ماذا وراء تمييز الأسد بين “العميل الأميركي” و “العميل التركي”؟

تعد كلمة الأسد الأخيرة من أكثر الخطابات التي عكست مخزوناً هائلاً من الغضب. وليس من الواضح كيف سينعكس هذا الغضب على سوريا، وعلى بشار الأسد نفسه.

تصدر المشهد السوري احتمالات الحوار، ثم الاتّفاق، بين النظام والأكراد، في الأيام الأولى لإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قراراً بسحب القوات الأمريكية المتمركزة شرق الفرات.. إلا أن الاضطراب الأمريكي، والغربي، بخصوص هذه الخطوة، والانقسام داخل الإدارات في الدولة الواحدة، فضلاً عن تمسك النظام السوري بعقلية 2011، عمل على تخريب “خط الحوار” الذي كان ممهداً فتحه بين دمشق والأكراد.

في كلمة له خلال استقباله رؤساء المجالس المحلية، رفع الرئيس السوري، بشار الأسد، منسوب التحذير والوعيد للأكراد السوريين وحلفائهم ضمن “قوات سوريا الديمقراطية”، باعتبار أن هذه القوة المسيطرة على كامل منطقة الجزيرة (المسماة شرق الفرات) هي الخصم الأقوى للنظام بعد تقزيم المعارضة السورية عبر العملية السياسية (أستانة وسوتشي).

تعد كلمة الأسد، أمام المجالس المحلية، الأحد 17 شباط/ فبراير، من أكثر الخطابات التي عكست مخزوناً هائلاً من الغضب. وليس من الواضح كيف سينعكس هذا الغضب على سوريا، وعلى بشار الأسد نفسه.

نبرة الأسد، في الفقرات التي وجهها ضمنياً للكرد، كانت زاخرة بأدبيات التمهيد للحرب. فـ”اللامركزية” التي يطالب بها المجلس السياسي لقوات سوريا الديمقراطية، وهي فكرة مطروحة كبديل عن الفيدرالية، تصبح وسيلة “لإضعاف سلطة الدولة”، و”مخطط للتقسيم” وفق خطاب الأسد.

لم يحدد الرئيس السوري الجهة التي يوجه لها الرسائل والتهديدات. بعض الفقرات موجهة لكل من خرج عن سلطته، بشكل أو بآخر، ومطالبة بتسوية القضايا بما يتناسب مع مطلع العام 2011. فقوله إن “مع كل شبر يتحرر، هناك عميل وخائن يتذمر”، و “البعض رهن نفسه للبيع وتم شراؤه”، تصلح لتوصيف المعارضة السورية وكذلك قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً للمفاهيم الخاصة بالنظام السوري.

وعاد الأسد، بعد عدة فقرات، إلى التمييز بين “العميل الأمريكي” و”العميل التركي”. فخاطب “المجموعات العميلة للأمريكي” بالقول: “الأمريكي لن يحميكم وستكونون أداة بيده للمقايضة.. لن يدافع عنكم سوى الجيش العربي السوري”.

أما بخصوص “العميل التركي”، فقد كانت النبرة موجهة إلى جهة مهزومة، وأمرها محسوم، وذكرها مجرد مضرب للمثل، على عكس كلامه حين خاطب “قسد”. فالأخير خصم ما زال في موقع المنتصر، لكن النظام يقول له: إليّ مرجعكم. أما “العميل التركي” فبات في خبر كان.

وبعد أن فشل “المتآمرون على سوريا باعتمادهم على الإرهابيين والعملاء في العملية السياسية” – بحسب الأسد- “انتقلوا إلى المرحلة الثالثة، وهي تفعيل العميل التركي في المناطق الشمالية”. ولعل ما وصف به الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يعبر عن عقلية الانتصار والتشفي ضد دولة دأبت منذ ثمان سنوات على جعل سوريا، بنظامها ومعارضتها وأكرادها، ساحة خلفية لأمنها القومي. فالأسد سخر بقوة من “الإخونجي أردوغان” الذي يقوم بـ”الاستعراضات المسرحية” ويحاول أن يظهر بمظهر “صانع الأحداث”، لكنه في واقع الأمر، بالنسبة للأسد، فإن أردوغان “عبارة عن أجير صغير عند الأمريكي”.

من الواضح أن باب الحوار بين النظام والأكراد يتجه للإغلاق. فالغربيون تركوا أملاً للكرد بضمان حمايتهم، وهذا ما كبح “سلة التنازلات” التي كانت جاهزة لتقديمها للنظام. والأخير يريد تلك السلة كاملة، طوعاً أو كرهاً، بغض النظر عن الموقف التفاوضي للطرفين.

تصعيد الخطاب ضد “العميل الأمريكي” يحمل في طياته احتمالات أخرى، على رأسها قراءة النظام لمستقبل الشمال السوري في الشهور المقبلة. فإذا رجّح أن عملية عسكرية تركية واسعة النطاق، ضد “قسد”، شبه حتمية، فإن تفادي امتداد المواجهة إلى النظام (أي تفادي مواجهة الجيش التركي) يتطلب خطاباً حاداً – غير مبرر- تجاه الأكراد، وتحويلهم إلى خصم وعدو، والعدو حين يتعرض إلى حرب من عدو آخر، فلا التزام للنظام تجاه الأمر. ففي نهاية الحرب، لديه وسائل تمكنه من المطالبة بكافة الأراضي التي تحتلها تركيا. لكن هل يفعلها بالمجان؟ مؤخراً ذكرت تقارير صحفية أن قوات سوريا الديمقراطية عرضت على النظام تسليمه مدينة الطبقة، على سد الفرات، مقابل عمل مشترك لطرد الاحتلال التركي من عفرين، وقيل إن النظام رفض ذلك.

هذا التنافر، الذي قد يتحول إلى عداوة دامية، ليس ناتجاً عن استغلال أحدهما للآخر، بل إن كل طرف يعيش في حقبة زمنية مختلفة عن الآخر. فالنظام السوري يريد تكرار تجربة 1982، حين خرج من المعركة ضد “الإخوان” أقوى وأكثر سطوة. وفعلياً، فإنه على وشك النجاح على إعادة المعارضة السورية برمّتها إلى عام 1982. فيما تريد “قسد”، عبر مجلسها السياسي، الانطلاق من أرضية أخرى، صريحة، وهي أن النظام أضعف مما كان عليه عام 2011، وأنه ليس المنتصر الوحيد في سوريا، عسكرياً.

 

النظام السوري يريد تكرار تجربة 1982، حين خرج من المعركة ضد “الإخوان” أقوى وأكثر سطوة. وفعلياً، فإنه على وشك النجاح على إعادة المعارضة السورية برمّتها إلى عام 1982

 

لدينا إذاً، ثلاثة أزمنة مختلفة في سوريا. بالنسبة للنظام والمعارضة، فالتاريخ عاد بالمعارضة إلى عام 1982 بما أن المنتصر هو النظام، حسب كافة المعطيات لتاريخ هذا اليوم. بالنسبة للنظام والأكراد، فإن النظام يريدها 2011، وعلى هذا الأساس يحدد هامش الحوار مع الأكراد، والقامشلي تريدها 2019، وعلى هذا الأساس تطرح الحوار مع النظام.

خطاب الأسد جاء بالتزامن مع تكرار روسيا على لسان نائب وزير خارجيتها، سيرغي فرشينين، الدعوة إلى “البدء بحوار بين الاكراد ودمشق”. وأردف بالقول: “بالتأكيد، نعلم المشكلات بين دمشق والاكراد، لكنني أعتقد أن ثمة حلا عبر الحوار”.

أما نتائج الحوار الذي لم ينطلق بعد، فقد حددها الأسد لخصومه كطريق للخلاص من العقاب: “إن السبيل الوحيد للتراجع عن الضلال هو الانضمام إلى المصالحات وتسليم السلاح للدولة”.

الواقع أن لدى الأكراد وحلفائهم شرق الفرات “ورقة حاسمة” يتظاهر النظام أنها لا تهمه. فعودة الأكراد إلى الدولة، بالصيغة التي يحددها النظام (المصالحات وتسليم السلاح)، أو تدمير الأكراد، عبر تركيا، سيدفع النظام ثمنه لاحقاً. فبدون اتفاق قائم على الاعتراف بالدور البارز الذي لعبه الكرد، لأسبابهم الخاصة، في محاربة الإرهاب والفصائل الموالية لتركيا، ودون تخلي النظام عن عقلية المنتصر الوحيد، فإنّ تمرير أي حل سياسي يقوم على انتخابات رئاسية وبرلمانية، تحت رقابة دولية، لن يكون في صالح الأسد. ففتح جبهة من قبل قوى غرب الفرات (النظام أو تركيا) ضد تحالف “شرق الفرات” قد يبقي الأسد بلا أصوات كافية في الانتخابات التعددية المفترضة التي ستحدد مستقبل سوريا، سواء كان “شرق الفرات” من الخاسرين في المعركة أو المنتصرين.

 

إقرأ أيضاً:

تركيا إذ تلاعب نفسها الشطرنج

الموت في استقبال اللاجئين السوريين العائدين

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

مصطفى إبراهيم – صحافي فلسطيني
أزمة حكومة حماس في غزة أنها لا تملك الإمكانات المطلوبة لمواجهة الكوارث والأزمات، إضافة إلى المبالغة والحرص على إثبات أن غزة خالية من “كورونا”، وما يهمهما إظهار أن غزة المدينة الفاضلة.
محمد خلف – صحافي عراقي
لا أحد ممن يمتلك قدراً ولو محدوداً من التفكير السليم في روسيا سيصدق تأكيدات الرئيس فلاديمير بوتين عن أن جائحة “كورونا” تحت السيطرة في البلاد.
عبدالله أمين الحلاق – صحافي سوري مقيم في إيطاليا
ما يميز شارع بادوفا أو “شارع العرب” كما تحلو للإيطاليين تَسْميتُه، هو أنه شارع يضم خليطاً من مهاجرين ولاجئين من جنسيات وبلدان مختلفة، من مصر والعراق والمغرب وتونس ومن دول آسيا الوسطى…
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
لا يمكن أن نتحدث عن رقم حقيقي لأعداد المصابين بكورونا في إيران ولا لأعداد الوفيات أيضاً، وكل ما يخرج إلى الإعلام، إذا كان صادراً عن جهة رسمية فهو “كاذب”، أما إذا كان صادراً عن جهة غير رسمية فهو “غير دقيق”.
أحمد عيساوي – كاتب لبناني
دخلت شركة سانوفي الفرنسية ومعهد باستور في سباق مع ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل للتوصّل إلى لقاح ضدّ الكورونا. المسألة لن تكون سهلة
عبدالله أمين الحلاق – صحافي سوري مقيم في إيطاليا
البيلا تشاو تصدح من شرفات المنازل ويغنيها كثيرون بصوت واحد في أحياءهم. ربما هي إشارة إلى فاشية من نوع جديد تصعد مؤخراً إلى جانب قوى واحزاب فاشية تستثمر في ما يحصل وتضخ خطابات الكراهية يومياً، إنها “فاشية الفايروس” او “الهولوكوست الكوروني” الذي تشهد له عملية إرساله جثث ضحاياه إلى المحارق
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني