fbpx

خلف يوسف أبو خلف: رحلة داعية أردني من السلفية إلى الإلحاد والمثلية الجنسية

قد يكون اسم خلف يوسف أبو خلف مجهولا لدى قسم كبير اليوم، لكنّه حتما لن يتوقّف عن لفت الأنظار وإثارة الجدل على يوتيوب ومواقع التواصل الإجتماعي، فالرجل الذي كان سابقا شيخا إسلاميا سلفياً وإمام مسجد في الأردن، عبّر بشكل متسلسل عن ميوله الجنسية المثلية وأشهر لاحقا إلحاده وجاهر بعدائه للأديان وهو اليوم أكثر من أي وقت مضى وجها معروفا في حقل الملحدين العرب وشبكات مجتمع المثلية الجنسي أو LGBT.

قد يكون اسم خلف يوسف أبو خلف مجهولا لدى قسم كبير اليوم، لكنّه حتما لن يتوقّف عن لفت الأنظار وإثارة الجدل على يوتيوب ومواقع التواصل الإجتماعي، فالرجل الذي كان سابقا شيخا إسلاميا سلفياً وإمام مسجد في الأردن، عبّر بشكل متسلسل عن ميوله الجنسية المثلية وأشهر لاحقا إلحاده وجاهر بعدائه للأديان وهو اليوم أكثر من أي وقت مضى وجها معروفا في حقل الملحدين العرب وشبكات مجتمع المثلية الجنسي أو LGBT.
ظروف النشأة والتربية
ولد خلف أبو خلف، أو خلف يوسف كما هو معروف اليوم، سنة ١٩٧٤ في مدينة الرمثا في الأردن في عائلة بدوية متشددة دينياً، وترعرع في جو هادئ واهتمام كبير أولاه أياه والده على حساب أشقائه، ولم تمنعه علاقته المتوترة مع شقيقه الأكبر بسبب انجذابه للفتيات وتمضية وقت كبير معهنّ في سنين الطفولة من تصالحه التام مع هويته الجندرية وشعوره برضىً تام عن جسده.
يروي خلف في مقابلاته المنشورة أنه اكتشف في سنّ مبكّرة أنّه يتعلّق بسرعة بالصبيان الوسيمين الذين يرى صورهم أو يلتقي بهم في حياته اليومية في المدرسة، وعاش أول تجربة حبّ مع زميله عندما كان في الإعدادية لكنّه لم يكن يعلم ماهيّة هذا الشعور الذي يختلجه عندما يرى “حبيبه”، واستمرّ الأمر على حاله لعدة سنوات قبل أن تتفتّح مخيّلته في بداية التسعينات، من خلال مشاهدة الأفلام والمسلسلات الأجنبية غير المتوفّرة على شاشات الفضائيات العربية، على مفردات “المتحولين جنسيا” و”مثليي الجنس”.
عاش خلف في تلك الفترة صراعاً قوياً بين الشاب الذي يرى أقرانه يتحدثون عن الفتيات الجميلات، والشاب الذي يكتنز مشاعر حب وإعجاب بصديقه الشاب الآخر. أحسّ بشيء من الغرابة كما يقول في إحدى المقابلات التي أجريت معه سنة ٢٠١٦، ورأى نفسه منفصلا عن الواقع ويغرّد خارج السرب.  لكنّ مشاعر الحب والعلاقة التي بناها على مدار سنوات مع صديقه في الخفاء، بدأت تبرد شيئا فشيئا مع نزوع الشاب العشريني للتفرّغ لدراسته الدينية، إلا أنّه بقي على تواصل مع الشاب حتى انقطاعه التام عنه سنة ٢٠١٠. أصبح الدين حاجزاً يمنع خلف من اللقاء بصديقه الذي يحب، خوفاً من أي اتصال جنسي يحرّمه النص الديني في بابه التشريعي الأول “القرآن”، وأصبحت معركته في تلك الفترة كيفية التوفيق بين كونه شيخاً إسلامياً يدعو إلى دين الله، وبين كونه مثليا جنسيا “مغضوب عليه في دين الله”.
بقيت الأمور على ما يرام وظلّ خلف يوسف ذلك الشيخ الذي يخطب أحيانا نهار الجمعة في المسجد الحسيني في عمّان، والذي يحظى باحترام العلماء والعامّة في محيطه الأهلي والدعوي، حتى اتخذ قراره الجريء بتسجيل فيديو وبثه على يوتيوب يعلن فيه عن ميوله الجنسية المثلية. كان هذا القرار فعل انتحار وقطيعة في مسيرة خلف الدينية كموظف في وزارة الأوقاف، التي أحالته إلى مجلس تأديبي لمحاكمته، لم يستطع من متابعة كافة الجلسات بسبب تهديدات القتل التي بدأت تتواتر إلى مسمعه، فهرب إلى لبنان سنة ٢٠١٤ ومكث هناك لبضعة أشهر قبل الهجرة إلى كندا.
ما بعد الإنتحار الأهلي : تأكيد الذات والإنتقال من الدفاع إلى الهجوم.
في لبنان، بدأ الشيخ السابق بنسج شبكة من العلاقات في بيئة المثليين ونشط في جمعية “حلم”، وألقى محاضرة بدعوة من الجمعية حملت عناوين عديدة من بينها التأكيد على الهوية المثلية في السياق الديني، أي حضورها ومصالحتها مع التربية الدينية الأولية والضغط الاجتماعي والأهلي على كل فرد اكتشف ميوله المثلية.  وتناول خلف النصوص القرآنية حول قوم “لوط”، وتحدّث عن الرجال غير “أولي الأربة” وخاض في تفصيل أعمق وأكثر دلالة على وجود المثلية في الإسلام، فضرب المثل بالصحابة المخنثين، وكل هذه المواضيع قد صوّرها في مقاطع فيديو ونشرها على صفحته في يوتيوب.
في محاولته تأكيد هويته الجنسانية راح خلف يوسف يبحث عن صورته الأولى في جذور الأديان وفي بنى الإسلام بشكل خاص، فيعود إلى النص القرآني “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة” ليعرّف الزواج بشكل ينفي اختزاله بالذكر والأنثى ويدخله في تناقض مع آيات أخرى عن القرينين من جنسين مختلفين.
ويتناول خلف آيات تأتي على ذكر “الأحمق” و”المخنّث” و”القواعد من النساء” فيقول مثلا في المقطع الذي بثه على صفحته من سلسلة من ١٥ حلقة عن المثلية في الإسلام “في تفسير العلماء، وأنا من الذين درسوا تفسير القرآن لسنوات، يقول هؤلاء أنّ النساء القواعد هنّ اللواتي لا يرجون نكاحا. في البحث عن أسباب عدم الرجاء هذا، يشرحن العلّة الجسدية والتشوّه الجسماني وعدم رغبتها في الزواج لكنّهم يغفلون مسألة الميل الموجود معها منذ وعيها الأول على هويتها الجندرية”.
على أنّ البحث المستمرّ الذي قام به خلف كمثليّ في حياة الإسلامي أولاً، والمسلم الذي فكّ ارتباطه بالإيديولوجيا القاتلة لاحقا، بدأ يدفعه أكثر نحو الشكّ بمسلمّات وثوابت نشأ وتربّى عليها، وهو الذي فهم أنّ “المثلية لم تكن يوما كالديناصورات، نسمع بها ولا نراها، بل موجودة منذ الإسلام وقبله وليست حالة شذوذ صدّرها لنا الغرب الكافر”.
انتقل خلف إلى المرحلة الأخيرة في مسيرة طويلة من تكوين شخصيته المتمردة، تلك المرحلة التي يرتكز فيها إلى كلام “مفكّر التحرير والتنوير” (كما يصفه) عبدالله القصيمي “لا يوجد معرفة ضارة ولا جهل نافع، فكل الشرور مصدرها الجهل وكل الخير مصدره المعرفة”.
في اللاأدرية والإلحاد: بعيدا عن عالم الغيب قريبا من عالم المادة.
اتّجه خلف يوسف شيئا فشيئا نحو نفض كل غبار التجربة الدينية التي مرّ بها وسلكها طوعاً، مؤمناً بها، ومتصالحاً مع أفكارها الى حدّ تصوّره لهوية جنسية مثلية يتقبّلها الإسلام.
وفي رفضه للقتل والعبودية والأمراض والمجاعة والكوارث وفي بحثه عن سلّم أخلاقي لا ميراث ديني فيه، ظلّ الرجل الأربعيني يتساءل عن الخرافات والحرام والحلال والمباح وأصبحت أسئلته تتجاوز ابتغاء المعرفة، إلى خلقها وتعريفها من جديد في إشكالية رفض المسلّمات ونقضها بالمكتسبات التي يحصّلها، فهو الذي لا يتمتّع بمستوى عالٍ من المعرفة العلمية يمكّنه من الخوض في نقاشات علمية ومجانبة المواضيع الجدلية بشكل علميّ، لا ينفكّ عن القراءة وتطوير الذات منذ انخراطه في مجموعات لا أدرية وإلحادية عربية.
والواقع أنّ مثلية “الشيخ” خلف لم تكن مسبّبا أبدا في دفعه للإلحاد لأنّ الرجل عاش لسنوات كمسلم منسجم مع هويته الجنسية وتوّجهه الإروتيسي، لكنّها حتما ليست مرحلة عابرة في انتقاله من التديّن الصرف إلى الشكوكية البحتة، التي ترجمها في عشرات المقاطع المصوّرة التي تتناول الخلق ونظرية التطوّر في المناهج التربوية الأردنية، والتي جعلته هدفاً لحملات كثيرة تتهمه بالكفر والترويج للشذوذ وتصفه بأقسى العبارات.
ردّا على الشتائم التي تطاله في تعليقات على المقاطع المصوّرة التي يبثّها، يلجأ خلف إلى السخرية أحياناً من العنف اللفظي الذي يبادله إياه هؤلاء، لكنّه يرد أحيانا أخرى بالشتائم التي تطال كل مقدّس عند “الحاقدين” حسب قوله. ولدى سؤال إحدى مقدمات البرامج التلفزيونية عن السبب الذي يجعله يهين الذات الإلهية والرسول والصحابة ومقدسات المسلمين، يردّ خلف بهدوء “أردّ على الإساءة بإساءة. هم لا يريدون تقبّل أفكاري التي لا تدعو إلى القتل والتكفير كأفكارهم لذلك ردة فعلي طبيعية جدا”.
في كندا، يعيش اليوم خلف كلاجئ ويحاول قدر الإمكان ضبط مشاكل اللغة والثقافة، ويعمل على مواجهة الخرافات وهدم الأصنام في مجتمعاتنا عبر الحلقات التي يعمل على تصويرها فتكون إما مدخلا لأي نقاش “مع الذين يرغبون في خوض نقاشات مفيدة” وإما سببا إضافيا لشتمه والتحريض عليه.
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منال نحاس – صحافية لبنانية
تسللت الدول العربية عبر ستار مكافحة كورونا الى أدق المساحات الخاصة المتعلقة بحرية الأفراد وطوقتها، فكيف فعلت ذلك؟
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني