fbpx

فلسطين عالقة بين يساريين وحزب اللهيين

لعل واحدة من أهم تأثيرات شبكات التواصل الاجتماعي أنها عرّفتنا على مدى التناقضات التي تكتنف رؤيتنا لذواتنا ولواقعنا ولعلاقتنا مع العالم، ومحددات ادراكاتنا لكل منها. وفوق ذلك، فإن هذه الشبكات وضعت كل منا في مواجهة الآخرين

لعل واحدة من أهم تأثيرات شبكات التواصل الاجتماعي أنها عرّفتنا على مدى التناقضات التي تكتنف رؤيتنا لذواتنا ولواقعنا ولعلاقتنا مع العالم، ومحددات ادراكاتنا لكل منها. وفوق ذلك، فإن هذه الشبكات وضعت كل منا في مواجهة الآخرين، كي نتعرف من خلال ذلك على هشاشة مشتركاتنا، التي كانت محجوبة بسبب هيمنة السلطات السياسية والاجتماعية والدينية. إذ، كشفت تخشّب ايدلوجياتنا المسيطرة، وقصور بديهياتنا المؤسّسة، وخواء توهماتنا القاتلة. ولا أدل على ذلك، ربما، من النقاشات المتعلقة بأدوار أنظمة سوريا وإيران، اليوم، أو في النقاش حول معنى فلسطين والمقاومة والحرية والمواطنة. وبالتأكيد فإن تخصيص النظامين المذكورين، يتأتى من الادعاءات التي يروجها هذين النظامين  عن نفسيهما، أي أن النقاش ليس له علاقة بتقييمنا لمجمل الأنظمة الاستبدادية الأخرى، جمهورية أو ملكية.
طبعاً، لا تكمن المشكلة في الاختلاف، لأن ذلك أمراً طبيعياً، وإنما في المنهجية القائمة على انعدام التفكير، وإعدام الرأي الأخر، ونبذ التفكير النقدي، وحتى غياب الحس الأخلاقي في التعاطي مع القضايا المختلف عليها، ولا سيما مع الأشخاص الذين يتبنون تلك القضايا من مواقع او رؤى تتناقض مع ما يناسب كل منا.
من تجربتي الخاصّة، مثلاً، فقد دعيتُ لمناقشة بيان أصدره مجموعة من مثقفين وكتاب فلسطينيين (قناة “مساواة” لفلسطينيي 48 في 2/1)، إذ طرح مقدم البرنامج (رمزي حكيم) تساؤلات، من موقع المختلف، للإجابة عليها، مثل: لماذا إيران؟ أو لماذا البيان الآن؟ ثم ما الغرض من اقحام حزب الله في البيان؟ ولم لم يتحدث البيان عن التحركات الشعبية في البحرين؟ وأن هذا البيان يتساوق مع مؤامرة أمريكية إسرائيلية ضد إيران الخ.
طبعاً ليس المجال هنا لعرض الردود على تلك الأسئلة، فهي متوفرة على شبكة الانترنت، وإنما قصدي الإشارة إلى ردود الفعل حول الإجابات، والتي تبيّن بعضها عن عقلية سائدة ترفض التعاطي مع القضايا إلا وفقاً لفكرة المؤامرة، ومن دون أن تمعن الفحص أو التفكير في أسباب الحراكات الشعبية في إيران، ومن دون أن تكون معنيّة بمناقشة طبيعة النظام الإيراني، كنظام استبدادي وطائفي، يتغطّى بالدين وبقضايا فلسطين والمقاومة ومناهضة الاستكبار العالمي، لتوظيف كل ذلك في سبيل تعزيز مكانته في الإقليم، من إيران إلى لبنان، مرورا بالعراق وسوريا، وأيضاً من دون الاعتراف بحق شعب إيران بالتظاهر والمطالبة بحقوقه في الحرية والمواطنة والعدالة، وضمن ذلك إدارة موارد بلده، بما يخدم رفع مستوى معيشة شعبها وتنمية قطاعاته الاقتصادية والتكنولوجية. هكذا بدا هذا البعض كأنه يرى إيران مثلما كان يرى موسكو في عهد الاتحاد السوفييتي، ويسترشد بتعاليم “الولي الفقيه” كأنه يسترشد بتوجيهات الكرملين وبياناته عن سمة العصر وقوى الثورة العالمية الثلاث.
أهم من ذلك، أن السؤال لماذا إيران، بدا كأنه آتٍ من بلاد في قارة أخرى، لا يعرف أحد فيها أن الجنرال سليماني، قائد فيلق القدس، يتحرك بحرية مع ميلشيات متعددة الجنسيات، مثل حزب الله وأنصار الله وجند الله وزينبيون وفاطميون وعصائب الحق وأبو الفضل العباس، في سوريا والعراق ولبنان. وهذه الميلشيات هي جماعات طائفية مسلحة، وليست جماعات سياحية أو حمامات سلام او متطوعين إنسانيين. كما تناسى السؤال، أو تجاهل، أن بعض قادة إيران تفاخر علناً بأن بلده يسيطر على أربعة عواصم عربية هي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء.
طبعاً، ثمة سؤال استنكاري، سيما أنه صدر من بعض فلسطينيين (أغلبهم “يساريين”)، مفاده ولكن لماذا حزب الله؟ كأن هؤلاء لا يعرفون أن هذا الحزب انخرط في الصراع السوري، دفاعا عن نظام استبدادي، شعاره: “سوريا الأسد إلى الأبد”، حيناً بادعاء عن المقاومة، علماً أن هذه متوقفة منذ الانسحاب الإسرائيلي من لبنان (2000) باستثناءات طفيفة، ليس المجال لشرحها هنا، وحيناً أخر بادعاء الدفاع عن المراقد “الشيعية”، بحسب تصريحات لقادة الحزب، الذي يحلو لزعيمه حسن نصر الله ختم معظم خطاباته بنداء: “لبيك يا حسين”، من دون أن يعرف أحدٌ، ما علاقة البشر هذه الأيام بصراعات الماضي، أو ما علاقة “الحسين” بالصراعات على المكانة والسلطة والسياسة والموارد اليوم.
اللافت أن هؤلاء الفلسطينيين اليسارجيين (تبعا للايديولوجيا المغلقة)، لا يريدون أن يذكرهم أحد أن هذا الحزب، هو من أحزاب الإسلام السياسي، وأنه حزباً دينياً، يختلف مع معتقداتهم، المفترضة، وتاليا فهو ليس حزباً ديمقراطيا، أو يدعو للديمقراطية، فضلاً عن انه لا يفتح صفوفه لأحد آخر من غير” الطائفة”، التي يراها زعيمه “أشرف الناس”، في نداءاته الدائمة لشدً عصبيتّها القبلية أو الطائفية. بل إن من يسمع كلام هذا البعض من الفلسطينيين اليسارجيين يظنّ أنهم من دعاة الكفاح المسلح لتحرير فلسطين، طالما يحاولون التماهي مع حزب الله، أو أنهم حملة كلاشينكوفات يهجمون بين الفينة والأخرى على إسرائيل، في حين أنهم في الحقيقة لم يراهنوا على الكفاح المسلح يوماً، وأنهم من دعاة المواطنة والمساواة في إسرائيل (مع تفهّم لهذا وذاك ولظروفهم)، إلا أن الكلام الصادر عنهم ينمّ عن تناقض، وعن جهل، ويدعو إلى الاستغراب حقاً.
الطامة الأكبر تأتي عندما يتذاكى أحد هؤلاء ويقول لك لماذا لا تلتفت إلى بلادك لتحررها، ولماذا تعيش في هذا البلد أو ذاك، كأن هؤلاء لا يعرفون شيئاً عن تاريخ القضية الفلسطينية، أو عن النكبة، لأن الأدبيات السائدة، في حزبهم وفي الفصائل المنخرطة في أوسلو، انبنت على رواية الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع، كأن الصراع بدأ عام 1967. كلام هؤلاء يبعث على الألم والأسى، لأنه ينمّ عن ضعف ادراكهم إلى أن اللاجئين الفلسطينيين في سوريا ولبنان والأردن والعراق جزء من الشعب الفلسطيني، كما ينم عن تجاهلهم لنكبة هذا الجزء من شعبهم، ونسيان انهم هم من لعب الدور الأبرز في استنهاض القضية الفلسطينية وحمل راية الكفاح الوطني الفلسطيني المعاصر. هؤلاء يظنّون ان الفلسطيني في هذا البلد او ذاك هو مجرد سائح، أو متطفل على الشعب الفلسطيني. وللتذكير فإن عدم المعرفة، بسبب الأيدلوجيات الخشبية المسيطرة، يشمل الأنظمة العربية، إذ استغرب أحد المحاورين القول بأن إسرائيل دولة ديمقراطية بالنسبة لمواطنيها (وطبعا القصد مواطنيها اليهود تحديداً) إذ أن هذا الكلام عنده قد يأتي له بالسكتة القلبية، مثل هذا المحاور لم يعش في ظل أنظمة الاستبداد العربية، ولا يعرف معنى أن يعتقل شخص لمدة 15 أو 20 سنة على مجرد رأي أو ورقة، ولا يعرف كيف يغيّب أي انسان في سجن لهذه الفترة الطويلة، ولا ما يكابده، كما لا يعرف شيئاً عن انعدام الحريات وتبديد الموارد، وغير ذلك، كما ولا يعرف عن القصف بالبراميل المتفجرة ولا عن تشريد ملايين من السوريين.
الأقسى تنكّر هؤلاء لقضايا الشعوب العربية، باعتبار قضيتهم هي المركزية، إذ “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” ضد إسرائيل، كأنهم لا يعلمون أن الأنظمة هي التي حرست إسرائيل إن بجيوشها أو بتهميشها مجتمعاتها، وأن قضايا الحرية والعدالة لا تتجزأ.[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هبة أبوطه – صحافية أردنية
“كل شي عنا عيب. عيب تطلقي في المجتمعي القروي، عيب تشتكي على زوجك بالذات إذا كان ابن عمك وعيب ما بعرف إيش. لازم الوحدة تاخد قرارها قبل ما تضيع حياتها وحياة أطفالها. أنا مش بس حياتي ضاعت كمان حياة أطفالي ضاعت…”.

3:36

3:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني