fbpx

توماس بارنوان والرحلة من “ألبي” الفرنسية إلى سوريا مروراً بالسعودية: قصة جهادي فرنسي

توماس بارنوان، أو عبد الحكيم أو "أبو عمر المدني"، ثلاث أسماء لشخص واحد، لجهادي ليس كباقي الجهاديين الفرنسيين، الذين يتمّ تجنيدهم على شبكات التواصل الإجتماعي، بشكل سريع ومعلّب، يطلق عليه الباحثون في الجهاد "التجنيد الإكسبرس" (radicalisation express)

توماس بارنوان، أو عبد الحكيم أو “أبو عمر المدني”، ثلاث أسماء لشخص واحد، لجهادي ليس كباقي الجهاديين الفرنسيين، الذين يتمّ تجنيدهم على شبكات التواصل الإجتماعي، بشكل سريع ومعلّب، يطلق عليه الباحثون في الجهاد “التجنيد الإكسبرس” (radicalisation express). بارنوان الذي غابت أخباره منذ هجمات نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠١٥ في باريس، عاد اليوم ليتصدّر اسمه كافة الصحف والمواقع الفرنسية، بعد أن أعلنت قوات الحماية الكردية في سورية إلقاء القبض عليه برفقة جهاديين فرنسيين في الحسكة، على الحدود العراقية.
ولبارنوان، البالغ من العمر ٣٦ عاماً والمتحدّر من مدينة ألبي (Albi) في اقليم التارن جنوبي فرنسا، تاريخ طويل ومبكّر في الجهاد، اذ ارتبط اسمه بالأخوين مراح والأخوين كلاين، تلك المجموعة التي أصبحت لاحقا تعرف بالنواة الأولى للجهاد الفرنسي في جنوب-غرب فرنسا. والباحث عن مسيرة التحولّات الإيديولوجية التي صاحبته، وأدّت إلى انتقاله إلى صفوف السلفية الجهادية منذ بداية الألفية الحالية، سيصدم عندما يعرف أنّ الشاب كان من “شهود يهوه” وأنّ والديه اللذين يعملان في السلك التعليمي منذ عشرات السنوات، يحملان إرثاً كاثوليكياً، لكن هذا لم يشكّل وازعا يمنع الشاب من سلوك درب الإسلام الراديكالي.
ولا يمكن الحديث عن بارنوان دون العودة إلى شخص أوليفيه كوريل، “الأمير الأبيض”، ملهم جيل كامل من الشباب التولوزاني (نسبة إلى مدينة تولوز ومحيطها)، والرجل المؤسس لأولى الحلقات السلفية في الجنوب الفرنسي، التي يطلق عليها اسم “خلية أرتيغا” وتضم مئات الشباب الذين تحمّسوا إلى الجهاد إبان الغزو الأمريكي للعراق، حين تدفقوا بالعشرات إلى “أراضي الجهاد لتلبية نداء الله والإسلام”.
من بين الأسماء التي تتلمذت على يد كوريل، يبرز اسم صبري السيد، الذي تم توقيفه برفقة بارنوان سنة ٢٠٠٧، أثناء مشاركتهما في مهمة جهادية في العراق، ليصار إلى محاكمتهما في فرنسا سنة ٢٠٠٩ بالسجن ٥ سنوات، ويتم إطلاق سراحهما سنة ٢٠١٤. فور خروجهما من السجن التحق الشابان بصفوف داعش في الرقة، ورافقهما في تلك الرحلة فابيان كلاين (أبو آدم الفرنسي) الذي ظهر في تسجيل مصوّر في ١٤ نوفمبر ٢٠١٥ يعلن فيه مسؤولية “تنظيم الدولة” عن الهجوم الدموي في مسرح الباتاكلان في باريس الذي أودى بحياة ١٣٠ فرنسيا.
في مسيرته الإسلامية السلفية التي بدأت سنة ٢٠٠١ في مسجد مدينة ألبي، ترك بارنوان انطباعاً بأنه شاب هادئ خجول حسب ما يروي إمام المسجد صلاح محمد. تلك المرحلة استتبعت ببناء شبكة من الشباب في مدينة تولوز سنة ٢٠٠٢، حيث تعرّف بارنوان على عبد القادر ومحمد مراح، وحيث اصطدم للمرة الأولى بالأخوين كلاين اللذين عُرفا محليا بإحياء حفلات الراب قبل تحولهما التراجيدي نحو الاسلام الجهادي.
كان لتوماس بارنوان مرور تأسيسي في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة في المملكة العربية السعودية. هناك تعلّم الشاب المنخرط حديثا في بنى الشبكات الشبابية للإسلام الراديكالي الفرنسي، ألف باء الربط بين النظرية والممارسة في الإسلام، وهناك اطّلع على قراءة القرآن وتفسيره بالشكل الذي “يخدم الإسلام والمسلمين”، كما ينقل رومان كاييه وبيار بوشو في كتاب “الجهاد قد فرض عليكم، حكاية الجهاد الفرنسية”.
نهاية العام ٢٠٠٦، تعرّف بارنوان في السعودية على “أبو حاسي”، الذي يعد حلقة وصل بين الجهاديين السعوديين الذين يذهبون إلى العراق وقادة الجهاد في بلاد الشام. من الحدود السعودية مرورا بالمملكة الهاشمية الأردنية، وصولا إلى مثلث الحدود السوري-العراقي-الأردني، دخل “أبو عمر” إلى الشام حيث احتضنته مجموعة سلفية ودرّبته على السلاح الخفيف والمتوسّط لبضعة أسابيع، قبل أن يقرر العبور إلى العراق. لم تكن خطة بارنوان محكمة كفاية، فقد ضبطت أجهزة المخابرات السعودية مكالمات للرجل على الحدود المحلية وأعلمت الأجهزة السورية بالأمر. نجح التنسيق السعودي-السوري في توجيه ضربة للخلية وتم تسليم “أبو عمر” للسفارة الفرنسية ليرحّل على متن طائرة Air France ويحاكم في باريس.
في خفايا التحقيق الذي استمر ثلاث سنوات قبل الحكم على بارنوان بالسجن ٥ سنوات، اعترف الرجل بالتنسيق مع خلية بلجيكية لإرسال جهاديين من فرنسا وبلجيكا إلى العراق تلبية لنداء الثأر لمقتل أبو مصعب الزرقاوي الذي أطلقه تنظيم القاعدة صيف العام ٢٠٠٦.
يكشف الكاتب الفرنسي بول لاندو (بيار اسحاق لورسا) في كتابه الذي جاء على شكل تحقيق عن الأوروبيين الذين تحولوا إلى الإسلام الراديكالي “من أجل الله حتى الموت” عن العلاقة التي نسجها بارنوان مع الإنتحارية البلجيكية مورييل دوغوك التي قضت سنة ٢٠٠٥ في العراق، ويتحدّث عن الشباب الفرنسي/البلجيكي الذي زار مصر وسوريا، وحضر حلقات في المدارس القرآنية في البلدين، ويستند إلى تاريخ توقيف صبري السيد وتوماس بارنوان سنة ٢٠٠٦ كمحطة مفصلية في الإشتباك بين المخابرات الأوروبية والخلايا الجهادية النائمة.
لكنّ السؤال الأبرز اليوم بعد توقيف بارنوان، واستعار الجدل مجددا حول “العائدين” من أراضي الجهاد إلى فرنسا (ولا يقل عددهم عن ال ٧٠٠ شخص حسب الخارجية الفرنسية) وفيما تعلو أصوات مطالبة بعدم عودة هؤلاء وإصرارهم على محاكمتهم حيث تم توقيفهم، ما هو الشكل الذي ستتخذه العدالة الفرنسية، وما هو المسار الذي سيسلكه القضاء بشكل عام في قضية الجهاديين الفرنسيين ؟[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
انفجار بيروت الذي انقض على أفراحها الصغيرة وتلك الكبيرة أيضاً، لم يسلم منه أحد، لم يسلم منه شيء، حتى اللوحات الهانئة والتحف الفنية… فيما الدولة غائبة، تتصرّف وكأنّ لا شيء حدث، تشتري المزيد من الوقت على حساب خسائرنا، وحسب.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني