fbpx

The Atlantic: التغيير في إيران لن يأتي بسهولة ولا بسلمية وليس في القريب العاجل

يناير 4, 2018

تواجه الحركات الاحتجاجية في الشرق الأوسط عقبات قمعية هائلة، ونادراً ما تشهد نهايات سعيدة، وحتى عندما “ينجح” المتظاهرون في الحكام المستبدين، فقلما يفلحون في إنهاء الاستبداد السائد.
أما في إيران، فهذه العقبات في طريق التغيير، تتميز بمشقة وقسوة تفوق ما تشهده باقي دول منطقة الشرق الأوسط، إلى حد يكاد يحبط العزائم. وبينما يحكمُ معظم دول الشرق الأوسط قادة مستبدون علمانيون، ينصب تركيزهم على مواجهة وقمع المعارضة الإسلامية في المقام الأول، ما يحدث في إيران صورة مقلوبة، بحيث نجدُ نظاماً إسلامياً استبدادياً، يركز على قمع المعارضة العلمانية. وهذه الديناميكية، التي يتقابل فيها من جهة، مواطنون غير مسلحين ومن دون قيادات تتزعم حراكهم ومن غير تنظيم ويقودون حراكهم من أجل الكرامة الاقتصادية والتعددية، وعلى الجهة الأخرى، نظام ثيوقراطي بالغ القسوة محاط بعناصر مسلحة جيدة التنظيم حاضرة للقتال والموت، من المستبعد أن يُكتب لها النجاح.
ومع ذلك، ورغم الظروف المشؤومة، كانت الاحتجاجات المتعاظمة المناهضة للحكومة في إيران، وإن كانت أقل عدداً  بكثير من حجم انتفاضة البلاد عام 2009، فريدة من نوعها من حيث كثافتها وانتشارها الجغرافي. فهي انطلقت في البداية في 28 ديسمبر / كانون الأول في مشهد، المدينة المقدسة لدى الشيعة، والتي غالباً ما تعتبر معقلاً للنظام، وردد خلالها المتظاهرون شعارات مثل “اتركوا سوريا لحالها، وفكروا فينا”.
وسرعان ما انتشرت الاحتجاجات إلى قم، وهي أقدس مدن إيران، حيث أعرب المحتجون عن الحنين لرضا شاه، الحاكم الحداثي الطاغية، الذي حكم في القرن العشرين وتميز بنظامه القمعي وتسليط أشد أصناف التعذيب والقمع ضد رجال الدين، واستمرت الاحتجاجات لتعُم مدن المحافظات، مع ترديد الآلاف من المتظاهرين شعارات، منها “نحن لا نريد جمهورية إسلامية” في نجف آباد، و”الموت للحرس الثوري” في رشت، و”الموت للديكتاتور” في خرم أباد. وقد انتشرت التظاهرات منذ ذلك الحين لتصل طهران، حيث تم اعتقال المئات، وفقاً لما ذكرته ال بى بى سى نقلاً عن مسؤولين ايرانيين.
إن ما أثار هذه الاحتجاجات لا يزال محل جدل، تشير بعض الدلائل إلى أن القوات المتشددة قد شجعت هذه الاحتجاجات في البداية لإحراج الرئيس حسن روحاني، ولكن ما ألهب نيرانها وزاد من حدتها  هي نفس المظالم التي تؤجج الاحتجاجات المناهضة للحكومة في كل مكان، من ارتفاع تكاليف المعيشة، والفساد المستشري، والاحتيال، وسوء الإدارة، لكن في في إيران، يضاف إلى ذلك الخليط المرير، ما يشهده البلد من قمع سياسي واجتماعي، على حد سواء، يتم انطلاقاً من القاعدة الأخلاقية للثيوقراطية الإسلامية.
وعلى الرغم من أن هذه المظالم تفاقمت وزادت تعقيداً على مدار سنوات وعقود، فإن من بين عشرات العوامل التي تميز احتجاجات اليوم، عن نظيرتها في عام 2009 ، نجد عنصر الهاتف الذكي. في عام 2009، عندما احتج ما يقدر ب 2 مليون إلى 3 ملايين إيراني بصمت في طهران، كان أقل من مليون إيراني يمتلكون مثل هذا الجهاز، وعدد قليل من خارج طهران، أما اليوم، يُعتقد أن 48 مليون إيراني، وهو عدد مذهل، يملكون هواتف ذكية، وجميعهم مزودون بوسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات التواصل. ويُعتقد أن تطبيق تيليغرام وحده لديه 40 مليون مستخدم في إيران، وليس باستطاعة الحكومة السيطرة عليه، لكن لا أحد يضمن مع ذلك استمراره في حالة إيقاف الاتصالات إذا حاولت طهران خنق الإنترنت.
وبينما يدرك الإيرانيون ما يدور حولهم في العالم، وهم على إطلاع إلى حد كبير على كيفية العيش في أماكن أخرى من العالم، لم يكن لدى بقية العالم سوى فكرة غامضة أو مشوهة عن الظروف التي يعيش فيها الإيرانيون، بسبب إخفاق التغطية الإعلامية الغربية في نقل الصورة الحقيقية لما يجري فعلاً في طهران. ومنذ عام 2009 وحتى قبل ذلك، تم ترهيب الصحفيين المحترفين الذين يغطون الأحداث في إيران، على غرار فرناز فصیحی من صحيفة “وول ستريت جورنال”، ونازيلا فتحي في صحيفة نيويورك تايمز، ومازيار بهاري من نيوزويك، وباريسا حفيزي، وباباك دهغانبيشيه، وعشرات آخرين، وتم  في بعض الحالات اعتقال بعضهم  وإلقائهم في السجن، ومن تبقى من الصحفيين القلائل في إيران، أصبح يشعر بالذعر، ويخاف على سلامته الشخصية، فضلاً عن الدفع بالعديد من أفضل الكتاب والعلماء والفنانين الإيرانيين إلى مغادرة إيران باتجاه المنفى.
وفي الوقت نفسه، منح النظام تأشيرات الدخول وتسهيل الزيارة لإيران، إلى الصحفيين المعروفين بتقديمهم تغطية صحفية مجاملة. وتميز عمل وزير الخارجية جواد ظريف بفعالية كبيرة، من حيث تسخيره الصحفيين والمحللين والمسؤولين الغربيين، وقد أحدث ذلك، فجوة سمحت لجيل جيد من الصحفيين ومحللي الرأي -بعضهم يبحثون في الوقت نفسه عن تعزيز حظوظهم في مجال الأعمال في إيران– بتفادي إحراج السلطة من خلال كتابتهم، وتجنب كل ما من شأنه إغضابها، من أجل الحفاظ على امتيازاتهم .

ماذا يحدث الآن؟
يشمل سجل الحكومة الإيرانية أعلى معدل في تنفيذ حكم الإعدام في العالم، إلى جانب معاملتها المرأة كمواطن من الدرجة الثانية، واضطهاد المثليين والأقليات الدينية، وخنق حرية التعبير. ورغم وجود رغبة طبيعية بين المواطنين المحترمين في كل مكان من البلاد، وطموح في نجاح حراك الحقوق المدنية السلمية في إيران، هناك للأسف أسباب كثيرة تجعل المرء يشكك في إمكانية نجاح مثل هذه الحركات في تحقيق أهدافها.
إن الجهاز القمعي للنظام الإيراني، المؤلف من حرس الثورة الإسلامية، والمعروف أيضاً باسم الحرس الثوري أو حرس الباسداران، وميليشيا  الباسيج، وهو جهاز منظم وكثيف العدد والعدة، يتقن ممارسة القمع الوحشي. بالمقابل، تعاني معارضة الحكومة من قلة التنظيم وغياب القيادة والتوجيه، وأفرادها غير مسلحين. وبالإضافة إلى ذلك، تملك إيران تحت تصرفها، عشرات الآلاف من الميليشيات الشيعية، بما في ذلك حزب الله اللبناني، والتي حظيت بالرعاية والعناية منذ سنوات، بل ومنذ عقود في بعض الحالات. بالنسبة لهذه القوات المتشددة، تعتبر عملية سحق المتظاهرين الإيرانيين العزل، مهمة أسهل بكثير من محاربة المتمردين السوريين أو الجهاديين السنة.
وبينما أعرب البعض عن أملهم في أن تُجبِر هذه الاحتجاجات الحكومة الإيرانية على الأخذ في الاعتبار المظالم الشعبية ومعالجتها، فقد أثبت التاريخ أن العكس هو الذي يحدث على الأرجح. من المتوقع أن نشهد في الأسابيع والأشهر القادمة، مزيداً من القمع والبطش من قبل النظام، وقد بينت الأيام أن قوات الأمن الإيرانية تنمو وتزداد قوة عندما ينعدم الأمن، وهو ما يدفع بعض الإيرانيين إلى حد الاعتقاد بأن الحرس الثوري الإيراني قد سمح عن قصد بتفاقم الاحتجاجات  كذريعة لتوسيع نطاق سلطته باسم الأمن القومي.

ماذا يمكن أن تفعله الولايات المتحدة؟
من الطبيعي أن يحظى الحراك الشعبي ضد نظام جعل من “الموت لأميركا” شعاره الرسمي، بدعم قوي  من السياسيين الأميركيين، لكن السؤال المطروح، كما هو الحال دائماً، ما هي الطريقة الأكثر فعالية، التي يمكن لواشنطن من خلالها أن “تدعم” هذه الاحتجاجات؟ ونتذكر أنه في أعقاب حرب الخليج لعام 1991، قام الرئيس جورج بوش، على نحو بائس بتشجيع الشيعة العراقيين على الثورة ضد صدام حسين، وعندما قاموا بذلك وتعرضوا لمجازر، تعرض بوش لموجة من الغضب الدولي أكثر مما تعرض له صدام نفسه. وفي عام 2009 عرضت إدارة أوباما دعمها الفاتر لانتفاضات الحركة الخضراء في إيران، وهو ما وصفته هيلاري كلينتون لاحقاً بأنه كان ذلك أكبر حادثة أشعرتها بالأسف الشديد بصفتها وزيرة للخارجية.
ما الذي يتعين على القادة الأميركيين فعله إذن؟ إذا كانت التصريحات المصاغة بعناية، تعبيراً عن التضامن مع الشعب، بعيداً عن أي إشارة توحي بالتحريض، تُعتبر أمراً جيداً بالنسبة للأجيال القادمة، فلا بد من التنبه أنه بالنظر إلى افتقار واشنطن شبه الكلي إلى أي نفوذ على طهران، قد يجعل مثل هذه التصريحات عديمة الجدوى والمفعول (على عكس التصريحات الرسمية التي تصدرها واشنطن باتجاه الأنظمة الاستبدادية التي تملك نفوذاً فعلياً عليها، مثل مصر في عهد مبارك)، ولهذا السبب، فإن ما يكتسي أهمية أكبر من التصريحات العامة، هي السياسات الأميركية التي يمكن أن تقوِض قدرة النظام الإيراني في مجال القمع وإحباط محاولاته لقطع شبكات الاتصالات بشكل تام.
ومن جملة الاقتراحات الملموسة، أن توضح الولايات المتحدة للشركات والبلدان في جميع أنحاء العالم المتواطئة مع الجهاز القمعي الإيراني، بما في ذلك كل من يقدم  تكنولوجيا الرقابة، أنهم سيواجهون موقفاً صارماً من الولايات المتحدة، وينبغي أيضاً أن تعبئ الولايات المتحدة الشركاء العالميين الذين لهم علاقات عمل مع إيران ، مثل أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية والهند، لإضافة أصواتهم المعبرة عن قلقهم وإدانة ما تقوم به طهران من أعمال قمعية بحق المواطنين. ويُلاحظ في هذا الصدد، الصمت الصارخ الذي التزمته الممثلة العليا للسياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني.
ونظراً للغياب التام للشفافية في تسيير عمل مؤسسات النظام الإيراني، وعدم إمكانية إجراء أي تحقيق مستقل حول ما يجري في البلاد، يتعذر التنبؤ بما ستحمله الأيام والأسابيع المقبلة من تطورات. وبينما تبدو سلطة خامنئي والمحيطين به من قوات الحرس الثوري، راسخة من على بعد آلاف الأميال، فنحن نعرف أيضاً من أحداث التاريخ أن الاستقرار الاستبدادي، يمكن أن يكون مجرد خرافة، ومثال على ذلك، ما توصلت إليه وكالة المخابرات المركزية الأميركية في أغسطس/ آب  1978، بناء على تقييم موثوق أجرته مصالحها،  من أن مُلك الشاه بهلوي في إيران “ليس في وضع ثوري أو حتى ما قبل الثورة”،  وبعد خمسة أشهر فقط، أجبِر الشاه الذي كان يعاني من سرطان في مرحلة متقدمة دون علم حتى أفراد عائلته، على مغادرة السلطة دون العودة إليها مطلقاً. لقد كانت الأوضاع الصحية لخامنئي مصدر تكهنات واسعة لسنوات، لكنها حُفَتْ بالتكتم المحكم باعتبارها من أسرار الأمن القومي.
“أنا متشائم من حيث المعلومات المتاحة، لكن متفائل بسبب الإرادة” هذا ما يميل الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي إلى قوله، في إشارة منه إلى ضرورة التحلي بالواقعية في التطرق إلى أحداث التاريخ.
إن ألفين وخمسمائة سنة من الحضارة الفارسية وقرن من الكفاح من أجل الديمقراطية، يحملان معهما الأمل بشأن الإرادة الإيرانية التي لا يمكن كبحها، على تغيير الوضع، لكن تاريخ الجمهورية الإسلامية الممتد عبر أربعة عقود من الوحشية، يوحي لنا بأن التغيير لن يأتِي بسهولة، ولا بطريقة سلمية، وليس في القريب العاجل.

كريم سادغادبور، باحث في مؤسسة كارنيغي وأستاذ مساعد في جامعة جورج تاون

هذا الموضوع مترجم عن موقع The Atlantic ولمراجعة الموضوع الاصلي زوروا الرابط التالي.[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
ما يحصل هو سياق تاريخي من التدمير الذاتي وإدراك تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية، متمثلاً بالتراخي وعدم القدرة على التواصل مع العمق العربي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني