fbpx

عمّان تُلَمْلِم خسائر صدامها مع ترامب وتخلّي العرب عن القدس

يتسلل الأردن الرسمي في مواجهة محسوبة المخاطر، إلى هياكل صناعة القرار في واشنطن، بعد أن صحا من صفعة ترامب الموجعة، وتهديداته بقطع المساعدات عن الدول التي تحدّت قراره في الجمعية العامة. كما قرّر الأردن تسريع وتيرة التواصل مع الولايات المتحدة الأميركية

يتسلل الأردن الرسمي في مواجهة محسوبة المخاطر، إلى هياكل صناعة القرار في واشنطن، بعد أن صحا من صفعة ترامب الموجعة، وتهديداته بقطع المساعدات عن الدول التي تحدّت قراره في الجمعية العامة. كما قرّر الأردن تسريع وتيرة التواصل مع الولايات المتحدة الأميركية، لإسماع صوته حيال مستقبل المنطقة، لا سيما لجهة حماية عربية القدس الشرقية وإسلاميتها، في سياق تسوية صراع الشرق الأوسط بما يحافظ على أمنه الوطني واستقراره السياسي وسط إقليم “هائج”.
تجلّت هذه المقاربة في كلام الملك عبدالله الثاني بقصر الحسينية مع رئيس مجلس النواب ورؤساء اللجان النيابية، وذلك غداة عودته إلى عمان من زيارة خاصة، اذ قال:  “سنتواصل مع الإدارة الأميركية في الفترة المقبلة، تفاديا لأي فراغ يؤثر سلبًا على مصلحة الأردن، فلا بد أن نعمل للتأثير في أي توجه يتعلق بالمنطقة”.
سياسياً، ومالياً واقتصادياً، يمرّ الأردن بمنعطف مصيري وسط عجز متزايد في الموازنة، تشكّل المساعدات الأميركية بند إنقاذها الرئيس الآن. وفوق ذلك تمرّ علاقاته بدول الجوار بحال من الشك، يصعب فيها الفرز بين العدو والشقيق.
كلام الملك مؤشر يعكس إعادة احتساب كلفة التصعيد مع واشنطن؛ حليفه الاستراتيجي والمالي منذ منتصف القرن الماضي. اليوم، تجد المملكة نفسها في مرمى “الأضرار الجانبية”، الناجمة عن تقاطع أجندات دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر، مع دول خليجية متحالفة مع مصر. بالنسبة لدول الخليج، المهمة الآن هي المواجهة. أما الأردن، فتُركَ وحده لمقارعة مؤامرات “صفقة القرن”، وهو وحده الذي يرى في غياب السلام على الساحة العربية تحدّياً مصيرياً أمام دول المنطقة. وهكذا تقف عمّان وحيدة في مواجهة قرار ضمّ القدس، وتهويد ما تبقّى من الأراضي الفلسطينية المحتلة، بعد أن قدّمت واشنطن وعواصم عربية القدس، قربانًا لإسرائيل في سبيل رصّ الصفوف في وجه النفوذ الإيراني المتنامي في المنطقة.فلم يعد سرًا أن الصراع العربي  لم يعد قضية العرب الأولى، بينما لا تعدو مأساة اللاجئين والنازحين عن كونها قضية إنسانية بحتة  وليست سياسية.
القدس الشرقية فقدت رمزيتها الدينية أيضاً لدى غالبية العواصم العربية، في وقت يشعر  الهاشميون أنهم أصحاب الوصاية على المقدسات المسيحية والإسلامية في القدس الشرقية – وفق معاهدة السلام الأردنية-الإسرائيلية- وذلك لحين التوصل إلى تسوية نهائية.
يتزامن التحول في موقف الأردن حيال واشنطن، مع جولة نائب الرئيس الأميركي مايك بنس في المنطقة، التي تبدأ في إسرائيل ثم مصر وتنتهي في الأردن، بعد أن عدّلت واشنطن جدول زياراته حين رفضت السلطة الوطنية الفلسطينية استقباله، احتجاجاً على اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل. كما يعقب اجتماع خلية الأزمة العربية بشأن القدس في عمان. في ختام الاجتماع، قرّر وزراء خارجية ست دول التمسّك بالسلام خياراً استراتيجياً لجميع الدول العربية، ومواصلة تنسيقها  مع الدول الوازنة لرفض القرار الأميركي وعدم قانونيته، وكذلك حشد المجتمع الدولي للاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران/ يوليو 1967.
وزراء خلية الأزمة قرّروا طي خيار التصعيد الذي تنشده السلطة الفلسطينية مع واشنطن، بعد أن رسخت قناعة لدى السلطة بأن أميركا غدت وسيطاً عاجزاً ومنحازاً. ويلاحظ أن الأردن تراجع عن سياسة التصعيد البرلماني-الإعلامي-الحزبي المساندة للتحرك الرسمي، وضبط إيقاع الشارع، بعد أن كان أومأ إليه وزير الدولة لشؤون رئاسة الوزراء ممدوح العبادي. وها هو يستعد لمرحلة الهبوط عبر التعامل بواقعية مع المستقبل، وإعادة قراءة المشهد بشمولية وتفصيل. الحراك الشعبي يدغدغ العواطف، ويضيّق الفجوة المتزايدة بين الحكومة والشارع، لكن ثمنه السياسي والاقتصادي قد يكون مرتفعاً على الأردن. كما لا يرغب الأردن بتصعيد الوضع السياسي مع مصر والسعودية لكي لا تخرج الأمور عن إطار السيطرة.
أسهم في تعديل المسار وقع الصدمة الناجمة عن تهديد إدارة ترامب بقطع المساعدات عن الدول التي تصوت ضد قراره حول القدس. على  أن صانع القرار في الاردن تلقى تطمينات من واشنطن، بأن مساعداتها المقررة سابقاً للأردن لن تمس في العام الحالي ولمدة أربع سنوات قادمة. يرى الأردن في هذه المنحة السنوية – بشقيها العسكري والمدني- ضماناً لأمنه واستقرار المنطقة.ولعبت عوامل أخرى في اتجاه تعديل مزاج عمّان، من بينها تغيير موقف روسيا، والجفاء مع إسرائيل بعد جريمة السفارة المزدوجة، وتلكؤ تل أبيب في فتح تحقيق في تلك الجريمة؛ وهو أحد ثلاثة شروط وضعها الأردن قبل السماح بعودة طاقم السفارة الإسرائيلية إلى عمان.
يدخل في الحسابات أيضاً، نضوب المساعدات العربية في زمن تنامى فيه قلق صانعي القرار، من ردّة فعل شعبية على سياسة رفع الدعم عن السلع وزيادة ضريبة المبيعات، خصوصا بعد أن مرّر مجلس النواب مشروع الموازنة العامة في فترة قياسية هي “خمس ساعات”.
يتعرض الأردن – رئيس القمّة العربية- لضغوط من دول خليجية لمنع عقد قمّة عربية طارئة حول القدس، وترحيل الموضوع للقمة العادية القادمة في الرياض بعد شهرين. في الأثناء، تتلقى المملكة تعهدات من دول غربية وازنة، بدعم موقفها الساعي للتقليل من آثار قرار ترامب وإبطال مفعوله على الأرض، من أجل كسب التأييد للاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية.
ومع دخول قوى عربية جديدة سباق المنافسة على بناء علاقات مع إسرائيل والولايات المتحدة لخدمة أهداف خارج سياق المصلحة العربية ومنها القضية الفلسطينية، انكشف ظهر الأردن مع عمقه الاستراتيجي العراق، سوريا ومصر صاحبة النفوذ الإقليمي لعقود. اليوم تتخلّى مصر عن دورها تحت وطأة الحاجة لإنقاذ اقتصادها المتهالك، واعتبارات وطنية حيوية مثل محاربة الإرهاب في سيناء، وعلى الحدود مع غزة. وقد يندرج الحوار الهاتفي يوم الثلاثاء بين الملك عبدالله والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ضمن محاولة بناء جبهة عربية ضاغطة، بالتنسيق مع دول أوروبية لتفريغ قرار ترامب من محتواه.
هنا، يبدو أن الأردن الرسمي قرّر أن “يقيس الموقف قبل أن يغوص” في خندق ترامب وحلفائه العرب الجدد، ذلك أن كتاب “النار والغضب” لمايكل وولف، يؤكّد مزاعم صفقات صهر ترامب  كوشنير مع حكّام عرب جدد لرسم خارطة التحالفات الجديدة في المنطقة.
وخلصت عمّان إلى أن التصعيد مع واشنطن وموت عملية السلام يوفرّان هدية لنتنياهو، ويطلقان يده في تهويد القدس وفق خطّة المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897، الرامية لتأسيس وطن قومي لليهود على كامل أراضي فلسطين. لذلك لا مفر من استمرار مقارعته ولو إعلاميًا وديبلوماسيًا، بدعم دول وازنة تتحرك على خط واشنطن على أمل تفريغ قرار ترامب من مضمونه.
صحيح أن المسؤولين الأردنيين يقرّون بأن إسرائيل تدفن حلّ الدولتين نهائياً بفضل انحياز ترامب، لكن لا خيار أمام الدول العربية إلا التمسك بهذا الحل المنصوص عنه في قرارات الأمم المتحدة.  وكذا السعي لتخفيف حدّة تداعيات قرار ترامب التقنية والسياسية والإصرار على حل عادل ومقبول للأطراف المنخرطة في أطول صراع في العالم، بما يضمن نزع فتيل عدم الاستقرار في المنطقة.
لا مجال اليوم أمام الأردن إلا العوم فوق السطح تحاشياً للغرق في مستنقع ترامب وإسرائيل وحلفائهما الجدد.  لننتظر ونرى ما ستحمله الأيام القادمة.[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مروة صعب – صحافية لبنانية
“اللي قتلو ابنتي مدعومين. أنا ماني تابع لأي حزب سياسي ولا عندي مال لتعيين محامٍ يساندني لانتزاع حق بنتي من اللي قتلوها”.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني