fbpx

فيكشن: حين ناقش صدّام حسين وحافظ الأسد إقامة الديمقراطيّة في العراق وسوريّا

ما إن اطمأنّ حافظ الأسد إلى إحكام سيطرته على سوريّا، وتصفية آخر جيوب المقاومة الموالية لخصمه صلاح جديد، حتّى حملته مروحيّة عسكريّة إلى نقطة حدوديّة مع العراق. هناك كان في استقباله نائب الرئيس صدّام حسين الذي أسرّ لبعض مرافقيه بأنّه لا يعرف السبب الذي دفع الأسد لطلب اللقاء به: "إنّني متفاجىء جدّاً.

ما إن اطمأنّ حافظ الأسد إلى إحكام سيطرته على سوريّا، وتصفية آخر جيوب المقاومة الموالية لخصمه صلاح جديد، حتّى حملته مروحيّة عسكريّة إلى نقطة حدوديّة مع العراق. هناك كان في استقباله نائب الرئيس صدّام حسين الذي أسرّ لبعض مرافقيه بأنّه لا يعرف السبب الذي دفع الأسد لطلب اللقاء به: “إنّني متفاجىء جدّاً… ربّما جاء يطلب المصالحة وإعادة توحيد الحزب بعد انقسامه في 1966″، كما نُقل عنه.
لقاء القائدين البعثيّين بدأ بشيء من البرودة على رغم تبادل القُبل الذي رافق مصافحتهما. لكنّ رجل سوريّا القويّ، الذي لم يُحدّد لنفسه منصبه الجديد بعد، ما لبث أن انتقل إلى الموضوع الجدّيّ الذي جاء من أجله:
“هدف زيارتي، يا رفيق صدّام، يختلف عن أهداف الزيارات المألوفة…”.
“أليست الزيارة بهدف إعادة توحيد الحزب، يا رفيق حافظ؟”.
“الحزب، الحزب، دعك من هذه المزحة السمجة التي اختبأنا طويلاً وراءها. لقد جئتُ لسبب مختلف كلّياً، إن لم يكن معاكساً كلّيّاً”.
وهنا أطرق الأسد قليلاً فيما ثبّت صدّام عينيه عليه وهو ينظر بكثير من الفضول.
“سأحدّثك قليلاً عن سوريّا. عن أمور أظنّك تعرفها جيّداً، مع أنّني سأرتّبها الآن بطريقة مختلفة وأستنتج منها خلاصات مختلفة. مؤخّراً حين نفّذتُ الانقلاب الذي أطاح بزمرة صلاح جديد، انتبهت إلى أمر لم أكن منتبهاً إليه من قبل. فقُطرنا لا يُحكم إلاّ بالانقلابات العسكريّة على ما يبدو. منذ حسني الزعيم في 1949 وحتّى الانقلاب الأخير، وما بين سامي الحنّاوي وأديب الشيشكلي وصولاً إلى موفّق عصاصة وعبد الكريم زهر الدين وزياد الحريري وجاسم علوان، لا تُحكم سوريّا إلاّ بالانقلابات، ولا يلمع من أسماء السوريّين إلاّ أسماء الانقلابيّين بالناجحين منهم والفاشلين. سألت نفسي مؤخّراً: لماذا؟ ما السبب؟ والنتيجة التي خرجت بها هي أنّ قطرنا يعجّ بتناقضات هي التي تجعل حكمه مستحيلاً. بين المدن والمدن وبين المدن والأرياف وبين الطوائف الدينيّة وبين القوميّات… تأمّل أنّنا في 1958 توهّمنا أنّ في وسع عبد الناصر أن يحلّ تناقضاتنا فأهديناه بلدنا ودمجناه في مصر التي نُقلتُ أنا شخصيّاً إليها وعشت فيها حياة عطالة مُهينة. بعد ثلاث سنوات اكتشفنا أنّ قدرة عبد الناصر على حلّ تناقضاتنا أقلّ من قدرتنا نحن، وأنّ مشاكلنا زادت بعد الوحدة بدل أن تنقص…”.
هنا، قاطعه صدّام الذي ازدادت حيرته، لكنّه من قبيل المسايرة، علّق قائلاً: “ونحن في العراق ليست حالنا أفضل. لقد سبقناكم في الانقلابات التي بدأناها مع بكر صدقي في 1936 ورشيد عالي الكيلاني في 1941 ثمّ كانت ثورة 14 تمّوز وبعدها خلاف قاسم وعارف فالثورة على قاسم ثم انقلاب عارف علينا قبل أن ننقلب على أخيه عبد الرحمن. والآن، وهذا سرّ أرجو أن يبقى بيننا، أنا متخوّف من انقلاب يشنّه علينا حردان التكريتي، لهذا أفكّر في أن أعالجه بطريقتي”. ويبدو أنّ صدّام شاء أن يداعب حافظ قليلاً: “ألستَ متخوّفاً من شيء مماثل يقوم به مصطفى طلاس؟”.
“مصطفى! أنت لا تعرفه يا صدّام. إنّه لا ينفع لشيء. اليوم هو مهتمّ بالأبراج وملكات الجمال، وأنا أوفّر له كلّ ما يسلّيه إضافة إلى لقب وزير دفاع”. وإذ قهقه الاثنان، عاد حافظ إلى موضوعه:
“إنّ الشعب العربيّ في القطرين السوريّ والعراقيّ…”، فقاطعه صدّام: “إذا كنّا كلّما أردنا أن نقول “السوريّين والعراقيّين” قلنا: “الشعب العربيّ في القطرين السوريّ والعراقيّ” فلن نصل إلى موضوعنا الذي سنناقشه قبل أربع ساعات. آن لنا أن نتحدّث يا حافظ بلغة رشيقة تشبه الحقيقة ولو قليلاً”.
“فعلاً يا صدّام. هذه لغة الأستاذ ميشيل التي لا تعني شيئاً في النهاية. هذا الرجل يصرف الكثير من الوقت للخروج بهذه الترّهات: “القوميّة حبّ قبل كلّ شيء” و”الاشتراكيّة انتصار الحياة على العدم”. تأمّل هذه العبارات الفارغة التي كانت تسحرنا أيّام الشباب…”.
“نعم، آن أوان مغادرة الإنشاء والبحث عن المعاني وقول الكلمات التي تعني…”.
“لهذا جئت لأعرض عليك، يا رفيقي صدّام، ما توصّلتُ إليه، وهو أنّ الانقلابات في بلدينا ما كانت لتزدهر إلاّ لأنّ بلدينا مفتّتان كثيراً: جماعات، مناطق، طوائف، قوميّات… عندنا في سوريّا جماعات تعود إلى ما قبل الإسلام…”.
“وعندنا في العراق جماعات تعود إلى ما قبل المسيحية، بل إلى ما قبل اليهوديّة…”.
“أليس لهذا السبب ازدهر حزب البعث في بلدينا، وهو الحزب الذي قال مؤسّسه إنّ الأكراد وأمازيغ المغرب عرب غصباً عنهم؟ أليس لأنّنا مُفتّتون جدّاً كنّا بحاجة إلى حزب ينكر الواقع إلى هذا الحدّ ويقول إنّنا موحّدون جداً؟”.
“هل أفهم منك يا حافظ أنّك جئت تطالبني بعمل منسّق ومشترك لإلغاء حزب البعث؟”.
“هذا صحيح، لكنّ هدفي أبعد من ذلك. فالعراق وسوريّا، كما تقول تجربة الانقلابات، لا يُحكمان إلاّ بطريقة من اثنتين: إمّا نظام قمع حديديّ كاسح وكامل يستأصل كلّ سياسة وكلّ تناقض وكلّ خصوصيّة تتمتّع بها جماعة من الجماعات، ويستأصل احتمالات الانقلاب بالتالي، وإمّا نظام تعدّديّ ولا مركزيّ…”.
“هل لك أن توضح أكثر؟”.
“أنا شخصيّاً تعبت من الانقلابات، ولن أكون مستعدّاً لإقامة نظام يغرق في دماء الناس من أجل الحرص على وحدة البلد المشروطة بتماسك النظام وهيبته. ما أودّ اختباره هو إرجاع الأحزاب السياسيّة إلى الحياة ثمّ الإعلان عن انتخابات حرّة ونزيهة، فضلاً عن اعتماد لامركزيّة موسّعة إداريّة وثقافيّة وغير ذلك. حزب البعث، إذا ما تقرّر الإبقاء عليه، يمكن أن يخوض المنافسة الديمقراطيّة مثله مثل باقي الأحزاب…”.
“لكنّه حتماً سيخسر عندكم كما عندنا…”.
“ليكن ذلك. في هذه الحال تكون هذه كلمة الشعب”.
هنا انكفأ صدّام على تأمّل ذاتيّ قطعه بعد دقائق قليلة فيما حافظ متشوّق لأن يسمع رأيه:
“ماذا ألمّ بك يا حافظ؟ هل أنت على ما يرام. تعدّديّة؟ إرادة الشعب؟ ماذا أسمع؟”، وبعد صمت الطرفين لوهلة أكمل صدّام كأنّه يفيق من غيبوبة:
“ما تقوله يا حافظ ربّما كان ينطوي على بعض الوجاهة. أنا أيضاً تعبت من الانقلابات ومن القتل. وأعرف، كما تعرف أنت، أنّ البقاء في السلطة ومنع المزيد من الانقلابات يعني مزيداً من القتل. لكنّ الموضوع أعقد ممّا تصوّره، وأنا في الحقيقة أُخشى أنّنا إذا اعتمدنا الديمقراطيّة سوف نُقتل نحن، سوف يقتلوننا يا حافظ…”.
“من سيقتلنا؟ في الديمقراطيّة لا قتل ولا قتال…”.
“بلى، يقتلنا أولئك الناس الذين قتلنا أبناءهم وأخوتهم. فالديمقراطيّة ستخفّف قبضة الأمن وتزيل الحراسات عنّا، ثمّ إنّ الناس لن ينقلبوا بين ليلة وضحاها إلى أشخاص ديمقراطيّين وسلميّين. العراقيّون لا يتناسون الثأر بسهولة، وأظنّ أنّ السوريّين يشبهونهم في هذا… أرجوك أن لا تقول لي: فليقتلونا فداءً للديمقراطيّة. هذا ما لا أستطيع أن أهضمه في يوم واحد، خصوصاً منك يا حافظ”.
“المسألة أبسط من ذلك يا عزيزي صدّام. نحن نعلن قيام الديمقراطيّة ونختفي خلال فترة انتقاليّة تمتدّ إلى ثلاث سنوات: أنا أقيم في بغداد وأنت تقيم في دمشق. فإذا أرادوا أن يقتلوا فليقتلوا أحمد حسن البكر عندكم أو مصطفى طلاس عندنا. في هذه الغضون نغتال أقارب مَن قتلناهم ممن تخشى أن يقتلونا، وبهذا يستقرّ الأمر نهائيّاً لنا وللديمقراطيّة. هذا ما يمكن أن يتولاّه عندنا أخي رفعت، وعندكم أخوك برزان”.
“لا أصدّق ما أسمعه منك يا حافظ. نعلن الديمقراطيّة ونهرب! أليس الأمر برمّته مسخرة!؟، ثمّ إذا عملنا على قتل أقارب مَن قتلناهم، هل ستعلم كم سنقتل، وكم سيستغرق ذلك حتّى لو نفّذه رجال أكفّاء كأخي وأخيك؟”.
“دعني أوضح. هذه ستكون مجرّد مرحلة انتقاليّة من ثلاث سنوات، ومن أوحى لي بهذه الفكرة هو مستشاري الدكتور جورج جبّور ومساعد شابّ له اسمه عماد فوزي الشعيبي. هل سمعتَ بهما؟ قالا لي إنّه بعد ثلاث سنوات على الأكثر يعود كلّ منّا إلى بلده بوصفه زعيم الديمقراطيّة وقائدها التاريخيّ”.
“لكنْ في حدود علمي، هذه الديمقراطيّة لا تريد زعماء وقادة تاريخيّين. لقد قرأت مرّة أنّ الإنكليز الذين أحرز لهم تشرشل انتصار الحرب العالميّة الثانية كافأوه بأن أسقطوه في الانتخابات! هل تريد شيئاً كهذا؟ هنا، في منطقتنا، تكون المكافأة بقتلنا. هذا حتميّ يا عزيزي”.
“لم أسمع بما تقوله عن تشرشل…”.
“الديمقراطيّة لا تعرف الوفاء يا حافظ، ونحن شعب يُعدّ الوفاء من شيمنا”.
“هل أفهم منك أنّ الديمقراطيّة لا تناسبنا حضاريّاً؟”.
“بالطبع، بالطبع، لا بل حتّى لو نجونا من الثأر فإنّ الديمقراطيّة نفسها قد تحاسبنا على ما فعلناه في السابق”.
“أوف… لو حاسبوني لقطعوني إرباً إرباً”.
“وماذا أقول أنا؟”.
“إذاً ما الذي تقترحه يا صدّام؟”
“أقترح أن تطوي هذه الأفكار نهائيّاً وأن تحكم سوريّا بقبضة من حديد”.
“اتّكلنا على الله”.
“في أمان الله”.
لكنْ ما إن توجّه حافظ نحو مروحيّته العسكريّة بعد المصافحة والعناق، حتّى ناداه صدّام: “حافظ، حافظ، هذان الشخصان، جبّور والشعيبي، يُستحسن أن تُعدمهما حال وصولك إلى دمشق. في بغداد أشخاص يشبهونهما يتفذلكون ولا يفهمون شيئاً، وأنا سأتولّى أمرهم بنفسي. طريقة هؤلاء في دفاعهم عن أنظمتنا لا تفعل إلاّ إضعاف هذه الأنظمة. لقد كدتَ تتزحلق على قشرة موزهم عن الديمقراطيّة”.
“وهو كذلك يا عزيزي، لا مكان للغباء والغلط بعد الآن”.
 [video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
وصفت بأنها أسوء أزمة حقوقية منذ عقود في مصر، وكأن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يريد ان يدخل التاريخ، لكنه لا يجد إلا الباب المفضي إلى الظلامية والقمع للدخول منه.
Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

Play Video
يواجه لبنان محاولات تضييق مستمرة على حرية التعبير وحرية الاعلام وآخر مظاهر هذا التضييق رفض لبنان التوقيع على بيان يلتزم بحرية التعبير وحقوق مجتمع الميم. هنا فيديو لـ”تحالف الدفاع عن حرية التعبير في لبنان” والذي يضم 15 مؤسسة وجمعية حقوقية واعلامية رداً على حملات التضييق المتكررة.

2:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني