في المؤامرة على ايران

ترفع تظاهرات الاحتجاج الايرانية تحدياً عاليا أمام الرؤى النمطية. تتقلص أهمية الاسئلة عن ضيق او اتساع المسيرات المعارضة للنظام، مقابل أسئلة مختلفة عن خلفيات وأسباب الموجة الحالية من الاعتراض على سياسات الحكم وعن الفئات الاجتماعية التي نزلت هذه المرة الى الشوارع للتعبير عن ضيقها.

ترفع تظاهرات الاحتجاج الايرانية تحدياً عاليا أمام الرؤى النمطية. تتقلص أهمية الاسئلة عن ضيق او اتساع المسيرات المعارضة للنظام، مقابل أسئلة مختلفة عن خلفيات وأسباب الموجة الحالية من الاعتراض على سياسات الحكم وعن الفئات الاجتماعية التي نزلت هذه المرة الى الشوارع للتعبير عن ضيقها.
ليست الاحتجاجات في الداخل الايراني بالامر العادي، لكن ما نشهده اليوم ليس فريدا في بابه ايضا. وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام تعيد التذكير خصوصا بـ”الثورة الخضراء”، إلا أن البلاد شهدت تحركات لا تقل دلالة في فهم طبيعة الفئة المهيمنة على السلطة. وبعد الحرب الاهلية الصغيرة التي شهدتها إيران في النصف الأول من الثمانينات بين منظمة “مجاهدي خلق” وبين قوات أمن النظام، وتوجت بالقضاء على المنظمة التي ارتكبت خطأها القاتل بالارتماء في أحضان صدام حسين، ساد نوع من الاستقرار الذي حجب تفاعلات داخلية أدت الى انتخاب محمد خاتمي رئيسا للجمهورية سنة 1997 بأكثرية كبيرة.
بيد أن فصاحة “الرئيس الإصلاحي” كانت تزيد بأشواط عن فاعليته وقدراته التي تحداها المحافظون مرات عدة، بمعاقبة آية الله حسين منتظري بالاقامة الجبرية أولا، ثم بحملة اغتيالات واسعة للمثقفين المعارضين. اما ما أحال الاصلاح الخاتمي حطاماًَ لا قيام بعده فكان اضطرابات الجامعات في تموز (يوليو) 1999، التي اندلعت رداً على اغلاق السلطات عدداً من صحف الاصلاحيين. تقول الحائزة على جائزة نوبل للسلام شيرين عبادي في مذكراتها إن خاتمي امتنع عن تأييد الطلاب المنادين بالحريات، إدراكاً منه أن أي مساندة للطلاب سيترجمها الجناح المحافظ مزيداً من القمع الوحشي للشباب الذين اقتحمت عناصر الباسيج مناماتهم واعتقلت اكثر من الف من بينهم. منذ تلك الاضطرابات، رضي خاتمي بدوره المرسوم كصورة مُنقحة للنظام الايراني وامتنع عن اي تحد حقيقي للمرشد ولـ”مؤسسات القوة”. وعندما حان موعد الانتخابات الرئاسية، قبل تكليفه بولاية ثانية باكياً ومرغماً، على ما يقال.
اليوم، ترتفع أصوات من الطبقة المتوسطة المدينية تحمّل المتظاهرين الذين توجهوا اولا الى شوارع مشهد، مسؤولية الخيار الخاطئ الذي تبنوه في 2009 عندما ساندت الطبقات الأفقر والأكثر تهميشا، احمدي نجاد الذي عمد الى توزيع المبالغ المالية نقدا على الفقراء في حركة شعبوية وجدت حكومة روحاني نفسها مُحرجة عندما اضطرت الى وقف هذا النوع من التعويض عن تبعات الغلاء والتضخم، من دون ان تفلح المساعدات التي أقرتها لذوي الدخل المحدود في تجاوز الازمة العميقة للاقتصاد الايراني القائم أساساً على الريع النفطي.
تتكرر في العديد من المقالات التي تنشرها الصحف الغربية عبارات منقولة عن سكان المدن الايرانية، وتعتبر أن “ليس لدى المتظاهرين الحاليين ما يخسرونه”. لقد خدعهم احمدي نجاد وصدمتهم إجراءات حكومة الرئيس حسن روحاني، ومن آخرها رفع الدفع عن الوقود وسلع غذائية أساسية. وإذا كان من شعرة قصمت ظهر الصابرين، فالأرجح أنها موازنة العام 1397 المقبل (بحسب التقويم الهجري الشمسي المعتمد في ايران) والتي لخصها رسام الكاريكاتور المعارض مانا نائستاني بتصويره روحاني واقفاً على أنقاض المنازل التي دمرها الزلزال الاخير في غرب البلاد، فيما ينثر الاموال من كيس الموازنة “بودجه 97″ على صنم مشكل من كبار رجال الدين وقادة الحرس الثوري، في اشارة الى حرمان الحكومة للفقراء من الدعم مقابل السخاء المفرط حيال المؤسستين الدينية والعسكرية.
كل ذلك يساعد في رسم صورة الانقسامات الاجتماعية في ايران بين فقراء المدن وفقراء الريف الاكثر تقبلا للخطاب الديني الخلاصي الذي ترعاه السلطة، وبين الطبقات المتوسطة المدينية التي تعتبر نفسها معنية بالتغيير الديموقراطي، شرط التزامه بالعمل السلمي والتي لم تستفد بعد من رفع العقوبات الدولية التي فرضتها الامم المتحدة، بسبب البرنامج النووي الايراني. هذا ناهيك عن الهويات الطائفية والاثنية المتعددة. من بين شقوق هذه الانقسامات كان النظام يدخل في كل مرة مستخدماً مؤيديه في الطبقات النقيضة لتلك التي تتبنى الاحتجاجات للقضاء على هذه الاخيرة ووسمها بأنها صنيعة الخارج والاعداء.
لكن هذه الممارسة الناجحة أمنياً والتي تفيد في تمديد عمر الجماعة الممسكة بالحكم، لا تساهم في علاج الامراض المزمنة للاقتصاد والاجتماع الايرانيين، ما دامت تصورات السلطة عن نفسها لا تقبل فكرة التجديد الا من شريحة تزداد ضيقا من الموالين المؤمنين بحقهم الازلي في حكم لا يعرف الاصلاح طريقا اليه.

[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
كم يبدو مستفزاً أن تتقاطع مصالح الطوائف اللبنانية عبر تمرير جريمة انفجار المرفأ في مقابل تمرير عملية السطو على الودائع، وأن يُضرب صمت على غرق مركب الموت مقابل التضامن مع المفتي في حربه على الزواج المدني. يجري ذلك وسط انهيار كل شيء، ووسط تغوّل الطبقة السياسية، ووسط نجاة المرتكبين.
Play Video
الشابة اللبنانية المسلمة فاطمة هاشم نمير التي تزوجت مدنيا شابا مسيحيا، والمحامية والحقوقية النسوية ليلى عواضة التي ساهمت خلال عملها بمنظمة كفى بصياغة قانون احوال شخصية مدنية، تناقشان موضوع الزواج المدني وصوغ قوانين أحوال شخصية مدنية لا دينية في لبنان، في هذه الحلقة من بودكاست “نون” بعنوان “زواج مدني؟ الويل والثبور”، مع ديانا مقلد.

42:09

Play Video
حلمي إني أدرس…”، مع انهيار قيمة الليرة اللبنانية وتأزّم الوضع الاقتصادي في لبنان، برزت قضية عمالة الأطفال، إذ أخرطت أُسر كثيرة أطفالها في سوق العمل لتأمين مدخول مادي إضافي. هنا قصة الطفل أحمد الذي كبر قبل أوانه…

1:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني