fbpx

مصر ما بعد كارثة القطار : احتجاجات يضبطها الأمن

مارس 3, 2019
احتجّ الشاب االمصري الصيدلي أحمد محي، فاعتُقل. أمّا احتجاجه، فلم يكن سوى ردّ فعل غاضب ضد النظام السياسي بعد حادث اصطدام جرار مناورة برصيف القطار في محطة رمسيس، وانفجار خزان السولار، ممّا أدّى إلى مقتل وإصابة العشرات...

“يا عم الظابط أنت كداب… واللي بعتك كداب… مش بالذل هشوفكم غير… أو استرجى منكم خير… إنتو كلاب الحاكم واحنا الطير… إنتو التوقيف واحنا السير… إنتو لصوص القوت واحنا بنبني بيوت… إحنا الصوت ساعة ما تحبو الدنيا سكوت”.

كانت تلك بعض الكلمات التي ردّدها الشاب المصري، أحمد محي، من قصيدة: “الأحزان العادية”، للشاعر عبد الرحمن الأبنودي، أثناء عبوره ميدان التحرير، وسط القاهرة، حاملاً لافتة كُتبت عليها عبارة “ارحل”، موجّهة ضد رأس النظام عبد الفتاح السيسي.

تعرّض الشاب الثلاثيني الذي يعمل طبيباً صيدلانياً للاعتقال، وقبض عليه، فور ظهوره حاملاً اللافتة في الميدان، وكان سجّل احتجاجه في صفحته في “فيسبوك”. وسجّل فيديو آخر أثناء وجوده في سيارة الترحيلات بعدما قبض عليه، ليعلن عن اقتياده إلى السجن وسوقه إلى مكان مجهول.

احتجاج محي جاء كرد فعل غاضب ضد النظام السياسي، بعد حادث اصطدام جرار مناورة برصيف القطار في محطة رمسيس، وانفجار خزان السولار الذي أسفر عن انفجار في القاطرة. وانتهى الأمر بمقتل وإصابة العشرات، ممن تعرّضوا للاحتراق، مخلفاً صوراً مأساوية لجثث متفحمة وآثار دماء وأشلاء وبقايا متعلقات المسافرين.

كتبت أسماء، شقيقة أحمد محي، في صفحتها في “فيسبوك”: “… أخويا شاب زينا كلنا اتحرق قلبنا من اللي حصل امبارح كلنا لينا معارف ماتت واللي مالوش مش عارف ينام من كتر الإحساس بالمسؤولية تجاه الفقراء والغلابة والناس اللي بتموت كل يوم، مبالكوا من اللي أصحابوا ماتوا والله أن أخويا شاب زينا كلنا وعواطفو هي اللي نزلته مالوش علاقة بأي حاجة، ولا بيمثل ولا حد زقوا، ولا كل اللي بيتقال عليه دا أرجوكوا ساعدونا، أخويا بيضيع وأمي هتمووت…”

دشّن روّاد مواقع التواصل الاجتماعي وسم #راجعين_التحرير، للدعوة إلى الخروج في تظاهرات احتجاجية لإسقاط النظام، وتحميله مسؤولية الكارثة، وذلك من خلال العودة إلى ميدان ثورة التحرير

في حديثها لـ”درج”، تقول أسماء (اسم مستعار)، طالبة: “حتى لو سائق القطار كلامه حقيقي، وهو السبب في الحادث، لأنه نزل من القطر، على خلفية مشاجرة تافهة، لكن، لا يمكن أن يصبح هو السبب الوحيد، لأن المنظومة كلها فاشلة”.

وتضيف: “الوزير سبق أن عرض على السيسي مشروع كهرباء السكة الحديد، بحيث أن القطر يقف بشكل تلقائي، إذا حدث أي شيء مفاجئ وتسبب في تعطيل القطار، أو تعرّض السائق لأي مشكلة، مثل أن يموت فجأة، أو يتعرّض لغيبوبة ناجمة عن أي مرض (السكري مثلاً)”. وتوضح أن “هذا النظام متبع في كل الدول التي تهمها حياة شعوبها. وسبق أن ذكر الوزير للسيسي أن تكلفة المشروع عشرة مليارات جنيهاً. وفي المقابل، جاء رد السيسي محمّلاً بالكثير من السخرية وعدم الجدية، نظراً لانخفاض العائد من دخل هيئة السكة الحديد، وتعرضها للخسارة، إضافة إلى إجراء تعديلات، ما سيضطره إلى رفع سعر الخدمة، ما قد يؤدي إلى غضب المواطنين”.

واعتبر خالد وهو محام، أن “الحادث أليم، بكل المقاييس، إذ أعاد إلى الأذهان حوادث مفجعة كحادث عبارة السلام، وحادث قطار الصعيد، في عهد الرئيس المخلوع مبارك، وهما من الحوادث التي لا يمكن أن تنسى”.

لكن هذا الحادث، يختلف عن كل ما سبقه، بحسب خالد، “ويؤجج مشاعر الغضب لدى قطاعات لا يستهان بها من المواطنيين، مع مضاعفة الرسوم على الخدمات التي يحصل عليها المصريون، في صورتها الأدنى ومستواها الرديء، وفي المقابل، لا تتوافر لهم عوامل الأمن والسلامة ويفقدون ذويهم بهذه المجانية المؤلمة”. ويلفت المحامي المصري، إلى أن “النظام لا يهتم بالمضمون بقدر ما يهتم بالأمور الشكلية، كالمشاريع التي تلمّع صورته الخارجية، وحسب، من دون أن يضع خطة فعلية لتطوير مرفق كالسكك الحديدية، أو يتجه إلى مشاريع أخرى مهمة، يستفيد منها المواطنون؛ كالمدارس والمستشفيات. بيد أن ما يعيشه الناس في الحقيقة هو غضب مكتوم بسبب سوء الأوضاع المعيشية والاقتصادية، ناهيك بالقبضة الأمنية على السواد الأعظم من الناس، المضطرين طوال الوقت إلى الانصياع مرغمين في ظل تلك الظروف”.

وفي ما يتصل بالإعلام المصري، فإن تعامله مع الحادث جاء من منطلق أنه “مافيش حاجة حصلت”، كما يوضح خالد، والتشديد على أن الحادث مألوف ويتكرر، في كل دول العالم. ويشير  إلى أن “استقالة الوزير ليست حلاً لكنها الطريقة الكلاسيكية لإنهاء الأزمات المعتادة في مصر، لتحميله المسؤولية بحيث يصبح كبش الفداء، بدلاً من البحث في الأسباب التي أدت إلى الكارثة ومعالجتها”.

وتابع: “لا أعلم إذا كان كامل الوزيري، الذي يتردد اسمه بقوة لتولي حقيبة وزارة النقل، سينجح في ما فشل فيه الوزير السابق أم لا، بخاصة، أن الأول جنرال عسكري ولواء أركان حرب، بينما الآخر من طبقة التكنوقراط”.

قطارات مصر

أنشئت السكك الحديدية في مصر، عام 1851 وبدأ تشغيلها رسمياً، عام 1854، وبذلك تسجّل نفسها باعتبارها ثاني دولة في العالم تستخدم هذه الوسيلة في النقل، بعد بريطانيا، كما تعد الأولى في أفريقيا والشرق الأوسط.

تتكرر حوادث القطارات في مصر وتحصد أرواح كثيرين، ففي 11 آب/ أغسطس عام 2017، وقع حادث تصادم بين قطارين بالقرب من محطة خورشيد على خط القاهرة – الإسكندرية، أودى بحياة 41 شخصاً، إضافة إلى إصابة 132 آخرين. وفي الشهر ذاته، وقع حادث تصادم بين قطار وسيارة في الإسكندرية، وهو ما أودى بحياة سائق السيارة، إلى إصابة اثنين آخرين. بحسب إحصاء أصدره الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري (حكومي)، ضمن كتيب “مصر في أرقام” الذي صدر في آذار/ مارس من العام الماضي، فإن عدد حوادث القطارات في مصر خلال الفترة من 2003 وحتى 2017 بلغ نحو 16.174 ألف حادث.

ووفق الجهة الحكومية ذاتها، شهد عام 2017 أكبر عدد لحوادث القطارات خلال الفترة المشار إليها بـ1657 حادثاً، وفي المقابل سجل عام 2012 عدداً أقل في حوادث القطارات، 447 حادثاً، يليه عام الثورة المصرية 2011، 489 حادثاً.

“الناس مغلوبة على أمرها، والثمن أكبر والنتيجة غير مضمونة، عمر ما هيكوّن فعل غير في لحظة يفقد العقل القدرة على الحساب، ولو حدث احتجاج هيكون بلا عقل. انفجار يتسبب في فوضى عارمة”. عبارة نطق بها رجل أربعيني باقتضاب، بانفعال وغضب شديدين، من دون أن يستكمل حديثه.

وعن سؤال حول واقع المجتمع إزاء تلك الكارثة وما إذا كانت قادرة على تشكيل رد فعل جماعي ضد النظام، يقول مصطفى، شاب في العقد الثالث من عمره، لـ”درج”: “معرفش ايه موضوع أنها مش مبلورة غضب عند الناس؛ لأن على حسب متابعتي للفيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي، أنه في حالة غضب وغليان، لكن معرفش على الأرض الوضع كيف يمكن أن يتهيأ، وفي المقابل، أظن التضامن الذي حصل مع الحادثة وتسابق الناس على المستشفيات للتبرع بالدم يعكس دليلاً على غضب الناس من الأوضاع، لكن بسبب القبضة الأمنية وجهوا غضبهم في شكل تضامن مع حادثة نجمت عن إهمال حكومي شديد يحدث طوال الوقت في بلادنا”.

ضابط تحقيق لمثلي مصري: “إحنا دكاترة وحنعالجك”

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني