fbpx

الهجوم الروسي في سوريا الذي لم تسمعوا عنه من قبل

ديسمبر 28, 2017

يشاهد أبو محمد التلفزيون بينما تأتي زبونة إلى متجره لبيع الأحذية في سوق الحمراء في قلب مدينة دمشق، ولكنه بالكاد يلتفت إليها، ويرفع صوت التلفزيون بدلاً من ذلك. لقد بدأت نشرة أخبار الساعة السادسة مساءاً على قناة روسيا اليوم (آر تي) الإخبارية الناطقة باللغة العربية، التي دائماً ما يحرص صاحب المتجر البالغ من العمر 60 عاماً على مشاهدتها. ويقول عن الشبكة الإخبارية التي يدعمها الكرملين أنها  “أكثر المصادر الموثوق بها التي تغطي أخبار سوريا”. يعتني ابنه بالزبونة، التي تريد حذاءاً شتوياً. ثم يظهر الرئيس الروسي على الشاشة ويرفع  أبو محمد يديه ويقول “بارك الله فيك يا بوتين!”.
حظي التدخل العسكري الروسي في الحرب الأهلية الطاحنة في سوريا، للإبقاء على الرئيس بشار الأسد وحكومته القمعية في السلطة، باهتمام واسع النطاق. ولكن ما لم يسبق ملاحظته من قبل خارج سوريا، هو هجوم الإعلام الروسي المتوازي هناك، بقيادة علامات تجارية ممولة من الكرملين مثل قناة روسيا اليوم الاخبارية (آر تي)، ووكالة الخدمات العالمية للأنباء (سبوتنيك)، والتي تملكها الحكومة الروسية بالكامل. وتشير تلك الدلائل، على أن حملة “القوة الناعمة” هذه نافعة، مع تزايد جمهور هذه القنوات في النطاق الذي تسيطر عليه الحكومة، مما يساعد روسيا في السيطرة على قلوب وعقول السوريين.
ويأتي وائل، الذي يدير متجراً لبيع الملابس بجوار متجر أبو محمد، بينما تستمر نشرة آر تي الإخبارية. تحتوي النشرة التي تستمر لنصف ساعة عادةً على مزيج من التقارير عن سوريا، والأحداث التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط بنطاقها الأوسع، إلى جانب جزء إخباري قصير يركز على “الإنجازات الروسية”. وهو كذلك يحافظ على متابعتها، يقول “إذا كنت تريد أن تعرف ما يحدث في سوريا، ينبغي عليك مشاهدة نشرة أخبار آر تي.. وليس القنوات الإخبارية السورية، للأسف”.
كان أبو محمد من أشد المعجبين بقناة آر تي الإخبارية منذ أن أرسل الرئيس فلاديمير بوتين طائراته الحربية وقواته لمساعدة الأسد في عام 2015، لإنقاذ نظامه من الانهيار. ويقول إن مشاهدة القناة هي وسيلة لتوجيه الشكر لروسيا على مساعدتها، “لقد وقفوا إلى جانب الشعب السوري في حربه ضد الإرهاب”.
ومن السوريين من أبدى  تقديره بشكل أكثر مباشرةً، بتسمية بعض الأطفال من حديثي الولادة على اسم الرئيس الروسي. يقول نورس ميهوب، والد أحد هؤلاء الأطفال الذين يُدعون “بوتين”، في مقطع فيديو مُؤدى بعناية في وقت سابق من هذا العام، إنه “تعبير عن الصداقة والحب والامتنان” لمساعدته. غطى العلم السوري الطفل الرضيع فلاديمير. وحمل والده ،الذي قال إنه كان جندياً، الصبي أمام صورة عملاقة للرئيس السوري، مزينة من جانب واحد بالألوان الثلاثة للعلم الروسي.
تعود العلاقات بين دمشق وموسكو إلى الحقبة السوفيتية، ولكنها تراجعت في العقود الأخيرة. إلا أن التدخل العسكري الحاسم للكرملين أعطاها الفرصة لتعزيز نفوذها مرة أخرى، مستخدمًا الآن جهازه الإعلامي للتحدث مباشرةً إلى السوريين. وكان الأسد، المثقل بالديون لبوتين بسبب دعمه له، على استعدادٍ للمشاركة.
تمكنت قناة آر تي الإخبارية، من العمل بحرية ملحوظة في بلد يحتل مرتبة متدنية على مؤشرات حرية وسائل الإعلام، أقل حتى من روسيا. وتساعد الحكومة السورية مراسلي قناة آر تي في الوصول السريع إلى جبهات القتال، وفي القصص الأخرى التي يريدون تغطيتها.
ساعدت كل هذه الأمور قناة آر تي العربية، في الوصول إلى الصدارة مع الجماهير السورية، منذ أن تدخلت القوات الروسية في الحرب الأهلية. في الواقع، كانت القناة تعمل بالفعل منذ عشر سنوات، ولكنها كانت مُهمشة في ظل وجود قنوات إخباريه ذو ثقل إقليمي مثل قناة الجزيرة الممولة من قطر، وقناة العربية الممولة من المملكة العربية السعودية. ولكن الآن، صارت آر تي هي المحطة التي يلجأ إليها السوريون في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.
انضمت إليها منذ العام الماضي، إذاعة سبوتنيك، وهي وكالة أنباء ممولة من الكرملين، وتقدم برنامجاً يوميًا على الهواء مباشرة لمدة ساعة واحدة لإذاعة شام إف إم، إحدى المحطات الإذاعية الأكثر شعبية في سوريا، وهي تبث من موسكو يومياً في الساعة السادسة مساءًا و تحتوي على مزيج من الأخبار والمقالات الرئيسية والحوارات الإذاعية، فضلاً عن 20 دقيقة  من “الرصد العسكري” الذي يغطي أحدث التطورات في الخطوط الأمامية للمواجهة، مع التركيز على التحركات الروسية.
وفقًا لتقرير وسائل الإعلام السورية فإن البرنامج يهدف إلى نقل “الموقف الشعبي والرسمي الروسي إلى الشعب السوري والرأي العام العالمي”.وعلى الرغم من صعوبة الحصول على أرقام دقيقة، إلا أنه ليس هناك شك في أن إذاعة شام إف إم، تصل إلى جمهور واسع في سوريا، سواء من خلال الراديو أو عبر صفحتها على الفيسبوك. لا يتحدث مقدمو البرامج الروس اللغة العربية بطلاقة، ولكن ذلك لا يزعج أحمد، سائق التاكسي الدمشقي، الذي يقول إنه يستمع إليها كل يوم، ويضيف “أنا أحب الإحساس بالقوة الذي أشعر به عندما أستمع إلى وجهة النظر الروسية”، مشيراً باستحسان إلى الرسالة المعادية للغرب التي تبثها الإذاعة عادةً.
سبوتنيك هنا تحقق هدفها المرجو بسهولة، إذ كان الشعب السوري لعقود يستمع إلى دعايات حزب البعث المناهضة للغرب وللإمبريالية، والتي تبدأ في وقت مُبكر مع أطفال المدارس الذين يرددون نسخة سورية من قَسم الولاء قبل الدروس، واعدين “بمواجهة الإمبريالية والصهيونية”.
ويقول أبو محمد في متجره في سوق الحمرا، إن آر تي “أكثر حياديةً وصدقاً” من القنوات السورية.  وأعرب عن استحسانه لتقارير الشبكة، حول المساعدات الإنسانية الروسية للسوريين الفارين من “الإرهابيين”، مستخدمًا المصطلح الجامع الذي تتداوله الحكومة لتسمية أولئك الذين يقاتلون الأسد منذ 2011. وأضاف “أتذكر عندما كان الجنود الروس يعطون الهدايا الجميلة لمئات الأطفال في حلب في بداية هذا العام.. يا له من كرم”.
وائل يقول إنه كان مذهولًا بتغطية الشبكة للضربات الجوية الروسية في العام الماضي، والتي ساعدت القوات السورية في استعادة مدينة تدمر التاريخية من الدولة الإسلامية، أو داعش كما يُطلق عليها. وكان معجبًا بعدد مراسلي قناة آر تي، الذين كانوا يغطون الأحداث في ميدان المعركة.  وأضاف إن عائلته أيضاً من المشاهدين المنتظمين للقناة، وتتابع منشورات آر تي على صفحتها على الفيسبوك، و “تساهم بشكل منتظم في استطلاعات الرأي على موقع القناة”.
ليس جميع السوريين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة سعداء بتدخل روسيا، إذ يثير البعض أسئلة حول شرعيتها، والثمن الذي سيتعين على البلد دفعه على المدى الطويل، لأنه صار معتمداً على موسكو لضمان أمنه. ومع استعادة الجيش السوري الآن أراضيه في معظم أنحاء البلاد بمساعدة روسيا، تسمع أسئلة مثل “هل ستغادر روسيا الأراضي السورية على الإطلاق؟”
في الوقت نفسه يزداد انتشار النفوذ الروسي في سوريا، فصارت الأعلام الروسية والسورية ترفرف معاً في التجمعات التي تنظمها الحكومة في دمشق، وفي بعض الأحيان، تظهر ملصقات تحمل صورة الرئيس بوتين جنباً إلى جنب مع صور الأسد المنتشرة في كل مكان. وعندما التقى الزعيمان مؤخرًا في كان من الواضح أن بوتين هو قائد هذه العلاقة، فقد كان هو من  أعلن أن المهمة العسكرية “تقريبًا وصلت إلى نهايتها”. ولكن الحكومة السورية أوضحت أنها تريد تعميق علاقاتها مع موسكو على جميع الجبهات.
احتفل بعض السوريين في شهر مايو/أيار الماضي بالانتصار الروسي على ألمانيا النازية، في أعقاب حملة قامت بها قناة آر تي وغيرها من وسائل الإعلام الأخرى. أُعطي السوريون شرائط القديس جاورجيوس والتي تمثل رمزاً وطنياً وعسكرياً روسياً يُستخدم على نطاق واسع، فضلًا عن الأعلام. يمكنك السير في الأزقة المغطاة من السوق القديم في دمشق، وستجد مجموعة وفيرة من الأكواب والملصقات وغيرها من الهدايا التذكارية التي تحمل صورًا للرئيسين الروسي والسوري معًا.
وليس فقط اسم “فلاديمير بوتين” هو الوحيد الذي أُضيف إلى قائمة الأسماء المُحتملة للأطفال السوريين. بل يوجد الآن عدد متزايد وغير معروف من الأطفال البنات باسم “إيلينا” -واحدة من المتحدثين الرسميين الدائمين للقاعدة العسكرية الروسية الرئيسية في سوريا. وقد ردت صفحتها على الفيسبوك الجميل، ونشرت صوراً للعائلات السورية التي أسمت رضيعاتها “إيلينا”.
ربما يتخذ الكرملين موقفاً دفاعياً في أماكن أخرى من العالم بشأن عملياته الإعلامية، ولكنه في سوريا يستطيع أن يكون راضياً بالفعل عن استثماراته.
بدأ أبو محمد وزملائه أصحاب المتاجر في تعلم أساسيات اللغة الروسية، إذ يتسوق الآن عدد قليل من العملاء الروس في أسواق دمشق، ويأملون في زيادة أعدادهم. يقول أبو محمد “التحدث بالروسية هو أيضاً علامة على الامتنان إلى روسيا.. إنني أشجع أبنائي على تعلم اللغة الروسية أيضاً”.
تم تغيير جميع الأسماء في هذا التحقيق بناء على طلب من أجريت معهم المقابلات.
هذا الموضوع مترجم عن موقع Codastory. لقراءة المقال الأصلي راجعوا الرابط التالي.
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الأمر الوحيد الذي بقي أمام من يسعى إلى تخيل “ما بعد لبنان” هو أن يغادر اللبنانيون كلهم هذه المساحة بقوارب صغيرة وكبيرة، وأن ينجو بعضهم ويموت بعضهم الآخر، وهذا ما يحصل عملياً، وفي هذا الوقت سيكون سهلاً على الثنائي الشيعي أن يفوز بوزارة المالية…
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني