fbpx

اضطهاد الحوثيين للبهائيين بصفته شأناً داخلياً إيرانياً

لا ترتبط الممارسات القمعية بحق أتباع الديانة البهائية في اليمن بسيطرة الحوثيين على صنعاء. سبق لنظام علي عبدالله صالح، قبل عشر سنوات، أن شن حملات اعتقال ضدهم وزج عدداً كبيراً من نخبهم في السجون. في ذلك الوقت، أخذت الحملات طابعاً سياسياً، خلافاً لما اعتاد عليه البهائيون في إيران، بلد المنشأ، الذين عانوا الاضطهاد والتنكيل بسبب اختلافهم الديني.

لا ترتبط الممارسات القمعية بحق أتباع الديانة البهائية في اليمن بسيطرة الحوثيين على صنعاء. سبق لنظام علي عبدالله صالح، قبل عشر سنوات، أن شن حملات اعتقال ضدهم وزج عدداً كبيراً من نخبهم في السجون. في ذلك الوقت، أخذت الحملات طابعاً سياسياً، خلافاً لما اعتاد عليه البهائيون في إيران، بلد المنشأ، الذين عانوا الاضطهاد والتنكيل بسبب اختلافهم الديني.
كانت ذريعة نظام صالح أن المعتقلين البهائيين ليسوا مواطنين يمنيين أصيلين إنما ذوو أصول إيرانية، وأنهم دخلاء على المجتمع اليمني. علماً أن اليمن عرف الديانة البابية، التي انتهت إلى البهائية، بالتوازي والتزامن مع ظهورها في إيران، في منتصف القرن التاسع عشر.
الحوثيون استأنفوا بعد انقلابهم على شرعية بلادهم، ما بدأه صالح، وعوض أن ينقلبوا على قرارات اعتقال أفراد من الطائفية البهائية، أضفوا عليها شرعية الإعدام، حيث أصدرت محكمة جزائية تابعة لهم، منذ أيام، قرار إعدام البهائي اليمني الإيراني الأصل حامد بن حيدرة، المعتقل في سجون صالح منذ العام 2013. دورة القمع الجديدة في ظل السيطرة الحوثية على اليمن، تشير إلى وقوف إيران الراعية للحوثيين خلف هذا الحكم، وبالتالي دخول بهائيي اليمن في محنة اضطهاد على أساس ديني.
على عادتها، تحمّل الجمهورية الإسلامية الأقليات القومية والمذهبية ومنها البهائية، أسباب الاضطرابات التي تعصف بها من حين إلى آخر، وتتهمها بالضلوع في أعمال شغب ضد السلطة المركزية بإيعاز من جهات خارجية. تهرب إيران من مواجهة استحقاقاتها الداخلية، باستفزاز الرأي العام العالمي عبر مسألة الأقليات، مستخدمة سلاح الاعتقال والتنكيل وحتى الإعدام. في العام 2009 حين نزل الإصلاحيون بالملايين إلى الشارع اعتراضاً على التلاعب بنتائج الانتخابات الرئاسية، أقدم الأمن الإيراني على شن حملة اعتقالات عشوائية بين أبناء الديانة البهائية، متمهاً إياهم بإثارة الفتنة وتهديد أمن البلاد تنفيذاً لأجندات خارجية.
أما اليوم، حيث تشهد إيران أعمال شغب على خلفيات اقتصادية، فقد وقع الاختيار على الأقلية البهائية كهدف أول للضغط على المجتمع الدولي، ولعل الحملة المفاجئة التي بدأها الحوثيون في اليمن ضد الأقلية البهائية التي تضمنت حكماً بالإعدام أيضاً، تندرج ضمن هذا الإطار.
يعود تاريخ اضطهاد إيران للبهائيين إلى ما قبل تأسيس الجمهورية الإسلامية. محنتهم بدأت منذ الأيام الأولى للدعوة، التي ظهرت إبان حكم السلالة القاجارية التركمانية لبلاد فارس، وجوبهت من قبل مراجع الشيعة بحكم الردة، مما أدى إلى إعدام أميرهم الملا علي محمد الشيرازي الملقب بـ “الباب”، ثم نفي وارثه الميرزا حسين علي نوري الملقب بـ”بهاء الله”، إلى بغداد ثم اسطنبول انتهاءً بعكا التي مات ودفن فيها.
بعد سقوط القاجارية وصعود البهلوية، أصاب الديانة البهائية بعض من الانفراج الذي نعمت به إيران. أقصى رضا شاه رجال الدين من دائرة النفوذ السياسي. ألغى العمل بالشريعة الإسلامية وأدخل الكثير من الإصلاحات على شكل العلاقة بين الدولة والدين تأثراً بتركيا الاتاتوركية، وأطلق الحريات الدينية. استمر محمد رضا شاه، على خطى والده، وصولاً إلى عصر انتصار الثورة الإسلامية، عادت البهائية إلى المربع الأول، وعاد التنكيل بمعتنقيها بتهمة الردة من جديد، مضافاً إليها تهمة التعامل مع العدو الإسرائيلي، كون مؤسستهم الدينية الكبرى “بيت العدل الأعظم” تقوم عند سفح جبل الكرمل في مدينة حيفا المحتلة.
النظام الإسلامي في إيران لا يعترف بالديانة البهائية، ويتعرض البهائيون منذ انتصار الثورة لحملات إبادة منظمة، سيول من الإعدامات والاعتقالات التعسفية والسجن بلا محاكمات والنفي، جعلت عدده يتقلص إلى 300 ألف شخص، ويفسر البهائيون هذه الممارسات من باب التشفي. ففيها ما له علاقة مباشرة برجال الدين، الذين لا يتقبلون فكرة انشقاق أو حتى إصلاح ولو محدودة داخل المذهب الشيعي الاثني عشري، باعتبار أن ذلك يهدد مركزية سلطتهم، كما حدث أيام الدعوة الأولى. وفيها ما له علاقة بما انطبع في ذاكرة الثوريين عن عدد من النافذين البهائيين الذين كانوا حول الشاه محمد رضا بهلوي، وحكموا معه إيران بالحديد والنار، أمثال: رئيس الحكومة عباس هويدا، وزير الخارجية عباس آرام وطبيب الشاه الخاص الفريق عبد الكريم أيادي.
ويسجل للمرجع الديني الراحل آية الله الشيخ علي منتظري، الذي أمضى آخر سني عمره في الإقامة الجبرية بعد انقلابه على فكرة ولاية الفقيه، أنه أول رجل دين شيعي من صلب المؤسسة الدينية، أفتى بإنصاف البهائيين ومنحهم حق ممارسة ديانتهم ووجوب الاعتراف بمواطنيتهم وحقوقهم المدنية. وحديثاً، تأثرت فائزة رفسنجاني ابنة المرجع السياسي الراحل علي أكبر هاشمي رفسنجاني، بهذه الدعوة، فقامت بزيارة عضوة المحفل البهائي فريبا كمال الدين، بعد اتمامها حكماً بالسجن امتد لثمانية أعوام بتهمة ممارسة البهائية.
في التاريخ اليمني غير القريب، سجل العام 1844 أول تماس لليمن مع أيديولوجية دينية وافدة، يوم عرج مؤسس الديانة البابية علي محمد الشيرازي المعروف بـ”الباب” على ميناء مدينة مخا الجنوبية، قادما من مدينة شيراز الإيرانية في رحلة تبشير خارج الحدود.
وفي التاريخ اليمني القريب، أسس بدر الدين الحوثي بعد عودته من إيران “منتدى الشباب المؤمن” في العام 1992، تحول المنتدى بعد أقل من ثلاث سنوات إلى حركة سياسية سميت “حركة الشباب المؤمن”، ثم اتخذت اسم “أنصار الله” من الآية القرآنية رقم 14 من سورة الصف “يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله…”، على غرار “حزب الله” اللبناني، الذي اتخذ اسمه من الآية القرآنية رقم 56 من سورة المائدة “…فإن حزب الله هم الغالبون”.
الحوثيون أتباع الإمام (غير المعصوم) زيد بن علي بن الحسين (زين العابدين)، متهمون في اليمن، بالخروج عن مفاهيم المدرسة الزيدية وتحولهم إلى الاثني عشرية، المذهب الرسمي لإيران، بعد تأثر زعيمهم بدر الدين الحوثي بشخصية الإمام الخميني وسفره إلى إيران لتلقي الدراسات الدينية في حوزة قم. أما البهائيون، فهم الصورة النهائية التي رست عليها الديانة البابية، التي تأسست في إيران في منتصف القرن التاسع عشر، والتي انحرفت عن التشيع الاثني عشري، كما هم متهمون في إيران، وانتقلت بحراً إلى اليمن. وعليه، يبدو واضحاً أن ارتكابات الحوثيين ضد البهائيين، تحمل بصمات إيرانية، أو أنها بطريقة ما، شأن داخلي إيراني، تتم معالجته في صنعاء، إحدى العواصم العربية الأربعة التي تخضع لطهران.[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خالد سليمان ومروة صعب
الخوف هو من المواد التي تناثرت في المياه من جانب وطبيعة تلك المواد التي كانت موجودة في المرفأ …
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني