fbpx

مصر: ذهول ما بعد الإعدام…

بدا تنفيذ الإعدام في شبان اشتكوا بحرقة من تعرضهم للتعذيب وانتزاع اعترافات منهم بالقوة حقيقة ثقيلة أرخت بالكثير من التشكيك في نزاهة التحقيقات، وفتحت نقاشاً محتدماً حول ضرورة وقف التعذيب وإلغاء عقوبة الإعدام.
محمود الأحمدي في محاكمته

بشق الأنفس جاهد محمود الأحمدي كي يُبلغ قاضي التحقيقات أثناء جلسة المحاكمة يوم 16 /8/ 2016 ما تعرض له من تعذيب داخل مقر الأمن الوطني في لاظوغلي، وسط حال من البلبلة من جانب النيابة لمنعه من التحدّث. لكن محمود بدا مصمماً حينها، على رغم احتمالات تعرضه لمزيد من الانتقام في التحقيق، وكشف أمام القاضي والحضور في قاعة المحكمة عن ساقه وذراعه لتظهر آثار التعذيب…

بعد تلعثم، طالب محمود من قاضي التحقيقات عرضه ورفاقه المتهمين في قضية اغتيال النائب العام على الطب الشرعي لإثبات وقائع التعذيب.

كرر محمود جملته على مسامع القاضي، “يا فندم احنا بننطحن من رئيس المباحث ومن المأمور… اتكهربنا كهربا تكفي مصر لمدة عشرين سنة، ولو على الاعترافات، احنا بيتحقق معانا لمدة 20 ساعة كاملة يومياً. أديني يا فندم صاعق كهربائي واخليلك أي حد هنا يعترف أنه هو اللي قتل السادات”.

لم يأخذ القاضي بشهادة محمود ورفاقه، ولم تتم إحالته والمتهمين الآخرين في قضية اغتيال النائب العام للطب الشرعي بناء على طلبهم، بل أحيلت أوراقهم إلى المفتي.

تم تنفيذ حكم الإعدام فيه وثمانية آخرين فجر يوم الأربعاء الماضي. تراوحت أعمار الشبان الذين نفذ فيهم الإعدام ما بين 23 و30 سنة.

ظلّت كلماتهم حول تعرضهم للتعذيب ترن في عقول شرائح واسعة من الرأي العام الذي تداول بكثافة عبر “السوشيال ميديا” الشهادات المسجلة لهم أمام المحكمة.

بدا تنفيذ الإعدام في شبان اشتكوا بحرقة من تعرضهم للتعذيب وانتزاع اعترافات منهم بالقوة حقيقة ثقيلة أرخت بالكثير من التشكيك في نزاهة التحقيقات، وفتحت نقاشاً محتدماً حول ضرورة وقف التعذيب وإلغاء عقوبة الإعدام.

قبل تنفيذ حكم الإعدام توالت الدعوات للمطالبة بوقف الحكم، ووصفت منظمة العفو الدولية في بيانها عقوبة الإعدام بالعقوبة القاسية واللاإنسانية. وطالبت السلطات المصرية بأن توقف جميع عمليات الإعدام وأن تعلن على الفور وقفاً لتنفيذ أحكام الإعدام بهدف إلغاء العقوبة تماماً.

بعد تنفيذ حكم الإعدام أصيب الجميع بالحزن والفجيعة، بخاصة أصدقاء المتهمين التسعة.

يعيش محمود العناني حالة من الصدمة والذهول بعد تلقيه خبر إعدام صديقه أحمد وهدان. محمود صحافي وناشط سياسي وكان صديقاً لوهدان ويكاد لا يصدق أن الإعدام تم تنفيذه حقاً، خصوصاً مع الضعف الظاهر للأدلة التي تم الاستناد إليها في المحاكمة. يقول محمود لـ”درج”، “أحمد تم القبض عليه قبل اغتيال النائب العام بـ45 يوماً وشاب آخر ممن تم تنفيذ حكم الاعدام فيهم كان يمضي خدمته العسكرية أثناء اغتيال النائب العام وخرج من الجيش بعد ذلك بثلاثة أشهر… لم أتوقع تنفيذ حكم الإعدام. كنت أتخيل أنه سيتم وقف تنفيذه مثلما كان يحدث أثناء حكم مبارك”.

يقول محمود، “أعرف أحمد منذ عام 2013 من اعتصام رابعة وتطورت علاقتنا وكنا نشارك في التظاهرات سوياً. كان أحمد من المنادين بالسلمية، ودعا إلى محاكمة مرتكبي مجزرة رابعة. تعرض أحمد للإخفاء القسري، وتم احتجازه في الأمن الوطني. خلال المحاكمات أكد عدم علمه بالتهمة الموجهة إليه، وأنه اضطر للاعتراف أمام الكاميرات أثناء التحقيقات، والفيديوات التي أظهرت اعترافاته تم تصويرها قسراً كي يتوقف التعذيب”.

والإعدامات الأخيرة قد تكون الأكثر صدماً للرأي العام لكنها ليست الوحيدة فقد نفذت سلسلة أحكام إعدام في قضية المنصورة وفي قضية عرب شركس، على رغم أن القضاء الإداري حكم بعدم جواز الحكم أمام القضاء العسكري لكن كان قرار القضاء الإداري متأخراً بعدما تم إعدام المتهمين بالفعل!

عمل محمد العناني على تحقيق صحافي عن أحكام الإعدام في مصر بين عامي 2017 و2018. يقول إن هناك خمس قضايا تم تنفيذ حكم الإعدام فيها، على رغم أن كل قضية فيها ما لا يقل عن أربع إثباتات، تؤكد عدم قانونية حكم الإعدام الصادر وعدم صدقية تحريات المباحث التي تم الاستناد إليها في النيابة كأدلة ضد المتهمين.

“المنظومة نفسها فيها مشكلة إذ لا تتم مراعاة إجراءات الضبط ولا إجراءات التحريات واثباتات الدفاع، تخيلي قضايا المنيا والمنصورة لم يسمح أصلاً للدفاع بأن يدافع عن المتهمين، إذاًً كيف أثق في ضمير هذه المنظومة في إصدار حكم على متهم بإزهاق روحه؟”.

يقول العناني: “منطق عقوبة الإعدام منطق غير إنساني، تمكن معاقبة الإنسان بعقوبة سالبة للحرية، غير سالبة للروح الإنسانية، الإعدام للأسف يقتل روح العقاب ويحوله مجرد انتقام. لنفترض أن بعد سنوات اكتشفنا براءة المتهمين بعد إعدامهم، في هذه الحالة العقوبة لا رجعة فيها لأن المجني عليه مات”.

لم ينس العناني مشهد أصدقائه وهم يطلبون من القاضي إحالتهم للطب الشرعي، والقاضي غير مهتم، يقول العناني: “المتهم يقول اتعذبت والقاضي لا يأخذ اجراءً ولو صورياً فهل هذه منظومة عدالة؟ الإنسان تثبت عليه تهمة في حالتين: أن يعترف بكامل إرادته وقواه العقلية من دون إكراه أو ضغوط أو تعذيب، أو أن يكون هناك دليل مادي ملموس وممسوك تم تحريزه بشكل قانوني… كل دي مبادئ قانونية بسيطة جداً لا تراعى في المحاكم المصرية”.

العناني أشار إلى أن المتهمين في مصر لا يحاكمون أمام قاضي عدل وفق المنظومة التقليدية، فالحاصل اليوم هو أنه يتم تشكيل دوائر معينة تسمى دوائر الإرهاب ويتولاها قضاة محددون، “هذا يقتل فكرة العدالة، لأنه يثبت انحياز القضاة إلى السلطة القائمة. اليوم القضاة لا يعبرون عن مواقفهم السياسية فقط، بل يحكمون بناء على مواقفهم السياسية علناً وهذا صلب اعتراضي على أحكام الإعدام عموماً”.

“ك. ن” كان زميلاً لأحمد وهدان في كلية الهندسة ويقول عنه: “كان أحمد أكبر مني بـ3 سنوات. هو ابن طه وهدان عضو مكتب الإرشاد من الاسماعيلية، ولفترة كان متحدثاً رسمياً باسم شباب الجماعة. كانت تحدث بيننا سجالات ونقاشات فكرية وسياسية… أنا شيوعي وهو اخواني. كنا نتبادل الكتب، أتذكر أنه استعار مني كتاب “الانفجار” لهيكل وحتى الآن ما زالت هناك صفحات طواها بيده داخل الكتاب على حالها معي، أحمد هو من كتب البيان الشهير الذي قال فيه إن شباب الإخوان اخطأوا بالنزول إلى الميدان بعد مئة يوم من تولي مرسي ولم يكن هناك داع للاشتباك مع المتظاهرين. كان ضد الاشتباك. أحمد أصيب في رأسه حينها. في ذلك اليوم التقيته وضحكنا، ثم افترقنا لفترة بسبب تطورات السياسة، ثم هاتفته يوم 3 تموز/ يوليو 2013 وقلت له ممازحاً، يوم ليك ويوم عليك يا حلو، وافترقنا ثانية حتى علمت أن اسمه ضمن الأسماء المتهمة باغتيال النائب العام وصدمت حين وصلني خبر إعدامه، وشعرت بالأسى سواء كان أحمد مظلوماً أو حتى مذنباً”.

 

أحمد تم القبض عليه قبل اغتيال النائب العام بـ45 يوماً وشاب آخر ممن تم تنفيذ حكم الاعدام فيهم كان يمضي خدمته العسكرية أثناء اغتيال النائب العام وخرج من الجيش بعد ذلك بثلاثة أشهر…

 

المحامية دعاء مصطفى مديرة وحدة العدالة في المفوضية المصرية للحقوق والحريات، كانت من المحامين الأساسيين في الدفاع عن المتهمين في قضية اغتيال النائب العام. تقول لـ”درج”، “كل المتهمين في قضية النائب العام تعرضوا للإخفاء القسري والتعذيب وأجبروا على الاعترافات، كما تم تعذيبهم بصاعق الكهرباء وبالضرب والتعليق. كل هذه الوقائع تم ذكرها في المحاضر الرسمية، وذكرها المتهمون في المحكمة لكن لم يتم التحقيق فيها أو تحويلهم إلى الطب الشرعي”.

تؤكد دعاء معارضتها عقوبة الإعدام، لأن ما يحصل في المحاكمات في مصر لا يعدو كونه إجراءات معيبة وليس فيها أي ضمانة من ضمانات المحاكمة العادلة. تلفت دعاء إلى أن هناك 143 دولة على مستوى العالم أوقفت عقوبة الإعدام، ما عدا دول قليلة جداً منها مصر والسعودية وإيران، حتى تونس بسبب الثورة تم تجميد تنفيذ عقوبة الإعدام فيها.

كانت دعاء تعمل مع أهالي المتهمين في قضية اغتيال النائب العام على الإجراءات الدولية لوقف تنفيذ الحكم، لكنها فوجئت باتصال يخبرها بنقل المتهمين إلى سجن الاستئناف من أجل تنفيذ الحكم “حاولنا أن نوقف التنفيذ من خلال المراسلات مع أكثر من جهة، لكن للأسف الدولة نفذت حكم الإعدام”.

تقول دعاء: “الجثامين وصلت مشرحة في عربة الترحيلات يوم الأربعاء صباحاً بعد تنفيذ الإعدام بـ3 ساعات مع جثامين جنائيين آخرين تم تنفيذ أحكام الإعدام فيهم. لم يتم تسليم كل جثامين المتهمين في قضية اغتيال النائب العام. يوم الأربعاء تم تسليم جثمانين والخميس تم تسليم أربعة جثامين، وهناك ثلاثة جثامين أخرى لم يتم تسليمها، سيتم تسليمها يوم السبت، تسليم الجثث على مراحل فيه نوع من التعنت وعدم مراعاة للأهالي”.

تم رصد تنفيذ 15 حكماً بالاعدام على 15 متهماً منذ شباط/ فبراير هذا العام، وفي السنة الماضية تم تنفيذ 35 حكماً بإعدام متهمين سياسيين…

تؤكد دعاء مصطفى أن تشكيل دوائر الإرهاب للتحقيق في قضايا سياسية هو، “إجراءات استثنائية تهدف إلى تسييس القضاء واصدار أحكام استثنائية على المتهمين السياسيين. وللأسف حتى المحكمة الإدارية التي أصدرت حكماً ببطلان تنفيذ حكم الإعدام في قضية عرب شركس ليست لديها درجة ملزمة من درجات التقاضي”.

طاهر مختار معتقل سياسي سابق، قال لـ”درج” إنه ضد عقوبة الإعدام، وأوضح سبب ذلك من خلال شهادته التي سمح لنا بالاستعانة بها ونشرها، حيث روى تفاصيل عاشها في السجن، “أي متهم تم سجنه في مصر أو عمل على قضايا معتقلين سابقين بخاصة الإسلاميين يعرف أن التعذيب الوحشي هو القاعدة وليس الاستثناء، من فترة الإخفاء القسري حتى الترحيل إلى أمن الدولة، والتعذيب يكون بوسائل وحشية قد تقتل المتهم إذا لم يعترف، وهذا التعذيب ليست له مدة محددة، والضباط يعلمون أنهم فوق المحاسبة حتى إذا مات المتهم، كما حدث في أكتر من واقعة، كـقتل إسلام عطية أو قتل المحامي كريم حمدي. في النهاية المتهم لا يصمد ويقر باعترافات ظابط أمن الدولة”.

ويضيف طاهر مختار في شهادته: “دور النيابة العامة تخدير المتهم بالقول بوعده بأن يُعرض على الطب الشرعي، لكن ذلك لا يحدث لإثبات آثار إصابات التعذيب”.

في شهر نيسان/ أبريل من العام الماضي أصدرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” بياناً بعنوان “القضاء المصري لا يعرف سوى أحكام الإعدام”، قالت فيه إن المحاكم المصرية باتت تصدر أحكاماً مطلقة بالإعدام، من دون محاكمة عادلة ونزيهة للمتهمين في القضايا بسبب انتمائهم السياسي، وصدر في نحو 20 قضية إحالة لمفتي الجمهورية تهميداً للإعدام. ووصلت أوراق 1450 شخصا إلى المفتي، ثبت منها نحو 520 حكماً، و8 أحكام منها نافذة بشكل نهائي بعد تصديق الحكومة المصرية عليها، إضافة إلى تنفيذ الحكم بالإعدام شنقاً بحق مواطن واحد في آذار/ مارس الماضي بينما ينتظر 6 المصير ذاته بعد تصديق رئيس الجمهورية الحالي على إعدامهم.

ورأت المنظمة أن تلك الأحكام بمعظمها لا ترتكز على سند قانوني في صدورها، ولم تُراعِ شروط العدالة والنزاهة، وأثبتت هذه المحاكمات فشل مصر في احترام تعهداتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، وخصوصاً في ما يتعلق بالإجراءات القانونية الواجبة وضمانات المحاكمة العادلة، بخاصة بعد رفض مصر أهم توصيات الاستعراض الدوري الشامل في ما يتعلق بإلغاء أحكام الإعدام.

 

“المنظومة نفسها فيها مشكلة إذ لا تتم مراعاة إجراءات الضبط ولا إجراءات التحريات واثباتات الدفاع، تخيلي قضايا المنيا والمنصورة لم يسمح أصلاً للدفاع بأن يدافع عن المتهمين، إذاًً كيف أثق في ضمير هذه المنظومة في إصدار حكم على متهم بإزهاق روحه؟”.

 

وقالت المنظمة إن العدد الكلي للإعدامات التي تنفَّذ سنوياً على مستوى العالم يبلغ قرابة 700 حالة، ما يجعل الأحكام المذكورة في مصر أكبر عقوبة إعدام جماعي في التاريخ الحديث.

ومن جانب آخر، فإن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية لم توقف نداءاتها وبياناتها لأعوام متواصلة، في دق جرس الإنذار في موضوع تزايد الحكم بالإعدام في مصر، فمع رصد معدل البيانات التي تصدرها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، نرى أن المبادرة تصدر ما لا يقل عن ثلاثة بيانات شهرياً، لكن هذه البيانات لا يتم الالتفات إليها، ولا تصديرها إعلامياً، على رغم توثيقها عدداً كبيراً من أحكام الإعدام في قضايا سياسية، بناء على محاضر ووثائق من داخل المحاكم المصرية.

المبادرة المصرية أصدرت أيضاً التقرير السنوي الذي تعده بالتعاون مع مركز عدالة للحقوق الشخصية، بعنوان “باسم الشعب… التقرير السنوي عن عقوبة الإعدام في مصر”. رصد التقرير في فصله الثاني أنماط الانتهاكات التي تَعرَّض لها بعض المتهمين المحكوم عليهم بعقوبة الإعدام حضوريّاً أثناء سير القضايا. وتعرض 32 متهماً على الأقل في 8 قضايا إخفاء قسري، بينما باشرت النيابة التحقيق مع 50 متهماً على الأقل، على رغم غياب محاميهم أثناء فترات التحقيق، وتراجع 42 متهماً، حُكِم عليهم بالإعدام على الأقل عن اعترافاتهم السابقة لكونها نتيجة تعذيب، ووثقت المحكمة أثناء مناظرة 13 منهم على الأقل وجود آثار في أجسامهم، كما طلب 22 منهم على الأقل عرضهم على الطب الشرعي. وإضافة إلى هذا، قامت وزارة الداخلية بتصوير مقاطع فيديو تُظهِر 11 متهماً وهم يدلون باعترافات، ونشرها، أثناء فترات التحقيق معهم، وتم توثيق شكاوى 22 متهماً – على الأقل – من سوء الأوضاع في السجون، وحُكم عليهم بالإعدام أمام هيئة المحكمة.

 

إقرأ أيضاً:

تسريب فيديوهات جنسية في مصر: جسد المرأة أداة قمع سياسي

مصر: حرب على خالعات الحجاب

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
هذه الوثائق، إضافة إلى أنها تكشف الأدوار الرهيبة لمصارف عالمية في تمويل الإرهاب والمخدرات والفساد والأنظمة الاستبدادية، تساعدنا أيضاً على فهم وظيفة المصرف في النظام المالي العالمي والمحلي أيضاً، وفهم مصادر الجشع الذي اختبرناه في لبنان…
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني