غشاء البكارة… “في الرأس”

منذ صغرهنّ، تُربّى الفتيات، حتّى قبل تلقّيهنّ أي تربية جنسيّة حقيقيّة، على وجوب الحفاظ على عذريّتهنّ وما يُسمّى بغشاء البكارة. ولكن هل هذا الغشاء فعلاً موجود؟ وهل نحن حقيقةً أمام عمليّة "فقدان" مقابل فعل "أخذ" أو "استيلاء"؟

مذ تبلغ الفتاة، وحتّى قبل أن تفهم تفاصيل عمليّة الإنجاب، يُفهمها مَن حولها أمراً واحداً، هو أنّ عذريّتها مسألة مقدّسة، وصِفَة من المرجّح أن “تخسرها” يوماً ما، وغالباً بفعل الزواج من رجل. ولكن، هل نحن حقيقةً أمام عمليّة “خسارة” أو “فقدان” مقابل فعل “أخذ” أو “استيلاء”؟ هل فعلاً ما زلنا نعتقد أنّ الفتاة “تُعطي” أو “تخسر” شيئاً من نفسها، سيُسجَّل باسم شخص ثانٍ، هو رجُلُها الأوّل؟ وقبل أن نطرح تلك الأسئلة، فلنسأل أنفسنا، ما المقصود بغشاء البكارة وما هي العذريّة أصلاً؟

أذكر حين كنتُ في عامي الجامعيّ الأوّل، كيف فتحنا رفيقي وأنا حديثاً حول العلاقات، والفروقات بين النساء والرجال، وكيف وصل بنا الحوار، كما هو متوقّع، إلى موضوع الجنس وإشكاليّة العذريّة. ما زلتُ أتذكّر جيّداً الجملة التي قالها، ومفادها أن “على المرأة أن تحافظ على عذريّتها لليلة زفافها، أمّا الرجل، فلا مانع من أن يمارس الجنس. ألقِ نظرةً على طبيعة أجسامنا وتركيبتها وستفهمين ما أقصد. فلو لم يكن عليكنّ كنساء الحفاظ على عذريّتكنّ أكثر منّا، فلمَ سيضع ربُّنا، بحكمته، لكنّ فقط، غشاء بكارة تُقفَل به الفتحة؟”.

حينها، سكتتُ، مع أن رغبتي بالإجابة كانت عارمة، بسبب الشكوك والتساؤلات الكثيرة التي كانت تنتابني، لكنّي لم أكن بالضرورة أمتلك الأجوبة… أمّا اليوم، فقرّرت أن أجيب رفيقي لأقول له التالي:

ربّنا، بحكمته، لم يضع لكلّ أنثى غشاءً في أعضائها التناسليّة. وفي حال وضع، فإننا لا نتحدّث عن قطعة لحم أو “غشاء” واحد، إنّما أغشية عديدة معقّدة هي عبارة عن امتداد تشريحي لتكوين أعضاء الأنثى التناسلية، تُحيط فتحة العضو الأنثوي. وأحياناً، لا نجد أي غشاء لدى الفتاة عند ولادتها. وإذا وُلدت وكان لها ذلك، فمن الطبيعي والمطلوب أن يكون للأغشية فتحات طبيعيّة… وإلا كيف كان ليخرج الدم من الرحم خلال الدورة الشهريّة؟

لتلك الأنسجة أو الأغشية أشكال مختلفة تعكس تنوّع أشكال الأعضاء التناسليّة الأنثويّة. وبقدر ما تتعدّد هذه الأشكال وبيئات محيط الفتحات المهبليّة التي هي في الأصل مساحات مطّاطة -كربطات الشعر العريضة- تتعدّد وتتنوّع تجارب النساء: فهناك نساء لا يشعرن بوجود غشاء، ولا ينزفن خلال العلاقة الجنسية الاختراقية الأولى. وهناك نساء ينزفن قليلاً، ونساء ينزفن كثيراً – وأحد أسباب النزيف قد يعود إلى عدم استعدادهنّ أو رغبتهنّ الكاملة بالعلاقة. وهذا يعني أنّ “الغشاء” أو النزيف لا يمكن استخدامهما كشرط لإثبات العذريّة.

ما أودّ قوله، خاصّةً لكِ، هو أنّ العذريّة حالة تقرّرينها أنتِ. أنتِ التي تَبتّين بمسألة وجودها من عدمه، بحسب تعريفك للممارسة الجنسيّة الأولى، وللمرّة الأولى التي مارستِها فيها، وشاركتِها، أي أنّ العذريّة ليست غرضاً يستولي عليه أحد. وهذا يعني أنكِ في حال تعرّضتِ لاعتداءٍ جنسي، أنتِ لم تخسري عذريّتكِ، لأنّ العلاقة أصلاً لم تكن خيارك ولا قرارك.

العذريّة حالة أنتِ التي تملكين قرارها، والغشاء… مجرّد غشاء.

إقرأ أيضاً:
الـHIV ليس وصمة عار

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

أسيل العلائلي – ناشطة في الشؤون الجندرية
تتيح أزمة “كوفيد-19” الفرصة للدول العربية ليتحوّل العنف الأسري من شأن عائلي خاص، إلى قضية عامة.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
لقيت الطفلة حتفها بطريقة بشعة بعد أيام من عودتها إلى المنزل، إذ نحرها أبوها وهي نائمة، مستخدماً المنجل.
ريد مطر – صحافية مصرية
فيديو منة عبد العزيز صفع سذاجتنا وألصق أنوفنا في مشهد شديد العفونة، مشهد يقول للمرأة إن انسحبتِ من المجال العام سيتم جلبك من الفضاء الافتراضي ليُمارس عليك الانتهاك اليومي ذاته، وهذا الجسد الذي تتباهين بجماله ستحملينه مثل صخرة سيزيف على ظهرك.
مويتري موخوبادهياي – نسوية وباحثة اجتماعية هندية
ربما تأجلت الثورة بسبب الوباء، ولكنها لم تنته بعد، إذ إن الحنين إلى الحرية والديموقراطية سيعيد إثبات وجوده من جديد ولكن ذلك لن يحدث تلقائياً. وإذا لم يعد الحنين تأكيد مكانته، فإن مستقبلنا الديموقراطي معرض للخطر
فاطمة بدري – صحافية تونسية
“سيبقى لكنّ شرف الحرية لأنكنّ وقفتنّ بشجاعة في وجه النظام البائد وهتفتن بملء حناجركن ضد الظلم والاستبداد”
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
هالة ليست ضحية “كورونا”، بل ضحية تأخير العدالة، ما حرمها من رؤية ابنها أو حتى سماع صوته هاتفياً. وقصتها واحدة من قصص كثيرة، تحدث كل يوم بسبب عدم قدرة بعض القضاة على النظر في قضايا مستعجلة
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني