fbpx

8 سنوات ولا تزال “اميضر” المغربية تطالب بحقها في الماء قبل الفضة

قرية مغربية يعتصم سكانها منذ سنوات احتجاجا على اعمال منجم للفضة تؤثر في بيئة المنطقة.. لماذا لايزال الاعتصام مستمراً؟؟

برد قارس شتاءً، حر جاف صيفاً، ورياح هوجاء تمضي بلا هوادة، تكسر هدوء المكان بين الفينة والأخرى. هذه الأجواء القاسية كلها لم تمنع سكان قرية “اميضر” الأمازيغية الواقعة في جبال الأطلس في الجنوب الشرقي للمغرب من الاستمرار في اعتصام مفتوح هو الأطول من نوعه في البلد.

عام 2011، وفي أحد أيام آب/ أغسطس الصيفية، قرر أهالي قرية إميضر نصب خيمهم عند قمة جبل “ألبان”، على مرمى غير بعيد من أكبر منجم لإنتاج الفضة في أفريقيا. الهدف: إغلاق أنبوب المياه الذي يزود منجم الفضة، والسبب، الاحتجاج على استنزاف الموارد المائية وتلويث الوسط البيئي من قبل الشركة المستغلة للمنجم، والمطالبة بالاستفادة من ثمار أرباح الفضة عبر إنجاز مشاريع تنموية تشمل البنية والخدمات الاجتماعية والاقتصادية.

القرية المنجمية التي تنتج أكبر معدل للفضة في أفريقيا (نحو 240 طناً سنوياً) ليست في أفضل حال، فبالكاد توجد مرافق أو بنية أساسية كافية، وتحضُر ملامح الفقر (تصل نسبته إلى 47 في المئة) بشكل ظاهر.

لم يبدأ أهالي القرية المنجمية تجربتهم الاحتجاجية باعتصام في الهواء الطلق، بل كان لهم تجارب مماثلة تعود لسنوات الثمانينات وأيضاً خلال عام 1996. المطالب لم تتغير، إذ نادوا آنذاك بتشغيل سكان المنطقة في المنجم، أو تعويضهم عن استنزاف المياه الذي أدى إلى تراجع أنشطتهم الفلاحية.

الماء أولاً وقبل كل شيء  

“ماؤنا وأرضنا يسرقان، يلوثان ويدمران من طرف الشركة، هذه الأخيرة سلبتنا ما وهبته إيانا أرضنا، لم تترك لنا غير التلوث والمعاناة” هكذا تخاطب طفلة عبر فيلم مصور شركة “معادن اميضر”، متهمة إياها بالتسبب في مشكلات بيئية واستغلال الموارد الطبيعية.

يشاطر سكان القرية المنجمية ما قالته الطفلة المتحدثة، و يرون أن ما قامت به الشركة تهديد لأنشطتهم الزراعية ذات الطابع المعيشي.

بيد أن الشركة المستغلة للمنجم، أكدت أنها ستلتزم حفر ثقب خاص بالماء الصالح للشرب وتجهيزه، وربطه بالخزان الرئيسي للقرية، كما أنها وعدت الأهالي بالقيام بدراسة هيدروجيولوجية لتقييم الموارد المائية في المنطقة، فضلاً عن دراسة مفصلة للحوض الذي سيتم انتقاؤه لأجل بناء سد تليّ ستساهم فيه الشركة.

أما في ما يتعلق بالجانب البيئي، فالشركة تعهدت بإدماج تقنيات إنتاجية وتكنولوجيا عالمية لحسن تدبير البيئة، كما تؤكد أنها تقوم بتتبع برنامج المراقبة لجودة المياه الجوفية والنفايات الصلبة والسائلة.

يرى السكان أن هذه تعهدات الشركة المنجمية لم تُنْجَزْ بشكل كامل، والشاهد على ذلك “إصرار المنجم على استنزاف مياهنا ووسرقتها، واستمراره في استنزاف آبار أخرى خارج القانون، فضلاً عن انتشار المواد السامة الملوثة الصادرة عن النفايات المنجمية مثل السيانيد و الزئبق”، وفق ما يقوله “تاوجا”، عضو لجنة الاعلام في حركة “على درب 96” التي تقود حراك إميضر.

ويتابع “تاوجا” في حديثه مع “درج”: “إن الوضعية القانونية لآبار المياه التي منعنا المنجم من استغلالها لا تزال معلقة وغامضة، ينتظرون فقط زوال الاحتجاج وتعليق الاعتصام حتى يتمكنوا من استئناف سرقتها بتواطؤ مع “ممثلي أراضي القبيلة”. هذان الطرفان فقدا كلّ شروط أهليتهما لمزاولة مهمات نائب الأراضي بقوة القانون، غير أن السلطة والمنجم يستغلّان الأرض رغماً عن أنف ذوي الحقوق ورغماً عن أنف القانون نفسه”.

والوعود… هل تحققت على أرض الواقع؟

“تم إنجاز بعض المشاريع الاجتماعية والبنى التحتية بدواوير إميضر وأخرى في طور الإنجاز، لكنها لم ترق بعد إلى مستوى تطلعات السكان، بالنظر إلى حجم الثروات التي تستنزف من إميضر وحجم الأرباح التي تراكمها الشركة”، يقول تاوجا معلقاً على مرور أكثر من 6 سنوات على إبرام الاتفاق المبرم بين الشركة المنجمة وممثلي الساكنة الذي تم توقيعه عام 2012.

وينص الاتفاق المبرم بين الشركة المنجمية وممثلي السكان والسلطات المحلية على إنجاز مشاريع ذات طابع اجتماعي وخدماتي (مدارس، مستشفى ، طرق ومسالك…)، و توفير فرص عمل حصرية ومخصصة لأبناء القرية، فضلاً عن التزام عدم استنزاف الموارد المائية وتلويث الوسط البيئي للمنطقة.

بالنسبة إلى تاوجا، فإن شيئاً لم يتحقق من هذه الوعود المكتوبة، إذ “تم إقصاؤنا من فرص التشغيل مع تبرير ذلك باتفاقية إدارة الشركة والنقابة العمالية التي تقضي بتوريث فرص العمل المتوفرة في المنجم لأبناء العمال، ومعظمهم من مناطق بعيدة وليس من إميضر، إلى جانب نسبة الفقر المرتفعة، وتم تجاهل مطالبنا الرامية إلى وقف هذه الانتهاكات وتعويض السكان عبر الاستثمار في السدود والمشاريع المدرة للدخل، وكذا المستشفيات وأسطول النقل المدرسي”، يستطرد تاوجا في حديثه مع “درج”.

بيد أن الشركة المستغلة للمنجم تؤكد أنها نجحت في تحقيق حزمة من المشاريع ذات الطابع الاجتماعي لفائدة السكان والمنطقة، إذ أفادت بأنها قامت بتوفير الكثير من الخدمات الاجتماعية من قبيل: إنشاء مركز ثقافي في مدينة تنغير غير البعيدة من إميضر، ليستفيد منه سكان المنطقة، فضلاً عن بناء ملاعب رياضية، وتمويل شراء حافلات نقل مدرسي استفاد منها 150 تلميذاً، كما تؤكد أن 60 في المئة من العاملبن في المنجم هم من أبناء المنطقة.

ترحب الشركة المنجمية بفتح باب الحوار أمام المعتصمين من أجل الوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف، غير أن السكان يؤكدون أنهم حاولوا أن يجدوا حلاً معها عبر لجنة تمثلهم لكنها دائماً ما كانت ترد بالرفض.

هل انتصر الاعتصام لسكان اميضر؟

أي مكاسب تحققت بعد مرور 8 سنوات من الاعتصام؟ يسأل متابعون لحراك إميضر.

على رغم طول سنوات هذه التجربة الاحتجاجية وما اعتراها من انتهاكات وتعثرات ووعود مؤجلة، إلا أن ذلك لم يمنع السكان المحليين من الاعتراف بأنها حققت مكاسب نضالية يعتبرونها “انتصاراً ضد أشكال الاستغلال  والجشع” الممارسة ضدهم.

يقول تاوجا: “بفضل عزيمتنا، تمكنا من توفير ملايين الأطنان من المياه لمصلحة سكان المنطقة وفلاحتهم، وإنقاذ مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والأشجار المثمرة، إلى جانب منع الشركة من استغلال رمال الأودية بإميضر منذ شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2011”.

ويفخر السكان بأن خطوة اغلاق الانبوب الذي يزود الشركة بالمياه، تسبب في خفض استهلاكها المياه، وهو  ما أثر بشكل سلبي في إنتاجها الذي تراجع  بنحو 40 في المئة.

إطلاق آخر معتقلي حراك إميضر نهاية عام 2017، يعتبر مكسباً للقضية، لكن ما زالت هناك تفاصيل عالقة لم تتم تصفيتها بشكل نهائي.

في هذا السياق، يوضح تاوجا أن النيابة العامة “ما زالت تلاحق كثراً منهم على أساس الغرامات المالية التي تقدر بمبالغ خيالية، وهذا ليس عدلاً، في الوقت الذي نراهن فيه ونتشبث ببراءة معتقلينا من التهم التي حوكموا على أساسها”.

ويكمل تاوجا “نطالب بإسقاط الشكاوى ومحاضر الدرك الملكي الكيدية المفبركة، التي تم إعدادها بعد تلقي رشى، ولعل برهاننا في ذلك هو توقيف رئيس مركز الدرك الملكي لإميضر، والحكم عليه مدنياً بخمس سنوات سجناً نافذاً، لتورطه في جرائم النصب والاحتيال على المواطنين، هو نفسه من قام قبل ذلك بتحرير محاضر مزورة ومفبركة في حق عشرات المحتجين”.

“أموسو”: الصورة كوسيلة للمقاومة

“يا أماه… أنا مسجون، والحراس يكبلونني، الباب مغلق… ولا أستطيع رؤية الضوء. يا أماه… أخبريهم بأنني قد نصبت خيمتي عند قمة جبل ألبان”، بهذه العبارات يقدم الفيلم الوثائقي “أموسو” مقطعاً ترويجياً يتضمن صرخات امرأة قروية تصدح بالأمازيغية..

الفيلم سجلت مشاهده منذ أواخر عام 2016، من اخراج نادر بوحموش، ويقول عنه منتجوه إنه ثمرة مجهود جماعي مشترك لسكان المنطقة، يحكي باللغة الأمازيغية عن تفاصيلهم اليومية ويوثق لحظات اعتصامهم ومسيراتهم الاحتجاجية التي عمرت لنحو 8 سنوات.

“أموسّو” الحاصل على أفضل جائزة في “مهرجان البندقية للفيلم” في إيطاليا للأفلام في طور الإنتاج، ليس فيلماً عادياً، كما يدافع عنه صانعوه، فهو يوثق لـ”تجربة فريدة من نوعها”، ويؤكدون أنها “لم تحدث أبداً في أفريقيا، وقلّ مثيلها حتى على مستوى العالم، ولعل تجارب الشعوب الأصلية لأميركا اللاتينية وأستراليا تعتبر أبرز التجارب المماثلة”.   

 

إقرأ أيضاً:

 معتقلو حراك الريف المغربي: هل يخرجون بعفو ملكي؟؟

مقتل سائحتين في المغرب:غضب محلي ومخاوف من صعود فكر داعشي من جديد

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
كيرا غورني – مركز المحققين الصحافيين الاستقصائيين ICIJ
قال مسؤولون سابقون في وزارة الخزانة الاميركية إن تحقيقاً بشأن ارتكابات الشركة قد تأجل خوفاً من إغضاب دولة الإمارات العربية المتحدة، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وعندما فشلت محاولات إقناع الإمارات بالعمل بمفردها ضد “كالوتي”، جرى تعليق التحقيق.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني