fbpx

يوم فقد ترامب السيطرة على زمام النقاش …

لم تسلط شهادة مايكل كوهين في الكونغرس الأضواء على أكبر نقاط تعرّض ترامب للفضيحة وحسب، وإنّما كشفت أيضاً هشاشة فهمه وإداركه الصورة التي قد يكون عليها الحوار الوطنيّ.

كان مفتاح مسار دونالد ترامب السياسيّ هو قدرته على التحكّم في المقابلات الإخباريّة. يشمل هذا أحياناً قصصاً إيجابيّة؛ وغالباً ما يضمّ قصصاً شائنة وسلبيّة. إلّا أنّه في كلتا الحالتين، كان أثر ذلك هو تصدر ترامب المشهد باستمرار.

ليست سيطرة الرئيس على اللقاءات أمراً مطلقاً؛ فأحياناً كان يُوضع في موقف حرج: مرّة بسبب إحالات المحقّق الخاص روبرت موللر، ومرّة من قبَل كتّاب مثل مايكل وولف وبوب وودوارد، أو بسبب كوارث طبيعيّة. إلّا أنّ أمراً مختلفاً حدَثَ الآن؛ فقد تولّى دفّة القيادة في رواية الأحداث أحد خصومه السياسيّين.

لم يكن أسوأ ما في الأمر أنّ مَن اجتذب الأضواء هو مايكل كوهين الذي وصفه ترامب يوماً بـ”الفأر”؛ ولكن ما أزعج الرئيس أكثر، أنّ هذا حدَث حين كان هو خارج البلاد أثناء قمّة في فيتنام، وفي منتصف الليل حينها. واجتذب كوهين انتباه وسائل الإعلام، وكان لهذا أثر كبير؛ إذ أحدَثَ مشكلات جديدة لترامب على جبهات عدّة.

أتى معظم الضرر من الملاحظات الأوليّة التي أعدّها كوهين، والتي تسرّبت إلى الإعلام بين عشيّة وضحاها. صرّح كوهين -الذي عمِل مع ترامب مدّة عقد من الزمن دور مُرافِق للأغراض كافة – بسلسلة من المزاعم الكبيرة. عرف الرأي العام بالفعل إلى خطوط عريضة، عن اتفاقيّات الرشوة التي دفع كوهين فيها أموالاً للنساء اللاتي زعمنَ أن لهنّ علاقات جنسية مع ترامب؛ لكن كوهين قدَّم لنا تفاصيل جديدة. وعلى نحوٍ لافت، أكد كوهين أنّ ترامب قدّم له تعويضات عن فترة عمله معه، الأمر الذي يمثّل جريمة. وأحضر كوهين شيكاً وقّعه ترامب ليثبت هذا.

سيدخل كوهين السجن في أيار/ مايو المقبل ليمضي عقوبة بالسجن لمدّة ثلاث سنوات بتهم الاحتيال المصرفيّ والتهرّب الضريبيّ والكذب أمام الكونغرس. إلّا أنّ كوهين قال، إنّه كذب على صنّاع القانون بتوصية من ترامب، في محاولة لإخفاء الموعد الحقيقيّ لانتهاء مشروع إنشاء مبنى لشركات ترامب في موسكو. لم يؤكّد كوهين تقريراً نشره موقع BuzzFeed في كانون الثاني/ يناير، ذكر أنّ الرئيس طلبَ صراحةً من كوهين أن يكذب؛ إلّا أنّ كوهين ورّط ترامب في خياره، واصفاً الاتفاقيّات بأنها اتّبعت طريقة الغمز والإيماء في ما يشبه أسلوب المافيا، وقال “لم يطلب ترامب منّي مباشرةً الكذب على أعضاء الكونغرس؛ فليست هذه طريقته”.

قال كوهين أيضاً إنّه سمع روجر ستون -الذي أدرج موللر اسمه في قائمة المتّهمين – يخبر ترامب عبر الهاتف عن وجود تفريغات وشيكة لرسائل إلكترونيّة سرّبتها ويكيليكس. وأشار إلى حادثة يعتقد أنّ خلالها أخبَرَ دونالد ترامب الابن والدَه عن لقائه مسؤولين روساً في ترامب تاور (برج ترامب) في حزيران/ يونيو 2016، على رغم أنّ رواية كوهين كانت أكثر غموضاً من أن تصدَّق.

لو أنّ كوهين لم يقل شيئاً مهمّاً بخلاف الشهادة المكتوبة، فإنّ جلسة الاستماع كانت ستظلّ شيئاً مثيراً. لفترة طويلة من اليوم، بدا أنه لن يضيف شيئاً مفيداً. وقد تصادَم الجمهوريّون منذ البداية مع رئيس لجنة الرقابة والإصلاح بالكونغرس إلايغا كمينغز حول قواعد الجلسة؛ بل حول وجودها من الأصل. وطلب الديموقراطيّون من كوهين التكهّن حول تآمر دونالد ترامب مع الروس، الأمر الذي رفضه كوهين. قضى الأعضاء الجمهوريّون الكثير من وقتهم في تفنيد ما قاله كوهين. وكما هي الحال غالباً في جلسات الاستماع في الكونغرس، فقد أثيرت أسئلة سيئة ومربِكة؛ حتى أنّ أحد الأعضاء الجمهوريّين قال إنّ جلسة الاستماع اليوم هي أوّل مرة يسمع فيها عن كوهين، على رغم أنّه تراجع لاحقاً عن هذا الزعم.

مايكل كوهين

كانت استراتيجيّة الجمهوريّين هي أن يكون التركيز على صدقية كوهين؛ وهناك بالفعل أسئلة جادّة حول صدقيته وجدارته بالثقة. سيُسجَن كوهين بسبب كذبه على الكونغرس والمصارف ودائرة الإيرادات الداخلية IRS. كانت تلك الاستراتيجيّة ناجعة في معظم جلسة الاستماع، لكن الغاية منها، ما زالت غير واضحة. كانت كلّ ضربة وجّهها الجمهوريّون تعيد إثبات شيءٍ ثبتَ بالفعل. وحتّى كوهين نفسه لا يجادل في أنّه كذب باستمرار. وفي اليوم التالي لعزلِه، بدا من نافلة القول إثبات أنّه كان محامياً سيئاً. ذكَرَ كوهين أنه عوقِبَ بقناعاتِه؛ وبينما كذبَ كوهين لحماية ترامب من قبل، إلّا أنّ لا دافع للقيام بهذا الآن. وكانت لدى كوهين أيضاً ردود على مَن يشكّكون في صدقيّته.

وقال عن الدليل الذي قدّمه أمام الكونغرس: “لهذا السبب تحديداً أمضيت الأسبوع الماضي أبحث في الصناديق للعثور على تلك المعلومات، كي لا تكون كلمتي هي الفيصل. لا أريدكم أن تصدقوني من دون دليل. لديكم المعلومات والمستندات، والقرار لكم”.

إلّا أنّ الجمهوريّين أحرزوا تقدّماً أكبر في جانب آخر؛ إذ اتّهموا كوهين بالهجوم على الرئيس انتقاماً لعدم حصوله على وظيفة في البيت الأبيض. (ليس من الواضح لِمَ قد يكون هذا الشيء الطفيف هو الدافع الأساسيّ للانتقام، بدل الحكم الوشيك عليه بالسجن). وقال كوهين، ردّاً على عددٍ كبير من التقارير الإخباريّة، إنّه لم يرغب أبداً في الحصول على وظيفة في البيت الأبيض؛ إلّا أنّ أعضاء الحزب الجمهوريّ قالوا إنّ هذا محض كذب.

عموماً، لم يبذل الجمهوريّون سوى القليل لتفنيد مزاعم كوهين الخاصة أو للدفاع عن الرئيس بشكل جوهريّ. ناضَل الديموقراطيّون أيضاً لشق طريق جديد باكراً، لكنهم استطاعوا الحصول على معلومات جديدة لاحقاً خلال جلسة الاستماع.

كانت إحدى أكثر المشارِكات فعالية في جلسة الاستماع هي النائب أليكساندريا أوكاسيو-كورتيز، التي طرحَت سلسلة مختصرة وفعّالة من الأسئلة قُبَيل نهاية الجلسة. ورأى كوهين في معرض ردّه على أسئلتها أنّ ترامب قدَّم تقديرات مبالَغاً فيها حول أصول أمواله لشركات التأمين، ما يُعَدّ تزويراً. أخبرها كوهين أيضاً أنّ ترامب قلّل من قيمة ممتلكاته لخفض بيان الضريبة الخاص به.

لقد تخطّى ترامب سابقةً قديمة جداً برفضه الإفصاح عن إقراراته الضريبيّة. (تعهّد الديمقراطيون باستخدام سلطة الكونغرس للحصول على تلك الإقرارات). وزعم الرئيس أنّه لا يمكنه الإفصاح عنهم لأنهم ما زالوا رهن المراجعة، على رغم أنّ دائرة الإيرادات الداخليّة أكّدت عدم وجود أيّ عائق قانوني يمنع الإفصاح عنهم. لم يُثبِت ترامب على الإطلاق أيضاً أنها رهن المراجعة، وأخبر كوهين النائبَ جيمي غوميز أنّه لا يملك أيّ دليل على صحّة مزاعم الرئيس.

قال: “إنني لا أعرف الجواب. فقد طلبتُ نسخةً من تدقيق الحسابات، كي أتمكن من توظيفها في تصريحاتي الإعلاميّة، إلّا أنني لم أستطع أبداً الحصول عليها”.

أشار كوهين إلى أنّ شهادته السابقة الخاطئة لم يراجعها محامو البيت الأبيض وحسب، بل صححوها أيضاً. وقال إنّ الذين صححوها هم جاي سيكولو الذي يمثّل الرئيس، وآبي لويل الذي يمثّل إيفانكا ترامب وجاريد كوشنر. (ووصف سيكولو، في تصريحٍ له، ادعاء كوهين بأنه “خاطئ تماماً”).

الأكثر إثارةً للاهتمام أنّ كوهين رفض في مناسبات عدة الإجابة على الأسئلة، مشيراً إلى التحقيقات التي يجريها النائب العام الأميركيّ في المقاطعة الجنوبيّة من ولاية نيويورك. وقال إنّه يعي السلوك غير اللائق لدونالد ترامب وانتهاكه القانون، لكن لا يمكنه وصف ذلك بالتفصيل.

على رغم أن أكاذيبُ كوهين السابقة جعلت شهادتَه عرضة للتدقيق، فإنّ أداءه كان جيّداً على منصّة الاستماع، إذ ظل رابطاً جأشه في معظم الوقت أمام هجمات الجمهوريّيين التي سعَت إلى تكديره. وعزّز كوهين صدقيّته عبر رفضه التخمين بشأن التواطؤ وغيره من الموضوعات الأخرى، التي قال إنه ليس على علم بها. وذكر أنّ ستون كان يعمل بحريّة، وليس من خلال توجيهات ترامب. ورفض أيضاً المزاعم حول وجود ابن غير شرعيّ للرئيس ترامب أو وجود فيديو يظهر فيه ترامب وهو يضرب زوجته، قائلاً إنّ الرئيس لم يكن ليفعل ذلك. قوّضت هذه المواقف الدقيقة فكرة أنّ كوهين كارهٌ عنيد لترامب.

من المبكّر جدّاً تقييم أثر جلسة الاستماع تلك التي انعقدت مؤخراً. فبينما نتجت عنها قائمة طويلة من الدلائل والمعلومات الجديدة، إلّا أنّ كثيراً منها سيتطلّب فحصاً دقيقاً. ففيما ربَط بعض المراقبين جلسة الاستماع إلى كوهين بشهادة المستشار السابق في البيت الأبيض جون دين ضدّ الرئيس ريتشارد نيكسون، إلّا أنه لا توجد طريقة لمعرفة إذا كانت الجلسة الحديثة ستصبح بالأهمية ذاتها لناحية العواقب. نظراً إلى الاهتمام الكبير الذي حظيت به ملاحظات كوهين، فإنّ الجلسة قد تعيد تركيز الرأي العام على الكثير من الفضائح المحيطة بترامب، التي لم يظهر بعضها ولم يُكشَف عنه إلّا تدريجيّاً، أو قد تُهمَل تلك الفضائح أمام جمهورٍ فقَد الإحساس بالفعل أمام سلوك ترامب.

مع ذلك، فالواضح بالفعل هو أثر رسائل كوهين. فقَدْ غرد ترامب على موقع “تويتر” أكثر من مرة، عن قمّته مع كيم جونغ أون، رئيس كوريا الشماليّة، إلّا أنه لم يكن له أدنى حضور. ومثلما أشار فيليب بَمب في جريدة “واشنطن بوست”، فإنّ موقع “غوغل تريندز”، أشار إلى أنّ قضيّة كوهين غطّت على قمّة كوريا الشماليّة خلال يوم انعقادها، وهو أحد مقاييس اهتمامات الرأي العام. مثلما كتب الزميل ماكاي كوبينز عام 2017، فقد ثبَتت خطورة التشبّه بترامب على شركائه السابقين؛ وكتبت في أيار الماضي أنّ كوهين هو أحدث مَن سقط في هذه المَصيدة. إلّا أنه بينما كان كوهين غير قادر على تحمّل الفضيحة مثل رئيسه وموجّهه/ مُرشِدِه السابق، فقد أظهر أداؤه النجوميّ خلال جلسة الاستماع الأربعاءَ الماضي، أنه تعلّم بعض الأمور عن فنّ الاستعراض وتوجيه الرسائل خلال العقد الذي أمضاه يعمل بمثابة اليد اليمنى لترامب.

حين يفقد ترامب السيطرة على عملية توجيه الرسائل وتبادلها، تكون لهذا الأمر أحياناً نتائجُ خطيرة. غالباً ما سيتصرّف الرئيس بغضب أكبر وبصورة مشينة لو شعر بالتهميش. ولهذا الأمر مخاطر كبيرة، بخاصّة أثناء وجود ترامب في القمّة عالية المجازفة مع كيم جونغ أون، حيث قد يميل إلى توجيه بادرة مفاجئة. لم تسلط شهادة كوهين الأضواء على أكبر نقاط تعرّض ترامب للفضيحة وحسب، وإنّما كشفت أيضاً هشاشة فهمه وإداركه الصورة التي قد يكون عليها الحوار الوطنيّ.

 

هذا المقال مُترجَم عن theatlantic.com ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الأمر الوحيد الذي بقي أمام من يسعى إلى تخيل “ما بعد لبنان” هو أن يغادر اللبنانيون كلهم هذه المساحة بقوارب صغيرة وكبيرة، وأن ينجو بعضهم ويموت بعضهم الآخر، وهذا ما يحصل عملياً، وفي هذا الوقت سيكون سهلاً على الثنائي الشيعي أن يفوز بوزارة المالية…
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني