إذا أردنا سياسة مختلفة: نحن بحاجة إلى “فرويد”

يناير 10, 2019
تفتح قراءة فرويد أعيننا على مفهوم سيرورة الإنسان الحديث وتشكله. إذا عنت الحداثة أي شيء، فهي تعني فهماً معيناً للعملية التي نصنع بها أنفسنا لما نحن عليه: التأمل في ذواتنا.

“إذا كان هناك أمر مؤكد، فهو أنني لست ماركسياً”. أحب أن ماركس قال ذلك. أحب معرفته بنفسه. أحب شاعرية الإعلان الشيوعي. أحب أنه كان عراف ما نسميه اليوم بالعولمة ونبيّه. وأحب فهمه عدم وجود مجال في حياتنا، خاصاً كان أو عاماً، لم يخترقه رأس المال وأن ذلك ليس قابلاً للمساومة. هو أعظم مفكري زماننا، لكن خلال السنتين الماضيتين غيرت رأيي بشأن كونه أهم مفكري العصر.

إذا أردت أن أقرأ لشخص ذي فكر راديكالي مقلق وبإمكان أعماله تفسير ما يحدث اليوم بحق، فما علي سوى أن أقرأ لفرويد. كثيراً ما تشرح لي أعماله أشياء أُفضِّل ألا أعرفها، لكنني أدركها في ما يحدث حولي. لم أتخل عن كارل، لكن سيغموند يمثل بالنسبة إلي رجل اللحظة الراهنة؛ المفكر الذي يكشف لنا الكيفية التي نرى فيها أنفسنا. أنت لا تقرأ فرويد للبحث عما يطمئنك، لكن إذا أردت عملاً راسخاً وعميقاً ومذهلاً، فلن تجد خيراً منه.

تفتح قراءة فرويد أعيننا على مفهوم سيرورة الإنسان الحديث وتشكله. إذا عنت الحداثة أي شيء، فهي تعني فهماً معيناً للعملية التي نصنع بها أنفسنا لما نحن عليه: التأمل في ذواتنا. بالنسبة لماركس  يقود هذا التأمل إلى العلاقات الطبقية المتحاربة بالضرورة. لكن الطبقة العاملة مثلت إحباطاً مستمراً لليسار لفشلها في الاعتراف بنفسها طبقةً أو الانصياع لما تؤمر به. كما أُخبرنا ذنب وسائل الإعلام الرئيسية و الـ BBC، وساسة أحزاب الوسط، لكنه في الحقيقة ظاهرة عالمية. في الحقيقة فهم فرويد أن التوق إلى السلطة جزء من تكويننا البشري.

 

تفتح قراءة فرويد أعيننا على مفهوم سيرورة الإنسان الحديث وتشكله. إذا عنت الحداثة أي شيء، فهي تعني فهماً معيناً للعملية التي نصنع بها أنفسنا لما نحن عليه: التأمل في ذواتنا.

 

لقد رأى في العقلانية قشرة خارجية تخفي تحتها كوننا كتلاً من الدوافع والتناقضات. نحن مجهولون لأنفسنا، بل وخارجون عن السيطرة كذلك. بالتأكيد كان لفرويد أخطاؤه، إذ كان انتهازياً يحاول تنشئة أسرة في فيينا مطلع القرن، واخترع علماً مبنياً على أحاديث الرجال في ما بينهم عن حياة النساء. لكن فلننظر لما علمنا إياه. النرجسية والقمع والشجن والحنين إلى الماضي، وكيف تُمرر القوانين الأبوية دون وعي.

تمعن في أحوالنا السياسية الحالية، المبنية اليوم على شعار “استعادة السيطرة من جديد”. حذرنا فرويد من أن الحنين إلى الماضي هو توق لشيء لم يكن أبداً، هو نوع من الكآبة. وباعتباره يهودياً، كانت رؤيته للطفولة تشبه رؤية أي شخص دخيل يرغب في الاحتواء والاستيعاب.

النسوية أيضاً حركة عن المنع أو عدم الرغبة في الانخراط في المجتمع الأبوي. كل من يقرأ دراسة الحالة الشهيرة لفرويد “دورا” سيرى امرأة شابة لا ترغب في المشاركة في اللعبة، امرأة ترفض أن تكون سلعة متبادلة بين الرجال الأقوياء، امرأة تجد صوتها الخاص. إنها تمثل سلف حركة #MeToo ورعيلها الأول.

فرويد هو من يمنح صوتاً لأشياء لا نحبذ التفكير فيها، مثل جنسانية الأطفال والانحراف وخلق الهوس الجنسي وعنف الحب.

ومع نقاطه العمياء كلها – فهو لم يلحظ موجة معاداة السامية المتصاعدة حوله، بل خشي أن هلاكه سيكون بيد الكنيسة الكاثوليكية- كان فرويد قادراً على النظر إلى المجتمع البرجوازي والقول: ما تعتقدون أنه عقلاني يعتمد على دوافع لا تتحكمون فيها تماماً. ويقول إن النساء ربما يحسدن بالفعل سلطة الرجال، إن لم يكن أعضاءهم الذكورية.

وقال إن الأحلام لها أهميتها والأخطاء مهمة وكل شيء مهم ومؤثر.

يظل أنصار بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي وبعض أعضاء الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة محتفظين بالمفهوم الماركسي التبسيطي عن الوعي الزائف. ينص هذا المفهوم على أن الناس بحاجة فقط للحقائق الصحيحة ليفكروا بطريقة صحيحة. تريد حركة Momentum، أن توقظ وعي الناس على بعض الرؤى الصحيحة للاشتراكية وهو كثيراً ما يغذي توقاً آخر للسلطة، توقاً أرق وأكثر رمادية. ربما جيرمي كوربن؟

تكمن المشاعر في مركز كل ذلك، وليست المواقع الطبقية وحدها. فهم فرويد ذلك، فهم أن ما نسمح له بأن يكون وعياً أمر معقد. يقلبنا فكره ظهراً لبطن. عندما كنت ألتقي السياسيين، كثيراً ما رأيتهم أقل من قابلتهم وعياً بذواتهم. ألا يقوم جزء من كونك زعيماً جيداً على تمحيص دوافعك الذاتية، وغرورك، وانفعالاتك العصبية اليومية وقدرتك على التغير، حتى لا تكرر أنماط الماضي، أو على الأقل لتصبح واعياً بها؟ يبدو أن الإجابة بالنفي.

قتل فرويد معلم الاعتماد على الذات فرويد الثوري. لكنه ثوري وعلينا استعادته من هذا المنطلق. لقد غيرت رأيي تجاهه لأنه يغير العقول. نحن نعيش في عصر عاد فيه ما قُمع وكُبت قبلاً. وهو عصر مظلم للغاية. إذا أردتم سياسة جديدة، عليكم إذاً أن تفحصوا وتغيروا عقولكم بأنفسكم. من هنا يبدأ الأمر.

 

سوزان موور

هذا المقال مترجم عن theguardian.com ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي.  

 

 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبومرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني