fbpx

جدتي وهي ترى مدينتها المدمرة: “سلام” حلب الأخير!

يوم ذهبت جدتي إلى الحج وأنا أقطع سنتي العاشرة في هذه الحياة. لم يكن العالم موحشاً إلى هذه الدرجة. لكن كنا نسمع الكثير عن أولئك الذين يذهبون إلى مكة ولا يعودون إلا في اﻷكفان. وكان يكفي أن يكون اﻷمر محتملاً لأنقطع عن الحياة رغم صغري طيلة مدة سفرها، وأظل أؤدي كل الصلوات واﻷدعية التي علمتني إياها على نية أن تعود، وأبكي في نهاية كل منها، مخافة أن يصيبها أحد احتمالات الروايات التي كانت تحكيها لي عن أولئك الذين تذكّرهم ربهم أو تذكروه في تلك البقاع.

يوم ذهبت جدتي إلى الحج وأنا أقطع سنتي العاشرة في هذه الحياة. لم يكن العالم موحشاً إلى هذه الدرجة. لكن كنا نسمع الكثير عن أولئك الذين يذهبون إلى مكة ولا يعودون إلا في اﻷكفان. وكان يكفي أن يكون اﻷمر محتملاً لأنقطع عن الحياة، رغم صغري طيلة مدة سفرها وأظل أؤدي كل الصلوات واﻷدعية التي علمتني إياها على نية أن تعود، وأبكي في نهاية كل منها، مخافة أن يصيبها أحد احتمالات الروايات التي كانت تحكيها لي عن أولئك الذين تذكّرهم ربهم أو تذكروه في تلك البقاع.
كنتُ أعرف جيداً مدى رغبة جدتي برحلة الحج هذه. ففي كل مساء خميس وبعد أن تنتهي من تعزيل دارها الواسعة وانجاز الغسيل وبعد أن تعدّ الكبة النية والفاكهة، أخرج لنجلس جميعنا في أرض الديار، فيما الغسيل الندي النقي يلوح على الحبال الواطئة، وأنا ملق رأسي على ركبتيها وهواء خفيف يسقط أزرار الياسمين على وجه ماء البركة الصغيرة. في تلك اللحظة، أنظر الى جدتي فإذا هي تبكي وهي تستمع للمؤذن الذي يرفع “تسميع” ليلة الخميس بين المغرب والعشاء وتقول لي، “الله يطعمني حجة قبل ما انقطع”.
ذهبت جدتي وعادت. ويوم عودتها نالني من سياط موظفي أمن المطار نصيب وأنا أركض إليها ما إن لمحتها واحتضنتها متجاوزاً الشريط الذي وضع ليفصل بين القادمين والمنتظرين. وفي طريق عودتها في سيارة عمّي وأنا في حضنها يظل حجابها اﻷسود ينزل عن رأسها لتظهر”شاشيتها” البيضاء التي لم تفارق شعرها يوماً. ولها ولشبيهاتها درج خاص في خزانتها اﻷثيرة.
ما إن دخلنا منزلها والناس بانتظارها ليلقوا عليها السلام ويحتفلوا بعودتها حتى بهتت حين وجدت أن منزلها ضاع منها. فقد قام أبي وأعمامي أثناء غيابها بتجديده وترميمه. فكلّ شيء فيه كان آيلاً إلى السقوط. لكن المنزل خسر بهذا التغيير نفسه وخسرته جدتي ومعه كل ماضيها ولم تستطع السنوات التالية أن تصالح جدتي ومنزلها من جديد. يكفي أنها خسرت “النسرينة” الحمراء في زواية أرض الديار القبلية، وردم البئر وأغلق الممر الخلفي الذي كان يصل الليوان بالحمام والمطبخ عبر درجات ضيقة. تلك النسرينة كانت مجلس كل نساء حارتها الصغيرة. على حافتها توضع فناجين القهوة وتروى اﻷخبار ويتحول الدم إلى دمع وينزل الوجع من الأكتاف إلى القلب إلى الكفين.
صحيح أن نافذتها الصغيرة في غرفة المعيشة والتي كانت تتبدل ستائرها كل موسم بقيت على حالها. لكن ما جرى للبيت وبات منزلاً جديداً، يعني أن لا سبيل للعودة الى البيت القديم وهذا ما أساء إلى علاقتها وإياهم وإلى علاقتهم هم ببعضهم أيضاً، وليس للبيت وحده فقط.  فمنذ ذلك اليوم فتحت قصص كثيرة لم تغلق وكأن قلوبهم أيضا تبدلت وتقلبت مع حجارة البيت. والجديد الذي جره الزمن إلى البيت جاء أيضاً على القلوب والنفوس.
منذ تلك اﻷيام وجدتي تروي لي ماضيها الذي بدأ يذوي في عينيها. ترويه لي كأنها تريد أن تقيده. ماض لم يكن يوماً بالنسبة لها إلا حاضراً يعاش ويقدّس ولا يمسّ ولا يستحق أن ينال منه الزمن على هذا النحو القاسي. وبين الرواية والرواية ترسلني في مهمات بين بيوت أقربائها في الحارات القديمة الضيقة فأروح وأنا أهرول بين البياضة والقصيلة وساحة بزة وباب المقام أتمم بما أراه على اﻷرصفة وفي مداخل البيوت وعلى عتبات الغرف ما كانت ترويه لي. وأعود لأسألها عنه وحوله. فتروح تروي من جديد. وأنا يدي الصغيرة على خدي أتأمل وجهها و”شاشيتها” الملتفة على رأسها بحزم وهي تروي. وحين أتعب ألقي برأسي على ركبتها اليمنى وهي تتابع الرواية التي لم تنته يوماً رغم ملاحظات أمي الدائمة عن أنني أوجع قدمي جدتي هكذا. لتروح هي تقول لي بعد أن أرفع رأسي، “خليك عين النانا خليك، تقبر قلبي”.
لم أقبر قلبي جدتي. ورغم أن اﻷيام أساءت إلينا كثيراً في طريق من أساءت. لكن الجدة اليوم وبعد أن هجرت الحرب كل شباب العائلة تتألم وحيدة بدون أحد من أحفادها. لا أحد. وتحس وهي ترى حلب المهدّمة المهزومة حولها كما أحست يوم عادت من الحج ولم تتعرف على بيتها وأضاعت زمنها واﻷيام.
وحدهن بناتها وراهبات “مستشفى القديس يوسف” وفي حي الجميلية بثيابهن البيضاء واللواتي كنّ آخر ما ودعته في حلب يهتممن بلحظاتها اﻷخيرة القاسية هذه.
هذا المستشفى الذي كان آخر بناء في مدينة حلب يوم كانت جدتي طفلة وذهبت مع والدها إليه بعد أن أصيبت في جبينها وهي تلهو في أرض ديار بيت أهلها. بعد أن ضمدت الراهبات جرحها. خرجت لتقف ووالدها على درج المستشفى ولينظرن إلى ما يليه ولم يكن إلا بساتين للخضروات على امتداد النظر. حينها رفعت عينيها إلى أعلى المستشفى كما ترفعهما من نافذة غرفتها الباردة اﻵن وقرأت، “سلام لكل إنسان”. ولكنها اﻵن كما المدينة لم يبق لها من هذا السلام إلا اسمه ووحشته وغرباؤه.

[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني