fbpx

الوحدة بين 14 ألف قريب

عندما نادى الموظف من وراء شباكه الزجاجي "السيد عيتاني"، ظنتتُ أن دوري قد حان لأقبض الشيك المستحق لي. فنهضتُ من مكان جلوسي، ونهض معي ثلاثة أشخاص. كان النظام المعتمد في المصرف الواقع في شارع الحمراء

عندما نادى الموظف من وراء شباكه الزجاجي “السيد عيتاني”، ظنتتُ أن دوري قد حان لأقبض الشيك المستحق لي. فنهضتُ من مكان جلوسي، ونهض معي ثلاثة أشخاص. كان النظام المعتمد في المصرف الواقع في شارع الحمراء، يتلخص في أن تُسلم الشيك الى الموظف، وتنتظر إلى أن ينادي اسمك، فتتوجه إلى الصندوق للحصول على المال النقدي. تبادلنا نحن الثلاثة نظرات الدهشة، ثم تقدم أقربنا إلى الموظف سائلاً عن الاسم المعني، فتبين أنه محمد عيتاني.
بعد قليل، نادى الموظف “حسن عيتاني” ثم “أحمد عيتاني”. ومحمد وحسن وأحمد هم على التوالي والدي وجدي وأخي، الذي يحمل اسم الجد ووالد جدي، وهؤلاء جميعاً في دنيا الحق. في حين أن ثمة من يحمل أسماءهم يقفون في البنك لاجراء معاملات مصرفية. علمت لاحقاً أن تركيز آل عيتاني على المصرف هذا، يعود إلى أن رئيس مجلس إدارته، وأحد أكبر المساهمين فيه، هو من عائلتنا التي يفترض أنها تنحدر من جدّ واحد، وأن افرادها جميعاً تربطهم روابط القرابة، ما يحمل “أبناء العم” إلى إيداع أموالهم في هذا المصرف واجراء معاملاتهم من خلاله.
يوم ولادة ابني البكر، طلبت والدتي أن أسميه على اسم أبي، جده محمد. رفضتُ طبعاً رغم توقعي استياءها. أوضحت لها أن “محمد عيتاني”، لا يبدو لي اسماً محدداً، بل يشبه اسم “جون سميث” الانكليزي، الذي يمكن أن يستخدمه أي فرد من دون دلالة على هوية واضحة. وهناك صفحات كاملة في دليل الهاتف، لأشخاص يحملون اسم محمد عيتاني. بل إن في لائحة أسماء الهاتف الداخلي في مبنى يقطنه صديق لي، شخص يحمل ذات الاسم الثلاثي الذي كان لأبي.
سنة 2009 عندما وضعت وزارة الداخلية أسماء الناخبين المؤهلين للاقتراع في الانتخابات النيابية ذلك العام على الانترنت، عثرت على 15 شخصاً يحملون اسمي ذاته. وإذا كنتُ سمعت عن بعض الذين أتشارك معهم في الاسم من خلال الانترنت، أو وسائل الاعلام، إلا انني لم تسنح لي فرصة التعرف بأي واحد منهم شخصياً، أما الناخبون العيتانة، فيقترب عددهم من 14 ألف شخص، وفق اللوائح ذاتها.
هناك أيضاً غموض اسم العائلة ومعناه في اللغة العربية، على الرغم من وجود المصدر الثلاثي “ع ت ن” في “لسان العرب”، وترجح الروايات أن جدودنا جاءوا من نواحي المغرب أو الجزائر. وربما يكونون من اللاجئين الاندلسيين، الذين هبطوا الى المغرب بعد سقوط بلادهم أثناء “حروب الاسترداد” الاسبانية. وهناك من يوضح أن هؤلاء إذا كانوا من الاندلسيين، فالاقرب إلى الصواب أنهم من أهالي مدن أو نواح استولى عليها الاسبان في مراحل مبكرة من تلك الحروب، أي من طليطلة أو قرطبة وليس من غرناطة. لماذا؟ لأن ثمة وثيقة يقال أن بعض جدودنا وقعوها مع ممثلين آخرين عن العائلات البيروتية، في قصر نائب السلطنة المملوكية البحرية في دمشق، ارغون المالكي الداودار سنة 752 هجرية (1351/1352 ميلادية)، لتنظيم الدفاع عن سواحل بيروت، وأن الوثيقة هذه موجودة في متحف تركي، أي أن أسلافنا أقاموا على هذه الشواطئ، قبل قرنٍ ونيف على الأقل من سقوط غرناطة في 1492م. ووفق اللقب الممنوح لهؤلاء الاسلاف، فهم يسمون “الادرغاليون النقارسة العياتنة”. وقصة وفود العائلات البيروتية التي قابلت نائب السلطان، كانت الاساس لاسطورة العائلات السبع، التي يقال أنها تولت حماية بيروت منذ ذلك الحين.
واستخدام محرك البحث “غوغل” يشير الى وجود عائلة ادرغال في الجزائر الحالية. في حين يقول ابن خلدون في كتاب تاريخه ان أدرغال قائد بربري (أمازيغي) متمرد، وهو ما ينقله عنه القلقشندي في “صبح الأعشى” بالحرف تقريبا. ولا نعرف إذا كان لادرغال المقصود علاقة بأجدادنا الذين قابلوا في الفترة ذاتها نائب السلطان في دمشق.
بتتبع اسماء العائلات والعشائر في شمال افريقيا، نصل الى عائلة “العيتاني” التي كانت تقيم بين الجزائر وتونس. وأورد المحامي محمد زكريا عيتاني في كتابه “بني العيتاني: الأصول والفروع” (كان يفترض ان يكون العنوان “بنو العيتاني” ما دامت الكلمة مبتدأ)، أن اشخاصاً من آل عيتاني يقيمون في بلدة زغوان التونسية، وأن مراسلات (يورد صورا عنها) جرت بين العيتانة البيارتة وأقاربهم التونسيين في ثلاثينات القرن الماضي. ويبدو أن عيتانة زغوان التي تنتشر فيها أسر جاءت من الأندلس، بعد استيلاء الجيوش المسيحية عليها، هم مصدر الربط بين عيتانة بيروت وبين الاندلس.
وتوجد تفسيرات عدة عن سبب مجيئ المغاربة الى بيروت. واحد منها أن قبائل امازيغية جاءت واستقرت فيها مع انتصار الدولة العبيدية (الفاطمية) على الاخشيديين، الذين كانوا يحكمون بلاد الشام باسم العباسيين. ويقال بل قبل ذلك، بسبب وجود مقام الامام الاوزاعي في أكنافها والذي كان مذهبه واسع الانتشار في بلاد المغرب والاندلس قبل قيام الدولة الفاطمية الاسماعيلية في المغرب، ثم سيادة المذهب الظاهري وبعده المالكي. وعليه تكون بيروت جذبت المغاربة لسبب ديني في الدرجة الاولى.
اما الرواية التي يوردها الراحل عمر فروّخ في كلمة القاها في 21 كانون الاول/ ديسمبر 1978  في المركز الثقافي الاسلامي في بيروت خلال محاضرة عن الراحل محمد جميل بيهم (وآل بيهم  واحد من فروع عائلة عيتاني منذ وفاة حسين بن ناصر العيتاني المعروف ب”بيهم” سنة 1220هـ/1805 م، على ما يقول محمد زكريا عيتاني في كتابه)، عن شخصية عظيمة من عائلتنا لمع اسمها في البلاط العثماني في عهد سليمان القانوني وصارت صدراً أعظمَ، وقادت حصار فيينا الاول ويسميها ابراهيم باشا العيتاني، فالغالب على الظن ان الدكتور فروخ قد اخطأ في نسبتها الى اجدادنا وأنه استعار ابراهيم باشا الذي يُعرف في الادبيات العثمانية بلقب ابراهيم باشا الفرنجي او ابراهيم “مقبول – مقتول” بسبب صداقته الحميمة مع السلطان سليمان، ثم اعدام هذا الاخير له بعد خلافات ووشايات. وابراهيم باشا المذكور ينحدر من منطقة تقع اليوم في كرواتيا وكان بالفعل من اهم معاوني السلطان، لكنه، للأسف، ليس من أقاربنا. رغم ذلك، اطلقت محاضرة الدكتور فروخ حملة بحث عن ابراهيم باشا، وبات أفراد عائلتنا يقرنون اسمه حيث وجدوه بلقب “العيتاني”، وهذا ليس صحيحا في جميع الاحوال.
ولم أعثر في كتاب صالح بن يحيى “تاريخ بيروت” الذي يعتبر مرجعا لتاريخ المدينة في الحقبة المملوكية على اية اشارة الى آل العيتاني، على الرغم من ان الرجل تحدث بالتفصيل عن عدد من الحوادث، التي شهدتها منطقة رأس بيروت، مستقر العائلة القديم، ومنها حادثة الثأر بين آل الحمرا البقاعية، التي اقامت في المنطقة واعطت اسمها للحي الرئيسي فيها لاحقا، وبين آل تلحوق الدروز ما ادى الى مناوشات بين العائلتين اسفرت عن رحيل عائلة تلحوق الى نواحي عرمون وخلدة التي كانت مركز الأسرة التنوخية التي ينتسب اليها صالح بن يحيى والتي كانت تفرض حمايتها على ساحل الغرب وصولا الى بيروت.
ومن اللافت للانتباه في العائلات البيروتية، أن ليس للكثير منها أي فروع خارج العاصمة، اللهم باستثناء بعض الافراد الذين حملتهم ظروفهم للسكن في الضواحي، وخصوصا في مناطق بشامون وعرمون وخلدة منذ نهاية الحرب الاهلية والارتفاع الصاروخي لاسعار السكن في بيروت.
وثمة شذرات عن مشاركة آل العيتاني في حوادث العصور التالية، مثل ورود اسماء بعضهم ضمن قتلى الجيش العثماني في حرب البلقان بين السلطنة وروسيا التي وقعت 1877، ومشاركة آخرين في المؤتمر السوري الذي وضع الدستور الاول للدولة العربية في 1920 (امين وجميل بيهم، من الفرع الارستقراطي للعيتانة)، واسناد الاشراف على مسجد المجيدية القائم وراء المجلس النيابي الحالي إلى اثنين من وجهائهم، وما شكل من اشارات الى مشاركة أفراد العائلة في الحياة وكثرة عددهم.
بيد أن الكثرة هذه لم تكن كبيرة الفائدة لهم. فالعائلة معروفة بتعدد الفروع، وبالتالي بتنوع الزعامات المحلية والولاءات السياسية، على الرغم من أن أكثريتها ساندت تقليدياً الزعامة السنية البيروتية الأقوى. هكذا انضووا تحت لواء صائب سلام في ستينات وسبعينات القرن الماضي، ثم اخلصوا للزعامة الحريرية منذ التسعينات، في حين أن انضامهم الى الاحزاب العقائدية كان ضئيلاً لاسباب عدة، منها السمة الريفية للاحزاب اللبنانية وقيامها على مخاطبة الأقليات وهواجسها، وهذان ما لا يتفقان مع طبائع اهل الأكثريات والمدن، وهو ما لاحظه ابن خلدون في سياق كلامه عن الفوارق بين البدو وبين الحضر، منذ قرون عديدة. وأذكر أن احد “ابناء العم”، وهو تاجر في منطقة الزيدانية، كان يسأل عن الفرع الذي اتحدر منه، مثلما يسأل الانسباء ليحددوا درجة القربى، عندما اكتشف فجأة هوية والدي، فصمت طويلا ثم قال”آه….انت ابن الشيوعي”. وقالها كما لو اكتشف فضيحة تحوط بي وبفرعنا العائلي….
والغالب على الظن أن أهالي بيروت، وعائلتنا منهم، قد فقدوا عصبيتهم العائلية والقبلية التي لم تعد تعني الشيء الكثير، باسثناء الحرص على فوائد الوجاهة المحلية وبعض الاعمال الخيرية، ولم تعد قابلة للتوظيف السياسي مثلما هي حال العشائر والقبائل المقيمة حتى اليوم في نواحي بعيدة عن العاصمة. فالعائلات السنية المدينية يهمها الموقع الاجتماعي كما تصوغه علاقات المدن. والنسب هنا يعتمد على معايير النجاح والارتقاء الطبقي والمالي، اي “ما قد حصل” وليس “أصلي وفصلي”، بحسب بيت الشعر الشهير.
لذلك، يتوزع ابناء العائلة على كافة الشرائح الاجتماعية بين الاكثر فقرا والاشد ثراء وبين المهنيين والمحترفين وبين من لا مهنة محددة لهم، وبين اصحاب الشهادات العليا وبين الأميين واشباههم، وذلك ما يجعلهم منخرطين في نواحي النشاط التي تشهدها العاصمة مثلهم مثل باقي ابنائها من السنّة. وهذه هوية أولية وفق محددات الانتماء اللبناني وترجماته السياسية.
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

Play Video
يواجه لبنان محاولات تضييق مستمرة على حرية التعبير وحرية الاعلام وآخر مظاهر هذا التضييق رفض لبنان التوقيع على بيان يلتزم بحرية التعبير وحقوق مجتمع الميم. هنا فيديو لـ”تحالف الدفاع عن حرية التعبير في لبنان” والذي يضم 15 مؤسسة وجمعية حقوقية واعلامية رداً على حملات التضييق المتكررة.

2:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني