fbpx

في العراق مدرسة تقفل أبوابها كل يوم

شهد العراق تراجعاً سريعاً إلى الوراء تمثّل في زيادة أعداد التلاميذ المتسرّبين من مدارسهم بنسبة 28.8 في المئة خلال أعوام 2013 – 2018،  وقفز عددهم من 101 ألف تلميذ وتلميذة في نهاية 2014  إلى 131 ألفاً و649 تلميذ وتلميذة في نهاية 2018، أي بمعدل 360 طالباً في اليوم الواحد، ما يعني أن البلد بانتظار جيوش من الأميين

ثمة حكمة أوروبية تقول “من فتح مدرسة أغلق سجناً”، لكن الواقع معكوس في العراق، وخلافاً لهذه المقولة، فإن مدارسه تشهد تسرّباً جماعياً للتلاميذ في المرحلة الابتدائية بمعدل 360 تلميذاً وتلميذة في اليوم الواحد بحسب إحصاءات رسمية.

“تقدّم في التخلّف”

نشر الجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط مؤشرات التعليم قبل أيام، جاء فيها أن عدد تاركي المدارس الابتدائية تجاوز 131 ألف تلميذ وتلميذة خلال عام في جميع محافظات العراق، ما عدا إقليم كردستان، وشكلت الإناث 47.5 في المئة من نسبة المتسربين، على رغم تمسك البنات المعهود بمقاعد الدراسة، خلافاً للذكور الراغبين في الإفلات من الالتزام بالقوانين المدرسية.

لا يختلف اثنان على أن واقع التعليم في البلد مزرٍ، لكن هذا الإحصاء الرسمي شكّل جرس إنذار بشأن واقع التعليم في بلاد الرافدين، بخاصة بعد اكتشاف ارتفاع العدد عن العام الذي سبقه، إذ كان 126 ألف تارك وتاركة بحسب الجهاز نفسه، ما دفع ناشطين إلى اعتبار أن العراق يشهد تراجعاً على جميع الأصعدة، ما عدا التخلّف الذي يبلي فيه بلاء حسناً ويشهد تقدّماً في تسجيل أرقام قياسية فيه.

حملة متأخّرة للإنقاذ

بعد يومين من انتشار عدد المتسربين من المدارس، أطلق معنيون حملة لإنقاذ التربية، وشكّل إصلاح المنظومة التربوية وزيادة تخصيصاتها المالية والالتفات إلى الأبنية المدرسية المتهالكة نواة مطالبها، وسارعت رئاسة البرلمان إلى التفاعل مع الحملة عبر مناقلة ترليون دينار (نحو 850 مليون دولار) إلى ميزانية وزارة التربية، والتعهد ببناء أكثر من ألف مدرسة بحسب بيان الحملة، إلا أن مختصين تربويين ذكروا لموقع “درج” أن المصيبة أعظم من أن يتم تداركها بتخصيصات آنية ووعود بترميم أبنية مدرسية لأسباب عدة أهمها: الخيبة الكبيرة التي تخيّم على التعليم حتى لدى المتواصلين في الدراسة بسبب قتامة مستقبل الخريجين في ظل غياب فرص لتعيينهم أو تشغيلهم واستيعابهم ضمن المرافق الحكومية وحتى الخاصة، إذ يشكل سؤال “شحصل الخريجون من الدراسة”، هاجساً لدى العراقيين وفئات واسعة من الطبقات الاجتماعية، ما أدى إلى استسهال التسرّب وترك المقاعد الدراسية وتشجيعه في بعض الأحيان باعتبار أن التارك يبحث عن قوت يومه بطريقة أخرى خارج أسوار المدارس وسلك التعليم.

الأسباب والدوافع

توصّلت لجنة برلمانية شكلت العام الماضي من أجل دراسة الظاهرة إلى أن أسباب التسرّب “اقتصادية واجتماعية مركبة”، واقترحت “تعاضد مؤسسات الدولة المعنية بإجراءات تشريعية ورقابية وإعلامية واقتصادية لتدارك الظاهرة”، وعززت هذا الاستنتاج نتائج مسح التخطيط التي أكدت أن المناطق ذات الغالبية الشعبية والفقيرة في العاصمة العراقية  “الرصافة”، سجلت أعلى نسبة من ترك المدارس قياساً بالأحياء الميسورة والمتوسطة معيشياً في المدينة نفسها.

إحصاءات رسمية أشارت إلى أن المتسرّبين في المدارس الحكومية شكّلوا 99 في المئة، في حين لم تبلغ نسبة التلامذة التاركين في المدارس الأهلية 1 في المئة، ولم تتجاوز النسبة في المدارس الدينية 0.2 في المئة

وتشير تقارير داخلية أُعدّت في مديريات تربية العاصمة واطّلع “درج” على بعضها، إلى أن عدداً ملحوظاً من العائلات لم تعد تتحمل المصاريف اليومية لأبنائها وبناتها من شراء القرطاسية والملابس ولا تستطيع إرسالهم إلى مدارس لا تضمن لهم مستقبلاً معيشياً مقبولاً، حتى وإن تخرجوا منها بنتيجة متفوقة. ويتوافق هذا التعليل مع بيانات وزارة العمل والشؤون الاجتماعية التي تؤكد أن الشرائح الفقيرة والمعدومة في المجتمع العراقي ومن ضمنها الأسر التي هي دون خط الفقر أو بين أفرادها من هم من ذوي الاعاقة والاحتياجات الخاصة، تشكّل 17 في المئة من سكان العراق وتنتظر 450 ألف أسرة في العام الحالي إضافتها إلى مليون و350 ألف أسرة أخرى ضمن الشبكة المشمولة برواتب الإعانة الاجتماعية. وتعكس هذه الأرقام الواقع المزري للعراق، المتمثل بالأزمة الاقتصادية وتدهور الأحوال المعيشية جراء الحروب المتراكمة واستفحال ظاهرة الفساد الإداري والمالي التي وضعت العراق في صدارة الدول الأكثر فساداً ضمن المؤشرات المعتمدة المختصة بالشفافية العالمية.

يتسرب الاطفال من التعليم الى سوق العمل في عمر مبكر

تسييس التربية ضمن الأسباب

ويشكو القائمون على التربية من آثار المحاصصة الحزبية والسياسية على القطاع التعليمي ووزراة التربية على وجه التحديد، إذ تناوب ساسة مثلوا الأحزاب والكتل الطائفية الشيعية والسنية على إدارتها خلال الدورات السابقة، وأدت الخلافات السياسية على هذا المنصب إلى بقائه شاغراً حتى الآن، على رغم مرور نحو 100 يوم على تشكيل الحكومة العراقية الجديدة برئاسة عادل عبدالمهدي وباءت محاولة ملء هذا الفراغ بالفشل، بعدما كشف ناشطون علاقة عائلية من الدرجة الأولى بين الوزيرة التي حازت الثقة “شيماء الحيالي” وأحد قيادات “داعش” ليث الحيالي، ما دفع الوزيرة إلى تقديم الاستقالة.

امتنع الوزير “السني” السابق للتربية محمد إقبال الصيدلي الذي يشغل مقعداً في البرلمان الحالي، وكذلك نواب في لجنة التربية في البرلمان الجديد عن التعليق على إحصاء التسرب المدرسي، لكن مختصين ومسؤولين في مديريات التربية في أكثر من محافظة سردوا أسباباً مختلفة للظاهرة منها اتساع رقعة الفقر، كثرة العائلات اليتيمة التي فقدت معيلها جراء الحروب والانفجارات، غياب الدعم المادي لأبناء العائلات المتعففة، عبر تأمين مصروفهم بمنح ضئيلة، فضلاً عن المشكلات النفسية الناجمة عن تفكك الأسر وظاهرة الطلاق والمشكلات العائلية، التي استفحلت كثيراً مثل المشكلات التربوية، إذ سجّلت المحاكم العراقية 10 حالات طلاق خلال كل ساعة على مدى الأشهر السبعة الأولى من العام الماضي، إضافة إلى تكدس الطلاب في الصفوف، إذ سجّلت بعض المدارس في بغداد تجمّع 60 طالباً داخل الصف الواحد بحسب الوزارة، ما خلق مشكلة كبيرة للطلاب والمعلمين والإدارات المدرسية.

غياب الاستراتيجية وفساد التعليم  

ينص القانون العراقي على إلزامية التعليم ومجانيته في الوقت نفسه، ويعاقب أولياء الأمور في حال التنصّل من هذا الواجب بشكل نظري، وخصصت الحكومة نحو 6 في المئة من الموازنة العامة للبلد للتربية، كما يتجاوز عدد العاملين في وزارة التربية مليون موظف ومدرّس، بحسب الإحصاءات الرسمية، ويشكّل الطلبة ثلث سكان العراق (أكثر من 6 ملايين في الابتدائية و293 ألفاً في الثانوية ما عدا كردستان ونينوى)، إلا أن المختصين يشكون من غياب استراتيجية واضحة للتعليم، وظهرت أخيراً شكاوى كثيرة من صعوبة المناهج الدراسية العلمية وركاكتها وتغييرها المستمر وسط اتهامات تعزو الأمر إلى منافع مطبعية وخيرات تدرها العملية على جهات متنفذة، رصدت هيئة النزاهة بحسب بيان أصدرته 23 كانون الثاني/ يناير 2019، وجود مغالاة باحتساب الكلفة التخمينيَّة لـ148 عنوان كتاب مدرسي، وصلت قيمتها في الكلف التخمينية إلى أكثر من 12 مليون و600 ألف دولار، إضافة إلى مخالفاتٍ في عقد مع شركة بريطانية بلغت قيمته أكثر من 23 مليون دولار أميركي، الأمر الذي برره ودافع عنه الوزير السابق محمد اقبال في بيانات صحافية وتعليقات أصدرها، بعد إثارة الشكوك بشأن العوائد المادية للتغيير المستمر في المناهج.

قفز عدد المتسرّبين من 101 ألف تلميذ وتلميذة في نهاية 2014  إلى 131 ألفاً و649 تلميذ وتلميذة في نهاية 2018 أي بمعدّل 360 طالباً في اليوم الواحد

اتّهامات بتآمر القطاع الخاص

وبعيداً من الأسباب الاقتصادية والاجتماعية المعروفة لتسرّب الطلاب، تدور شكوك بأن للقطاع الخاص والتعليم الديني دوراً في التسرّب الجماعي من المدارس العراقية الحكومية، وذلك عبر جذب طلاب العائلات المتمكنة إلى حضن المدارس الخاصة في ظل اليأس من تأهيل الحكومية القديمة والمتكدسة والطينية والمتهالكة بأكثر من دوام في اليوم، ومدرّسين ومعلمين دون المستوى، وتعزز هذه الشكوك إحصاءات رسمية أشارت إلى أن المتسرّبين في المدارس الحكومية شكّلوا 99 في المئة، في حين لم تبلغ نسبة التلامذة التاركين في المدارس الأهلية 1 في المئة، ولم تتجاوز النسبة في المدارس الدينية 0.2 في المئة. وخلال السنوات الأخيرة منحت الحكومة امتيازات لخريجي الحوزات والمدارس الدينية عبر تعديل شهاداتها وقبول خريجيها على غرار الحكومية، بخاصة في طبقة الساسة والمسؤولين والنواب على رغم عدم خضوع خريجيها للضوابط والآليات المعتمدة، ما يعده البعض حافزاً لترك “الحكومي” الصعب واختيار السهل المضمون في ظل سيطرة الأحزاب الدينية على مقاليد السلطة.

جيش الأمّيين… المخاطر والنتائج

احتل العراق المرتبة 22 على مستوى العالم منتصف الثمانينات في مستوى التعليم، ونال في الفترة نفسها جائزة من اليونيسكو تقديراً لنجاحه في محو الأمية، لكن الحروب وما أعقبها من عقوبات دولية ومشاحنات طائفية أدت إلى التفريط بهذه الإنجازات، إذ شهد البلد تراجعاً سريعاً إلى الوراء تمثل في زيادة أعداد التلاميذ المتسرّبين من مدارسهم بنسبة 28.8 في المئة خلال أعوام 2013 – 2018،  وقفز عددهم من 101 ألف تلميذ وتلميذة في نهاية 2014  إلى 131 ألفاً و649 تلميذ وتلميذة في نهاية 2018 أي بمعدّل 360 طالباً في اليوم الواحد، ما يعني أن البلد بانتظار جيوش من الأميين.

تربط دراسات جامعية وأبحاث علمية بين التسرب من المدرسة والجنوح، وتطلق الجهات المعنية كل فترة نداءات تشدد على ضرورة تطبيق التعليم الإلزامي ومساعدة الأسر الفقيرة مادياً لتغطية دراسة أبنائها، إلا أن الدولة تعجز عن إجبار الناس على التعلم، بسبب عدم توفير المستلزمات الضرورية للدراسة، وسط انشغال الوسط السياسي بأولويات تشكّل نقطة اهتمام لها، تتمثل في تقسيم المناصب والمكاسب وفق المنظومة الطائفية.

وتشدّد الدراسات الميدانية الحديثة الصادرة عن عدد من الجامعات العراقية، على أن مخاطر التسرّب لا تكمن في تزايد معدّلات الأمية والجهل والبطالة وحسب، بل تتعدّى إلى ضعف بنية الاقتصاد وتزايد الاتكالية، كما تفرز في المجتمع ظواهر خطيرة كعمالة الأطفال واستغلالهم وظاهرة التزويج المبكر، ما يؤدّي إلى زيادة حجم المشكلات الاجتماعية، كانحراف الأحداث، وضعف المجتمع وانتشار الفساد فيه، إلى جانب الفساد الذي أصبح محور حديث العراقيين على اختلاف انتماءاتهم من دون أن يؤدي هذا الجدل إلى وضع حد له، على رغم وجود هيئات ولجان رقابية ونزاهة، أضيف إليها أخيراً مجلساً أعلى لمكافحته يرأسها عبدالمهدي نفسه.

إقرأ أيضاً:
زوار الكاظم ليسوا وحدهم: ها هي التكايا الصوفية تصدح في بغداد والفلوجة
الحياة النيابية الكُردية: الامتيازات تطغى على الإنجازات

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
ما يحصل هو سياق تاريخي من التدمير الذاتي وإدراك تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية، متمثلاً بالتراخي وعدم القدرة على التواصل مع العمق العربي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني