عن “منتخب البراميل” وفصل الرياضة عن السياسة

بدأت في الإمارات بطولة كأس أمم آسيا لكرة القدم بمشاركة المنتخب السوري، فهل حقاً يمكن فصل الرياضة عن السياسة في قضية ملطخة جداً بالدماء ومئات الرياضيين السوريين قُتلوا خلال السنوات الماضية، وبعضهم ما زال مغيباً حتى الآن في سجون النظام ومعتقلاته؟؟

بدأت في الإمارات العربية المتحدة بطولة كأس أمم آسيا لكرة القدم، البطولة التي جمعت مشجعين من أقطاب القارة الصفراء كافة، في حدث لا يتكرر إلا كل 4 سنوات، ولأن المنتخب السوري هو أحد المشاركين في هذه البطولة، كان لا بد أن ينقسم الشارع السوري، المنقسم أصلاً، حول هوية المنتخب وانتمائه وتشجيعه، بين من يراه منتخباً لسوريا كلها بمن فيها من معارضين ومؤيدين، ومن يصفه بمنتخب النظام السوري أو كما يسميه معارضو النظام “منتخب البراميل”، إشارة إلى سلاح البراميل المتفجرة التي استخدمها النظام في قصف المدن والبلدات السورية.

الجدل حول هوية المنتخب السوري ليس وليد كأس أمم آسيا، بدأ في تصفيات كأس العالم العام الماضي، عندما ظهرت بوادر أن هذا المنتخب قادر على الوصول إلى البطولة الأكبر على مستوى العالم، حينها استشعر المعارضون الخطر واستشعر النظام وموالوه أهمية الفرصة، فالوصول إلى روسيا 2018 كان سيعني رفع علم النظام هناك، عزف النشيد السوري، إضفاء حالة من الاعتراف والتطبيع العالمي مع النظام من خلال منتخبه، وبكل تأكيد لن تخلو المناسبة من مدح القائد “راعي الرياضة والرياضيين”.

عمر السومة

ما رفع من حدة هذا الجدل هو عودة بعض اللاعبين عن مواقفهم السابقة المؤيدة للثورة من أجل الاستفادة من فرصة الوصول إلى كأس العالم، أبرزهم فراس الخطيب وعمر السومة، اللذان امتنعا عن تمثيل المنتخب لسنوات وأعلنا عن تأييدهما الثورة السورية. عودة كلا اللاعبين إلى “حضن الوطن” اعتبرت خيانة لدى المعارضين وانتصاراً لدى الموالين، وهو انتصار على صغر حجمه لم يمنع بشار الأسد من لقاء اللاعبين والظهور محتفياً بهما.

الجدل لم يدم كثيراً حينها، فالمنتخب فشل في الوصول إلى كأس العالم بعدما هزمه المنتخب الأسترالي في الملحق الآسيوي، والنقاش حول “فصل الرياضة عن السياسة” اختفى تدريجياً، وإن كان لاعبو المنتخب تحولوا بعدها إلى شخصيات عامة مطالبة بما هو أكبر من مجرد لعب كرة القدم.
معارضو المنتخب السوري قادوا حملات طاولت لاعبي المنتخب أينما ذهبوا، باعتبارهم “داعمين” للنظام المسؤول عن قتل السوريين، ونجحوا في إلزام نادي القادسية السعودي، أحد أندية الدوري السعودي لكرة القدم، على فسخ تعاقده مع إبراهيم العالمة حارس مرمى المنتخب، بعد حملة إعلامية واسعة استهدفت إعادة نشر تصريحات للحارس أظهر من خلالها تأييده النظام والجيش السوري، النادي السعودي لم يحتمل الضغط الإعلامي والتهديدات التي قيل إن بعضها وصل إلى التهديد بالقتل، ليعلن عن فسخ تعاقده مع اللاعب بعد أقل من أسبوعين على توقيع العقد، لكن “معارضي المنتخب” لم ينجحوا في تكرار الأمر ذاته مع عمر السومة هداف نادي الأهلي السعودي، الذي على رغم ظهوره إلى جانب بشار الأسد وتصريحاته “المقتضبة” دفاعاً عنه، إلا أن شعبية اللاعب داخل السعودية وربما تأييده السابق للثورة، حمياه من مصير مشابه لزميله، وكذلك الأمر بالنسبة إلى أسامة أومري المحترف في نادي قطر القطري والذي سبق أن ظهر مرتدياً قميصاً يحمل صورة بشار الأسد، هنا احتمى اللاعبون وأنديتهم بـ”فصل الرياضة عن السياسة” عن أي حديث آخر.

وإدراج النقاش الحالي في سياق “فصل الرياضة عن السياسة” يعدّ أمراً منطقياً، فالقضية ملطخة جداً بالدماء ومئات الرياضيين السوريين قُتلوا خلال السنوات الماضية، وبعضهم ما زال مغيباً حتى الآن في سجون النظام ومعتقلاته، والمساحة الوسط بين المجرمين في كلا الطرفين باتت ضيقة للغاية. ما يحصل في سوريا بعيد كل البعد من “الخلاف السياسي”. صحيح أننا أمام نظام حاكم ومعارضة تطمح لانتزاع هذا الحكم منه، لكن هذا “الخلاف” تجاوز حدود السياسة بكثير، نحن أمام وطن تحولت أرضه ساحة صراع عسكري دولي تدخلت فيه أعظم قوتين عسكريتين على وجه الأرض في يومنا الحالي، أي الأميركيون والروس، نحن أمام صراع قُتل فيه مئات الآلاف وهُجّر الملايين ومُسحت مدنٌ عن الوجود، البراميل المتفجرة والصواريخ الفراغية والتهجير الجماعي والمواجهات الطائفية وقتل الآلاف تعذيباً في السجون والمعتقلات وتغييب مئات الآلاف غيرهم، هذا بالتأكيد ليس من السياسة بشيء.

بين مشجع المنتخب ومشجع أي خصم سيلعب ضده، هناك فريق ثالث أخذته حماسة اللحظة وأراد أن يكرر تجربة منتخب ساحل العاج 2000، عندما نجح لاعبوه آنذاك بالتأهل لكأس العالم للمرة الأولى في تاريخهم، ليجثو ديدييه دروغبا قائد المنتخب آنذاك على ركبتيه ويتوسل لشعبه أمام عدسات الكاميرات بإيقاف الحرب الأهلية ودعم منتخب كرة القدم، لتتوقف حرب استمرت نحو 3 أعوام ويجمع لاعبو المنتخب زعماء طرفي الصراع بجانب بعضهم داخل ملعب لكرة القدم.

هذه الآمال في تكرار “معجزة منتخب ساحل العاج” ليس سهلاً أن تجد طريقها في سوريا، فالخصمان أصبحا في أقصى درجات التطرف يميناً ويساراً، ولا يستطيعان إيقاف الحرب حتى لو أرادا ذلك، بعد أن أصبح القرار في سوريا بيد دول وقوى إقليمية تتصارع للحصول على المكاسب فوق أنقاض سوريا المدمرة، إصلاح سوريا التي أصبحت خارطتها متعددة الألوان يحتاج إلى عقود من الزمن وجيل غير هذا الجيل من الناس، لا إلى فريق كرة قدم.

سواء سميته المنتخب السوري أو “منتخب البراميل”، فهو مجرد انعكاس لما بات عليه المشهد السوري عموماً، أنت إن لم تكن مؤيداً فحتماً أنت معارض، وإن لم تكن معارضاً فأنت مؤيد، وبين هذا وذاك هناك فجوة واسعة جداً، أنت مضطر إلى الوقوف على أحد جانبيها، لم يعد من السهل أن تُجمع شتات السوريين مرة أخرى.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
أحمد حاج بكري- صحافي سوري
كانت لافتة “يمنع دفن أي شخص سوري منعاً باتاً تحت طائل المسؤولية”، المعلقة على سور إحدى مقابر لبنان كافية لمعرفة الوضع الذي وصلت له المصاعب التي تواجه لاجئاً سورياً في حال فكر في دفن قريب له.
Play Video
“فلقة” جديدة يتلقّاها أطفال سوريين في بلدة غزة البقاعية في لبنان. نشر الصحافي هادي الأمين فيديو يُظهر تعنيف شاويش لأطفال سوريين لأنهم “يقصّرون في عملهم”. وفي كل مخيم للاجئين في لبنان، يتعيّن شاويش سوري ليكون بمثابة مسؤول عن هؤلاء الأطفال. في وقتٍ يتعرض فيه هؤلاء الأطفال لانتهاكات عدة من تسرب تعليمي وعمالة مبكرة و تعنيف لفظي وجسدي، يأتي هذا الفيديو ليؤكّد ذلك. حيث ترتفع وتيرة خطاب رسمي وإعلامي تمييزي تجاه السوريين في لبنان الذين تتراكم حولهم معلومات مغلوطة. فيما هناك حوالى 30 ألف طفل لاجئ يعمل في مهن قاسية الأطفال اللاجئين الذين أقحموا في سوق العمل خصوصاً الزراعة. وبعد انتشار الفيديو ألقت القوى الأمنية، بإشارة من مدعي عام البقاع القاضي منيف بركات، القبض على الشاويش وأحالته إلى القضاء المختص.

1:23

Play Video
يرصد هذا التحقيق أبرز التعقيدات التي ترافق دفن اللاجئين السوريين في دول الجوار، بدايةً من تعثّر الحصول على قبر لاستقبال الرفات، مروراً باستحالة إعادة الرفات إلى سوريا، وليس نهايةً بظروف الدفن غير الطبيعية، في غياب أفراد من الأسرة أو بعيداً منهم، أو في مقابر “طوارئ” مشيّدة على وجه الأرض، أو في مقابر على سفوح الجبال أو ضمن أراضٍ طينية.

1:56

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني