fbpx

ما الذي نقل المنظر الفرنسي ميشيل فوكو من الجنسانية والجنون نحو السياسة..

يناير 5, 2018
ما الذي جعل المُنظر الفرنسي المختص في أمراض الجنون والحياة الجنسية يتحوَل إلى التنظير السياسي؟

ما الذي جعل المُنظر الفرنسي المختص في أمراض الجنون والحياة الجنسية يتحوَل إلى التنظير السياسي؟
عند وفاته في عام 1984، ترك ميشيل فوكو رسالة أعرب فيها عن رغبته في عدم نشر أعماله بعد رحيله، لكن كان حريٌ به أن يعلم أكثر من غيره أمراً بالغ الأهمية، وهو أن لهفة الباحثين المهتمين بأعماله، وبمزيد من التوضيح والتفصيل لمواقف هذه القامة الفكرية، تُعتبر رغبةً لا تقاوم ولا يمكن لأحد كبحها، وكان منطقياً ذلك السيل الغزير من المنشورات الصادرة بعد وفاة فوكو، وأكثرها ترقباً، مجموعة المحاضرات السنوية التي ألقاها بمعهد كوليج دو فرانس، والتي بدأ نشرها مترجمة إلى الإنكليزية في عام 2003.
كان خط مسار فوكو الفكري مثيراً للجدل وذلك حتى أثناء حياته. ومثال على ذلك الجدل، تساؤل القراء ما إذا كان تحوله الأخير لتبنيه أخلاقيات الرعاية الذاتية، يشكل خيانة لِنبوءته النيتشوية (نسبة لنيتشه) في وقتٍ مبكرٍ من مساره الفكري، حين كان يرى أن مفهوم “الإنسان”، محكوم عليه بالاختفاء. وكيف يمكنه أن يميز بين الصواب والخطأ في أعمال الإنسان دون الالتزام تجاه النفس والإنسان؟ هل تخلى فوكو في نهاية المطاف عن نيتشه، وإذا كان الأمر كذلك، فهل كان ذلك أمراً جيداً أم سيئاً؟
هذه المحاضرات، هي حالياً موضوع اثنين من الكتب الجديدة المذهلة لستيوارت إلدن، تحت عنوان: “فوكو: ولادة السلطة” و”عقد فوكو الأخير”. في الكتاب الأول، يحاول إلدن التخفيف مما يبدو من حدة التوتر المستمر منذ أمد بعيد، بين فوكو وماركس، وذلك من خلال قيامه جزئياً بإظهار الاستمرارية الخفية بين عمل فوكو المبكر في مجال أبحاثه حول الجنون والمعرفة, وعمله لاحقاً حول السلطة. وفي الكتاب الأخير، يتناول إلدن مسار فترة السنوات العشر بعد انتهاء فوكو من مخطوطة “الانضباط والمعاقبة” Discipline and Punish  وبدئه في  تاريخ النشاط الجنسي History of Sexuality. ويوضح إلدن كيف أن اهتمام فوكو بالحياة الجنسية كان في الواقع بمثابة اهتمام بالحاكمية، أو تقنيات الحكم. وعندما تحدث فوكو عن الذاتية، يقول إلدن، كان يتحدث أيضاً عن تشكيل الذات بالمعنى السياسي، أو كيفية خضوع البشر للسلطة.
لا يدعي إلدن أن إجاباته نهائية، ويشير إلى أن أكثر من نصف صناديق أوراق فوكو، البالغ عددها 110 صندوقاً، التي صنفتها فرنسا كثروة وطنية وتحتفظ بها في المكتبة الوطنية الفرنسية، تظل في غير متناول الباحثين، مما يجعل جميع التفسيرات مؤقتة. ولكن إحدى الفوائد الجانبية من وراء إلقاء نظرة فاحصة على مسار فوكو المهني، هو ما تكشفه هذه الدراسة من التباسات فوكو نفسه، وعدم يقينه بشأن مشروعه وحول ما كان يحاول حقاً القيام به.
عند قراءة أعمال إلدن، يمكن للمرء أن يلقي نظرة على أعمال أحد المفكرين الأكثر شهرة في القرن الماضي، ممن غامروا بأنفسهم في القيام بدور غير مألوف، يتمثل في كتابة أطروحة متعثرة، ومحاولاته المترددة لإيجاد إجابات مختلفة على هذا السؤال المروع: “ما هي فكرتكَ الأساسية؟”
بفضل فوكو، تم تعليم أجيال كاملة من الطلاب بأن السلطة ليست بالضرورة هي ما يتوقعه المرء، ولا هي في المكان الذي يعتقد أنه يجدها فيه. ولا ينبغي أن يتصورها أحد جالسةً بكبرياء على قمة الهرم حيث لا يملك كلمة الفصل فيها سوى السيد الملك. وبما أن الثورة الفرنسية حلّت ثم ارتحلت، فقد حان الوقت أخيراً، يقول  فوكو، لقطع رأس الملك في حقل النظرية السياسية. ولا ينبغي أن نتصور اقتصار السلطة فقط على المؤسسات مثل الدولة وقوات الشرطة التابعة لها. في الواقع لا تحتاج السلطة إلى إرسال الدبابات لتجوب الشوارع الرئيسية في العاصمة، إنها تدب بهدوء وبشكل مستمر عبر أوعية المجتمع، حيث يكاد لا يلاحظها أحدٌ. ويمكن أن تكون السلطة ناعمة ومحل اعتماد الناس عليها،  وهي لا تقول لكَ دائماً لا؛ وغالبا ما تُشجعك على تحقيق رغباتك، ولا تكتم أنفاسك دائماً، في كثير من الأحيان تشجعك على التحدث، وبشكل خاص التحدث عن نفسك.
وبكل هذه الطرق، تكون السلطة أكثر فعالية وأكثر مكراً. إن افتتاحية كتاب “الانضباط والمعاقبة”، الذي تعلم من خلاله الآلاف من الطلاب الجامعيين، وشكل أولى خطواتهم على نهج أسرار التعليم العالي، تُلقي الضوء على التباين بين أسلوب التعذيب الدموي العلني وتنفيذ إعدام قاتِل مشتبه فيه، في 1757، وبين جدول زمني بسيط لأنشطة إحدى مؤسسات إعادة تأهيل في عام 1838. في عالم ما قبل الثورة، كانت السلطة صريحة، قاسية وعنيفة، أما في عالم ما بعد الثورة، تعبر السلطة عن نفسها من خلال عملية تخطيط وجدولة أنشطتها بكل بساطة. قد يكون الإكراه، حسب فوكو، بدون ألم، ومن غير عقاب، بل وقد يبدو إنسانياً. وكل هذا الفحص المجهري لعادات الشخص وأنشطته، يمكن أن يبدو كما لو كان الغرض الأول والأخير منه ، الرغبة في إعادة تأهيله ليس إلا.
إذا ألقينا نظرة إلى الخلف، تبدو نظرية فوكو المنقحة للسلطة، وكأنها برزت على خلفية احتجاجات مايو/ أيار 1968، ولم يشهد فوكو تلك الاضطرابات، كونه كان حينئذ يُدرِس في تونس، لكنها حفزته وشحذت قواه بحيث وجه الكثير من طاقته في السبعينيات نحو النشاط الميداني، ومن خلال هذا النشاط، قادته أعماله نحو تنظير طبيعة السلطة الحديثة.
وقد ركز عمل فوكو المبكر، الذي وُصِف في بعض الأحيان بأنه ذا طابع “أثري”، على الكيفية التي تم بها تقييد ما كان معلوماً وما قيل، عن طريق هياكل خطابية غير مرئية. وكانت أوثان فوكو المفضلة، في هذه المرحلة، تتجسد في أعماله حول الأدب والفن والجنون، وكلها يمكن اعتبارها أدوات لكشف تعسف المعارف الموجودة، أو أنها على الأقل، لا تخضع للأصناف التي تأتمر بأوامِرها. وكان هذا العمل المبكر مدمراً بكل تأكيد، فإذا لم يكن التشكيك في أسس المعرفة تصرفاً تخريبياً، فكيف يمكننا وصفه إذن؟  لكن لم يكن هذا العمل سياسياً بصورة بديهية، بمعنى القتال من أجل، أو ضد شيء ما.
لا ينفي إلدن هذه الرواية، لكنه يرى بأن كتابات فوكو أصبحت سياسية في وقت مبكر من حياته أكثر مما يُعتقد عموماً، وبقي فوكو سياسياً حتى النهاية. أحد أهم أهداف كتابه الأول هو ربط تطور مفهوم فوكو للسلطة بنشاطه في أوائل السبعينيات، وخاصة في الطب النفسي والسجن. وفي غلاف كتاب فوكو “ولادة السلطة”، تظهر صورة فوتوغرافية لفوكو يتحدث فيها مستخدماً بوق في مظاهرة ما بعد عام 1968 (وكان البوق قريب جداً من رأس جان بول سارتر المُسن آنذاك، بحيث يرتعد المرء خشية على سلامة سمعه). وحدث هذا النشاط بينما كان فوكو لا يزال في فترته “الأثرية” . وفي الكتاب الثاني أيضاً، يُظهر إلدن أن فوكو لم يكن بحاجة إلى استخدام كلمة “السلطة” من أجل التصدي لها.
وما يبدو مثيراً للاهتمام، أنه عندما بدأ فوكو التركيز على السلطة، لم يكن يتضمن جدول أعماله أشكال النشاط الأكثر شدة، ومن نافل القول أنه حافظ على عادته في  التوقيع على العرائض، واستخدام اسمه  ضمن الواجبات المتوقعة من جميع المثقفين الفرنسيين باعتبار ذلك ثمناً للعضوية، لكنه وجه معظم طاقته نحو الكتابة. وكان فوكو معروفا بصفته مثقفاً عنيداً وشديد التدقيق في عمله، بحيث كان يقضي 12 ساعة في اليوم، جالساً على مقاعد المكتبة الوطنية، ومن ثم يمكن للمرء فهم سبب تطويره نظرية المفكر “المميز”، الذي يقتصر انخراطه السياسي على محيط مكان عمله، ومتأثراً به .
ولِد فوكو في 1926 في بواتييه، وكان ابناً وحفيداً لأطباء ناجحين للغاية. وبالنظر إلى التفكير الطبي بخصوص المثلية الجنسية في ذلك الوقت، لم يكن من المستغرب أنه رغم تألقه الأكاديمي، لم تكن فترة شبابه سعيدة. وليس من المستغرب أيضاً ثورته ضد كاثوليكية والدته، والنزعة التسلطية لدى أساتذته في الحقل الطبي، لكن تفوقه في الأداء الدراسي مكنه من التخلص من وضعه المحلي: وفي المدرسة العليا في باريس، اعتبر نفسه محظوظاً، بعد أن وجد هناك مُوجهين مرموقين، من بينهم الفيلسوف الوجودي جان هيبوليت، والطبيب والفيلسوف في العلوم جورج كانغيلهيم، والفيلسوف الماركسي لويس ألتوسير.
وبينما كان يمثل الحكومة الفرنسية في الخارج في العديد من المراكز الثقافية، كان عداءه تجاه الدولة غير محدود، وتطرق فوكو في تلك المناسبات لمَوضوع أطروحته: بدأ فوكو يُشكل، مستمداً من تأثيراته الفكرية، نظرةً معدلة فريدة من نوعها ومقنعة، عن المرض العقلي وكيف تم تعريفه في عصر التنوير وضده. وتم الاحتفاء بأطروحته لعام 1960 التي نشرت باللغة الإنجليزية تحت عنوان “الجنون والحضارة” من قبل أوساط فكرية عديدة، بينما تجاهلها اليسار الفرنسي، لم يكن تمييز الخط الفاصل بين التعقل والجنون، يُشكل (بعدُ) قضية ذات اهتمام لدى اليسار الفرنسي آنذاك.
هذا التجاهل من طرف اليسار ترك جرحاً عميقاً في نفسية فوكو. ومع توسيع نطاق نظرته لتشمل ما يسمى بحالات الشذوذ، كان فوكو يذهب إلى حد إثارة معاصريه الماركسيين. ومع ذلك، كما يبينه إلدن، كانت هناك إشارات إيجابية كثيرة إلى الطبقات وطرق الإنتاج في محاضرات فوكو –  وغالباً ما توجد هذه الإشارات في محاضراته أكثر مما تصادفها في كتبه. إن الذين اعتبروا فوكو مفرِطٌ في مناهضته التوجه الاقتصادي في تفسير الأحداث، أو أنه أدبيٌ أكثر مما ينبغي، أو مفتون بسلطة النهج الخطابي، يقول إلدن، لم ينظروا بعمق، وفاتهم ملاحظة اهتمام فوكو الخاص بمادية العالم.
ويصبح هذا الاهتمام واضحاً بشكل خاص، عندما يوضح إلدن مصطلح “الجهاز”، الذي اكتسى أهمية كبرى ومكانة بارزة في أعمال فوكو اللاحقة، إلى جانب مفهومه المبتكر للسلطة. فالمصطلح الفرنسي  dispositif الذي يترجم عادة إلى “جهاز” أو “آلية” أو “منظمة” أو “بنية تحتية”، لا يشكل مجرد مجموعة من القواعد الخفية التي تحكم ما يمكن قوله أو معرفته، بل إنه عبارة عن مجموعة من “علاقات السلطة، والممارسات، والإجراءات”، أو بعبارة أخرى، إنه ماديٌ، ويُحيل إلى المادية كمنهج فلسفي. وعلى الرغم من أن مفردات فوكو تبدو محايدة على نحو جاد، كما لو أنه يشير إلى أن السلطة، مُجَسَدة في البنية التحتية، يمكنها أن تكون محايدة أيضاً، وليست عدوة أولئك الذين يناضلون جاهدين ضد الظلم، لكنها مع ذلك (كما يقول الماركسيون) شيء يجب أن يؤخذ ويُعاد استخدامه.
 

بالنسبة إلى إلدن، لم تكن المادية الكامنة في أعمال فوكو المبكرة هي وحدها التي كشفت عن آثارها السياسية في تفكيره: فاهتمامُه بالأعراف حول الجنون والحياة الجنسية كان هو في حد ذاته مُنصباً حول السلطة. وعندما حوَل فوكو اهتمامه من الجنون إلى الحياة الجنسية، لم يكن ذلك لأن المعايير المحيطة بالجسم هي أكثر مادية من العقل. وكان فوكو أكثر اهتماماً بمكانة الجنس والجسد في سياق التاريخ الأكبر للذاتية، والذي يشكل هو في حد ذاته جزءاً من تاريخ السلطة الأوسع نطاقاً والأكثر أهمية، من اهتمامه بالجنس والجسد بحد ذاتهما.
وعندما يشير إلدن إلى أن السلطة موجودة بالفعل من حيث المفهوم وكموْضوع في “نظام الخطاب”، حتى وإن كانت “من حيث اللغة لا تزال غائبة إلى حد كبير”، فهو يكشف عن استمرارية غير ملتفت إليها في فكر فوكو، ويُحدِث إلدن أيضاً شرخاً حساساً في مسألة تبني فوكو للفكرة التي ترى بأن التاريخ متقطع بشكل أساسي: إذا كانت فترة “س”  تتخذ أسماءً مختلفة لمفاهيم معينة، بحسب هذه الحجة، أليس ذلك معناه أنها تتعامل حقاً مع أشياء مختلفة؟ كلا، يرد إلدن، في الواقع كان فوكو يعمل على تطوير فكرته حول السلطة حتى قبل أن يكون لديه اسماً خاصاً بها.
وحجة إلدن في هذا الموضوع مغرية، لكن يحق للمرء أن يتساءل لماذا إلدن حريصٌ على منح تفكير فوكو صفة التناسق. هناك مفارقة واضحة في رؤية تعامله مع فوكو كـ”مؤلف” بمعناه الأكثر تبجيلاً، كما لو أن مؤلف “ما هو المؤلف؟” لم يعلمنا هو نفسه أن نُشكك في جنوح العلماء إلى استخدام اسم المؤلف، لفرض الاتساق على كتابات غالباً ما تستجيب لحالات مختلفة، وبالتالي تتبعثر في اتجاهات مختلفة.
وفيما يخص حالة الانقطاع، كما هو الحال في الكثير من الأمور الأخرى، شكل نيتشه أقوى مصدر إلهام بالنسبة لفوكو. أما لمعرفة ما إذا كان فوكو يرى دائماً “الإرادة في المعرفة” جزءاً لا يتجزأ عن “إرادة نيتشه في السلطة ” ( الجواب بحسب إلدن هو نعم، دائماً)، فقد عَلَمَه نيتشه أن يكون حذراً من خطر النظر إلى أي تقدم في المعرفة بطريقة تدريجية وخطية، وهو خطأ اعتبره نيتشه سمة من سمات الحداثة. ومِثل نيتشه، كان فوكو أيضاً يحِن كثيراً إلى تلك الطرق الطبيعية، الغريزية، وغير المصنفة حتى الآن، لكونها موجودة خارج الحداثة التطبيعية.
لكن ثمة اختلاف بين فوكو ونيتشه في قراءتهما حول من هم المنحرفون: بالنسبة لنيتشه، هم الأقوياء (“الوحوش الشُقر” سيئي السمعة)، أما بالنسبة لفوكو فهم الضعفاء. وهنا يبدأ المرء يلاحظ فارقاً سياسياً أكثر أهمية أيضاً. بالنسبة إلى نيتشه، كانت أخلاقيات العبيد منطقية؛ كان ذلك بمثابة خطوة على طريق صراع الطبقات، وعلى الرغم من أنها تنطوي على تضحية كبيرة (من المتعة الحسية والفورية)، كانت أيضاً خطوة انتصار: فاز الضعفاء على الأقوياء، وأجبَروا برابرة الأرستقراطية القديمة على تبني أخلاق المساواة التي لم يألفوها من قبل، وكانوا يعتبرونها منافية لطبيعتهم. أما بالنسبة لفوكو، فإن الطبقة الحاكمة لم تخترع  the dispositif  “جهاز” النشاط الجنسي كفعل من أفعال الحرب الطبقية ضد الطبقة العاملة؛ بل يعتقد أنهم اخترعوه لأنفسهم.
سرد فوكو مثيرٌ للحيرة لأسباب مختلفة. لماذا تريد الطبقة الحاكمة، على سبيل المثال، أن تفعل مثل هذا الشيء؟ وإذا كان النظام الجنسي الجديد لا يخدم مصالح أحد، فلماذا ساد إذن؟ ومثل فهمه التقريبي للسلطة كشيء موجود حتى لو لم يملكها أحد أو يتمتع بها، تبدو رؤية فوكو للأخلاق – والعادات الجنسية على وجه الخصوص- أنها تنطوي على حرب دون منتصر.
وقد تبنى أتباع فوكو الأكثر تحمساً طرحه المتحدي لمنطق الموضوع والهدف باعتبار هذا الطرح عقيدة فلسفية رائعة لا يرقى إليها الشك. وفي قراءتهم لفوكو، لا يرون أحداً يمارس الإكراه أو القهر أو الانتفاع، ويعتبرون المفاهيم مثل الربح والانتصار مفاهيم خشنة لا يليق استخدامها. لكن هذه المسائل لها أهمية كبرى في الوقت الراهن لأنه كان لدى فوكو في الفترة 1978-1979، استبصار غريب عندما خصص بعض محاضراته في كوليج دو فرانس لموضوعات النيوليبرالية وما أسماه “السياسة الحيوية”. في ذلك الوقت، لم تكن “النيوليبرالية” قد أصبحت بعدُ المفضلة بشكل واضح مثلما هي اليوم، في صراعها من أجل الظفر بموقع الأيديولوجية المهيمنة، مثلما كانت عليه في العقود الأربعة أو الخمسة الماضية.
والسياسة الحيوية، أو السياسة التي تعمل على مستوى الحياة الجسدية، لم تكن قد بلغت بعدُ مداها لتصبح شعاراً رائجاً وسط تيار اليسار الذي لم يُعر أصلاً اهتماماً للسياسة بالمعنى القديم، أي السياسة على مستوى الدولة. ولكن، إذا نظرنا إلى الوراء من وجهة نظر عام 2017، ثمة قضية مثيرة للاهتمام، لا مفر منها على أية حال، بالنسبة لأتباع فوكو، وهي ما إذا كان ينبغي اعتباره ناقداً برؤية استشرافية للنيوليبرالية أم متبنٍ مبكر لنضالها المناهض للدولانية (هيمنة الدولة على الشؤون الاقتصادية والاجتماعية) . وهل أسهم ، من  موقعه في اليسار، في صعود الأيديولوجية اليمينية المهيمنة؟ أم كانت محاضراته التي تم جمعها في مجلد 2008 ” ولادة السياسة الحيوية”، مصدر نظرة تَنبوئية وعملية مفيدة في الطبيعة المحددة للسلطة في عصرنا؟
وفيما يتعلق بموضوع النيوليبرالية، فإن العديد من أتباع فوكو يقللون من شأن الشركات. بالنسبة لهم، الليبرالية الجديدة ليست مجموعة من المصالح القوية التي تسعى إلى تحقيق أرباح أعلى، وإنما عبارة عن نوع غامض وخفي من “العقلانية” أو “الحاكمية” دون أي أصل معين. ولا يمكن لأحد أن ينفي أن هذه العقلانية تنتشر الآن في عدد كبير من المؤسسات، ولكن ما يغفل عنه أتباع هذا النسق من التفكير، هو كيف أن النيوليبرالية ليست شيئاً يُذكر إذا لم تكن إستراتيجية لزيادة حصة الرأسماليين من موارد العالم من خلال تفكيك الهيئات التنظيمية للحكومة، ولذلك، فهي جزء من صراع طبقي أكثر تفصيلاً بين النخب الحاكمة والمالية من جهة، والمعوزين من جهة أخرى.
وبفضل دراسة إلدن المميزة، يُمكننا التمييز بين فوكو والعديد من أتباعه. في نسخة سابقة من أحد فصول فوكو “ولادة السلطة” نُشِر تحت عنوان “فوكو، أكثر ماركسية ؟”، يُبين إلدن كيف أن فوكو، في شكل المؤرخ الحذر أكثر منه الفيلسوف، أبدى بشكل واضح في محاضراته وعياً حاداً بالمصالح الطبقية وأصوات التابعين – الأصوات “التي تكتم عنها في الكتاب التالي”. قد يكون كتاب “الانضباط والعقاب” تميز “بغياب غريب” لأولئك “الذين يخضعون للسلطة”، لكن محاضراته لم تتكتم عنهم، ومع ذلك يبقى السؤال: لماذا تختلف كتبه بشكل كبير عن سلسلة محاضرات وملفات الناشط التي كتبها في نفس الوقت؟ إلدن لا يقدم أي إجابات، ولكن من الأفضل الآن أن يكون لدينا فهماً عن  فوكو، في شقه الأكثر ماركسية، وإن بدا غير متناسق .
في الولايات المتحدة، يفترض قراء فوكو، أنه إذا تحدث عن النيوليبرالية، يكون ذلك للتعبير عن معارضته لها، وهذا الانطباع، يشكل في أفضل الأحوال، نصف الحقيقة. وقد أظهر فوكو بعض الحماس لعالِم الاقتصاد النيوليبرالي غاري بيكر، الذي أراد أن يستبعد الأخلاق من معاملة المجتمع للجريمة. وكان دافع بيكر من خلال هذا التوجه، خفض الميزانيات الحكومية (السجن مكلف لدافعي الضرائب)، لكن لم يشكل  ذلك سوى عنصراً ثانوياً في قراءة فوكو، على الرغم من أنه كان بالتأكيد سيقول شيئاً عن تلك المفارقة وسخرية الأقدار لو قُدِر له أن يعيش، التي جعلت عقوداً من النيوليبرالية المناهضة للدولتية، بعد وفاته، تؤدي إلى تكثيف الإكراه الحكومي والتعاظم الكبير في عدد السجناء. وكان هدف فوكو خلال معظم سنواته الناشطة هو المعايير الأخلاقية التي تم وفقها تصنيف المرضى النفسيين والمثليين وغيرهم في ما يسمى ب “الشواذ”، وربما كان هذا سيبقى يشكل تركيزه الأساسي حتى لو كتِب له أن يعيش ليقرر بنفسه، مع الناشطة النسوية الاجتماعية الفيلسوف نانسي فريزر، بأن الاعتراف بالهويات المهمشة قد أصبح الأساس لنيولبرالية “تقدمية” أو “كلينتونية”.
من ناحية أخرى، يُظهر لنا إلدن وجهاً من فوكو الذي، لحسن حظنا، لم يفر من التناقض، وعكس نيتشه، لم يعرب دائماً عن أسفه للمعايير الأخلاقية للديمقراطية. إذا كانت السياسة، كما يُصر فوكو في إحدى تقلباته المميزة، هي مجرد حرب تُخاض بوسائل أخرى، يبدو إذن من غير المعقول ألا يفوز طرف الضعفاء (سمه اليسار إن شئت) أبداً أو أن تكون الإصلاحات الديمقراطية وتحسينات القرنين الماضيين كلها مسارح للهزيمة. لا يمكن أن تكون الحداثة كل السلطة، في كل وقت.
ثمة ميزة إيجابية  لاقتران حياة فوكو بأفكاره، مثلما جاء  في السيرة الشخصية لإلدن، كونها تمُدنا بأدِلة وافرة على أن فوكو لم يكن وثيق الارتباط بهذا الاعتقاد. وكما يلاحظ إلدن، فقد ابتهج فوكو فرحاً في عام 1981 عندما ألغت الحكومة الاشتراكية الجديدة عقوبة الإعدام في فرنسا، والتي نسبها العديد من المعلقين لعمله وعمل زملائه طوال السبعينيات، وكان فوكو أيضاً منفتحاً على العمل لصالح حكومة فرانسوا ميتران، ثم خاب أمله عندما توفي.
التحول إلى الاهتمام بمجال الأخلاق في السنوات الأخيرة من حياة فوكو، وهو الموضوع الذي يناقشه إلدن في كل من الكتابين، يقدم لنا مثالاً آخرا على أعمال فوكو المستمدة من تناقضاته. وهنا أيضاً، يتراجع فوكو عن الفرضية التي ترى في القواعد الأخلاقية مجرد سلاح توظفه السلطة ضد الضعفاء. ويمكننا القول من زاوية ما، أن فوكو متسق مع طرحه السابق الرافض للمعرفة: من الأفضل أن يهتم المرء بالنفس، يقول الآن، من سعيه إلى معرفتها. وبمعنى آخر، فهو يتناقض مع رفضه في وقت سابق لحركة الإنسانية: النفس وحريتها لم تعودا مجرد أوهام أيديولوجية، وفوكو يقترب من الاعتراف، بصفته مُنتجٍ للمعرفة، أنه هو نفسه قد مارس السلطة. والدرس المستخلص، هو أن جهاز المعرفة – الذي ساهم فيه بشكل جيد –  يكون جيداً أو سيئاً بحسب طبيعة استخدامه لا أكثر.
إلدن لا يقول ذلك تماماً، ولكن بالنسبة إلى فوكو في أواخر مراحله الفكرية، أصبح تحوله في اتجاه الاهتمام بعنصر الأخلاق، هو أيضاً شيء من السياسة في مراحلها المبكرة (بروتو بولتيكس)، وهو كما لو أنه يقترح “رعايته للنفس” كأضمن طريقة لتجنب ممارسات الاستبداد ضد الآخرين. وعدم الاستبداد – الذي يمكن تسميته بالديمقراطية – يصبح فجأة الفرضية الفعالة، وهنا نجد فوكو، الديمقراطي الراديكالي، يصارع من اجل التحرر من تألقه.
* بروس روبنز، أستاذ اللغة الإنجليزية في جامعة كولومبيا، ومؤلف، ومؤخرا، كتب The Beneficiary  (المستفيد)
هذا الموضوع مترجم عن موقع The Nation ولمراجعة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الأمر الوحيد الذي بقي أمام من يسعى إلى تخيل “ما بعد لبنان” هو أن يغادر اللبنانيون كلهم هذه المساحة بقوارب صغيرة وكبيرة، وأن ينجو بعضهم ويموت بعضهم الآخر، وهذا ما يحصل عملياً، وفي هذا الوقت سيكون سهلاً على الثنائي الشيعي أن يفوز بوزارة المالية…
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني