للأمريكيين الذين ساعدوا في بناء عمليات المخابرات الإماراتية، فهناك دائمًا البرنامج التالي. وفي هذا الصدد أشار مصدران إلى أن هناك جهودًا متوقفة منذ سنوات لتقديم برنامج تدريب استخباراتي مماثل إلى المملكة العربية السعودية.
هذا الموضوع مترجم عن صحيفة   foreignpolicy.com للاطلاع على المادة الأصلية اضغط   هنا
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
ما يحصل هو سياق تاريخي من التدمير الذاتي وإدراك تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية، متمثلاً بالتراخي وعدم القدرة على التواصل مع العمق العربي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني