ذئب نيوزيلندا… وذئبنا

After Brenton Tarrant’s crime in New Zealand, is it today possible to talk about a culture of terrorism in the West? Outsiders are found everywhere; is it then possible to talk about a political basis that regulates their downfalls and employs them in a political project?

فور انتشار خبر الجريمة التي ارتكبها الأسترالي برينتون تارانت (28 عاماً) في نيوزيلندا، وأدت إلى مقتل نحو 50 مصلياً في مسجدين، حضر النقاش مجدداً حول ما إذا كانت الجريمة عملاً إرهابياً أو “جريمة كراهية”، وبينما يفترض الاحتمال الأول تنظيماً وتخطيطاً وتمويلاً، يحتمل الثاني اضطراباً عصبياً وعقلياً غالباً ما يرافق تضخم الأنا الوطنية واختلالها.

والحال أن الفصل بين صنفي الجريمة يبدو اليوم نوعاً من الفصل بين ذات المجرم الخاصة وبين وجدانه الجماعي، فهو بحسب الساعين إلى هذا الفصل، إما مجرم بدوافعه الخاصة والمريضة، وهذا ما ينطبق عليه وصف “جريمة الكراهية”، وإما أقدم على جريمته الهائلة بدافع من مشاعر جماعية، وهذا ما يرشح عمله ليكون عملاً إرهابياً!

برينتون ما كان ليقدم على فعلته لو أن توازناً نفسياً يسوق أفعاله. هذا ما يصنع فارقاً بين شخصين يتبنيان نفس الأفكار، وبينما يستطيع الأول أن يحول أفكاره جريمة، يستطيع الثاني أن يفعلها. لكن الاختلال النفسي الذي يعانيه الأول ليس أمراً نادراً، ذاك أننا مرشحون لهذا النوع من الاضطراب على نحو مطرد. “داعش” بصيغته الغربية هو تماماً قدرة هذه الجماعة على تنظيم اختلالات نفسية هائلة أصابت أجيالاً من مسلمي الغرب وتحويلها طاقة شيطانية تدميرية. في سير غالبية منفذي الهجمات في المدن الأوروبية أثر لاضطراب نفسي. محمد سلمان الحويج الذي نفذ الهجوم بالشاحنة في مدينة نيس الفرنسية عام 2016، كان صاحب سجل في عيادات الطب النفسي، وعمر متين منفذ الهجوم على نادي المثليين الليلي في أورلاندو في الولايات المتحدة، عانى من اضطرابات نفسية كثيرة بحسب عارفيه. لكن القول بأن ذلك ينزع عن عملهما صفته الإرهابية لا قيمة له، ذاك أن الإرهاب هو تماماً من تولى توظيف محنتهما الشخصية في جريمة كبرى لا صفة شخصية لها. “داعش” في الغرب كان مصفاة أمراض التحديث والتعليم والبطالة وانهيار الأسر والتمييز. وهذه كلها غير متصلة بالإسلام بصفته ملهماً مباشرة لأفعال المرتكبين. الإسلام كان صلة وصل بينهم وبين جريمتهم، وهو وإن كان غير بريء من أفعالهم، لكنه يشترك في المسؤولية عنها مع قيم غربية كانت لصيقة بسيرهم.

 

اليوم فعلاً صار بإمكاننا أن نقول إن “داعش” موازياً بدأ يلوح في الغرب. الفصام هو نفسه، أما الإسلام فيمكن استبداله بقيم التفوق والكراهية والخوف على الهوية، وهذه مشاعر تتنامى في الغرب، ولها ماضٍ فظيع ليست معاداة السامية آخر صوره، ولها ما يساعدها على مزيد من التضخم

 

اليوم وبعد جريمة برينتون تارانت في نيوزيلندا، هل صار ممكناً الحديث عن ثقافة إرهابٍ في الغرب؟ شذاذ الآفاق والفصاميون متوافرون أينما كان، فهل يمكن الحديث عن وعاء سياسي يُنظم انهياراتهم ويوظفها في مشروع سياسي؟ التحولات الكبرى التي يشهدها الغرب وصعود اليمين الشعبوي، وتحول هذا اليمين إلى قوة شعبية وبرلمانية وحزبية، إنما ثقافية أيضاً، عوامل دفعت النقاش حول الهوية الإرهابية لجريمة نيوزيلندا في هذه الوجهة. واليوم فعلاً صار بإمكاننا أن نقول إن “داعش” موازياً بدأ يلوح في الغرب. الفصام هو نفسه، أما الإسلام فيمكن استبداله بقيم التفوق والكراهية والخوف على الهوية، وهذه مشاعر تتنامى في الغرب، ولها ماضٍ فظيع ليست معاداة السامية آخر صوره، ولها ما يساعدها على مزيد من التضخم. “داعش” كبنية تنظيمية لم يكن وراء الكثير من الجرائم التي ارتكبت باسمه في الغرب. واليوم، لا يكفي القول إن جريمة نيوزيلندا وقبلها هامبورغ والكثير من مظاهر العنف ضد اللاجئين، هي مجرد جرائم كراهية لنزع الصفة الإرهابية عنها، ذاك أننا أمام جريمة كبرى، وأمام تكرارٍ للجريمة وأمام أفكارٍ وراءها، لا بل نحن أمام أحزاب تنمو وتُنتخب وتتصدر وتحكم، وتصنع للجريمة أفقاً ووظيفة ومهمة، فلندقق بمانيفستو الجريمة ولنقارنه ببرامج أحزاب وشخصيات تتصدر اليوم برلمانات غربية.

ليس بلا معنى أن يكون مجرم نيوزيلندا معجباً بدونالد ترامب. ليس هذا تفصيلاً يجب إهماله. وترامب هنا ليس لوحده، الغرب ينضح اليوم بنماذج ترامبية شعبوية. في إيطاليا، انتصر هذا المزاج في الانتخابات، وكذلك في المجر والنمسا والبرازيل وغيرها. أما روسيا فلها حكاية أخرى مع هذا المزاج الغربي المتصاعد، ذاك أن ما كشفته تحقيقات موثقة كثيرة، يتمثل في وقوف موسكو إلى جانب هذا المزاج ودعمه وتمويله وتأمين منصات إعلامية وثقافية له بصيغ مراوغة، ولكن على نحو ينسجم مع “حرب القيم” التي لطالما خسرتها موسكو عندما كان الغرب غير هذا الغرب الخائف. موسكو البوتينية تريد هذا الوجه القبيح لخصمها الثقافي والسياسي، وتساعد بكل ما أوتيت من مكر على تصدره.

قد يبدو تشبيه فعلة قاتل المصلين في نيوزيلندا بذئاب “داعش” المنفردة نوعاً من الابتذال، لكن الشبه واقع، والابتذال لا يكمن في التشبيه، إنما في توفر الشروط ذاتها التي أنتجت الجريمة هنا والجريمة هناك. ذئب منفرد واحد وشرط ثقافي يكاد يكون متطابقاً. اضطراب وفصام أتيح لهما جريمة في نيس الفرنسية عنوانها “دولة الخلافة”، وأتيح لهما هناك في نيوزيلندا جريمة مع مانيفستو رهاب اللاجئين والمسلمين، كتبه معجب بدونالد ترامب.  

 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
يوسف الأمين
قبل أسابيع قليلة، تجنّدت السلطة الدينيّة والرسمية في لبنان وأجرت “اتّصالاتها الشرعيّة” لمحاربة تجمّعات المثليّين، على أساس أنهم خطر داهم، فيما يصار بكل وقاحة إلى لفلفة قضية اغتصاب أكثر من 20 طفلاً!
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني